تعد الزراعة أحد المحركات الرئيسية لفقدان التنوع البيولوجي، وتشير العديد من التوقعات إلى أن فقدان التنوع البيولوجي بسبب الزراعة قد يستمر حتى في ظل السيناريوهات الطموحة التي تتضمن جهودا للحد من الطلب المستقبلي على المنتجات الزراعية.

ومع تفاقم أزمة المناخ وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، يواجه المجتمع الدولي أسئلة صعبة تتعلق بكيفية إنتاج غذاء كاف دون المساس بالتنوع البيولوجي والحفاظ على الطبيعة مع استمرار تغذية مليارات البشر.

اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4لماذا صار التصحر أزمة تتجاوز البيئة وتمس البشر؟list 2 of 4هل يكفي الاستغناء عن أكياس البلاستيك بالورق لحل أزمات البيئة؟list 3 of 4التغير المناخي يشكل الخطر الأكبر لانقراض الحياة على الأرضlist 4 of 4الوحيد في السودان والـ15 عالميا.. الحرب تدمر بنك الجينات النباتيةend of list

وتُوضح دراسة نشرت في مجلة "نيتشر" أن إحداث توازن بين الطلب العالمي المتزايد على الغذاء والحفاظ على الطبيعة وتنوعها ليس بالأمر السهل، وأن إطعام العالم ليس مجرد تحد تقني، بل هو تحد بيئي عميق. وستحدد كيفية استجابة العالم له الوضع الذي سترثه الأجيال القادمة.

وغالبا ما يناقش دعاة حماية البيئة وصانعو السياسات إستراتيجيتين رئيسيتين لتعزيز إنتاج الغذاء. الأولى هي التوسع، أي إخلاء المزيد من الأراضي للزراعة. والثانية هي التكثيف، أي زيادة إنتاجية الأراضي الزراعية القائمة من خلال ممارسات عالية الاستهلاك، مثل المبيدات الحشرية والأسمدة والري.

وضمن هذه المقاربة، استخدمت الدراسة -التي قادتها الدكتورة سيلفيا تشاوشو في مركز أبحاث التنوع البيولوجي والبيئة بجامعة لندن- مجموعة كبيرة من البيانات العالمية، وقام الباحثون بتحليل أنماط التنوع البيولوجي حول المزارع التي تنتج الذرة والقمح والأرز وفول الصويا، وهي المحاصيل التي تشكل أكثر من نصف السعرات الحرارية التي يتناولها العالم.

إعلان

وركّز الخبراء على المناطق التي بقيت فيها بعض النباتات الطبيعية، باستثناء المناطق البرية البكر. ثم قيّموا التنوع البيولوجي من حيث ثراء الأنواع، ووفرتها الإجمالية، ومدى انتشارها.

وكشفت النتائج أن التوسع والتكثيف يلحقان ضررا بالتنوع البيولوجي، إلا أن مدى الضرر يختلف باختلاف المنطقة ونوع المحصول والغطاء النباتي الموجود. ففي بعض المناطق، أضر التكثيف بالنظم البيئية المحلية أكثر من تحويل الأراضي الجديدة.

وغالبا ما تهدف السياسات التي تحاول تقليل تكلفة التنوع البيولوجي للزراعة إلى تقليل توسع الأراضي الزراعية من خلال زيادة المحاصيل على الأراضي الزراعية القائمة.

ويسود الاعتقاد بأن هذا التكثيف أقل ضررا بالتنوع البيولوجي. فهو يَعِد بتوفير المزيد من الغذاء من الأرض نفسها، مما يُجنب النظم البيئية الطبيعية خطر التحوّل. لكن الدراسة تكشف أن هذا الافتراض قد لا يكون صحيحا دائما، ودعت إلى إستراتيجية أكثر مرونة ووعيا في السياسات الزراعية والحفاظ على البيئة.

وتقول الدكتورة سيلفيا تشاوشو إن "إطعام سكان العالم يأتي بتكلفة متزايدة على التنوع البيولوجي لكوكبنا. ويشير بحثنا الجديد إلى أن الأمر في الواقع أكثر تعقيدا من ذلك".

ويشجع التخطيط الزراعي الحديث على "سد فجوات المحاصيل"، أي زيادة الإنتاج في المناطق التي تقل فيها المحاصيل عن إمكاناتها. ويكمن المنطق في تقليل الحاجة إلى توسيع الأراضي. لكن هذه الدراسة الجديدة تُظهر أن القيام بذلك قد يترتب عليه عواقب بيئية وخيمة أيضا.

وأشارت تشاوشو إلى أن "توسع الأراضي الزراعية يحدث تغييرا جذريا في التنوع البيولوجي المحلي. ومع ذلك، فبمجرد ترسيخ الزراعة، قد يؤدي تكثيف الممارسات الزراعية إلى تدهور التنوع البيولوجي المحلي بشكل أكبر، وأحيانا أكثر من إزالة المزيد من النباتات الطبيعية من المنطقة".

النمط الاستهلاكي وتقليل هدر الموارد مهمان في الحفاظ على الطبيعة والتنوع البيولوجي (غيتي) بين التكثيف والتوسع

ومن أبرز استنتاجات الدراسة عدم وجود قاعدة عامة. فكل بيئة طبيعية تختلف عن الأخرى. فما ينجح في الزراعة الأحادية المعتدلة قد يفشل في الزراعة الاستوائية. هذا التباين يجعل تطبيق السياسات العامة بفعالية أمرا صعبا.

إعلان

وأشار البروفيسور تيم نيوبولد من جامعة لندن إلى أن "الاقتراحات البسيطة مثل تفضيل تكثيف الأراضي الزراعية بدلا من توسيعها ليست فعالة دائما، فلا يوجد حل واحد يناسب الجميع لتحقيق الزراعة المستدامة".

وتشير الدراسة إلى أنه بدلا من الاعتماد على إستراتيجيات الحل الواحد، يجب على صانعي السياسات مراعاة البيانات البيئية والاجتماعية والزراعية المحددة في كل منطقة.

ويشمل ذلك فهم الأنواع المعرضة للخطر، وكيفية عمل النظم البيئية محليا، ونوع النباتات المتبقية حول المزارع، فلا يتعلق الأمر فقط بالمكان وكيفية الزراعة، ولكن أيضا بما يعيش في الجوار، وما قد يختفي مع تكثيف الزراعة.

وإلى جانب الأضرار البيئية، تتناول الدراسة "العواقب التطورية". فمع تزايد شيوع الزراعة المكثفة، تُعيد تشكيل أنظمة بيئية بأكملها، فلا يبقى على قيد الحياة إلا الأنواع القادرة على التكيف مع البيئات المتغيرة. ومع مرور الوقت، يفضي ذلك إلى اختيار سمات عامة، أي تلك التي تزدهر في بيئات مبسطة يديرها الإنسان.

وفي حين لا يؤيد الباحثون توسيع الأراضي الزراعية في الموائل البكر، فإنهم يحذرون من افتراض أن التكثيف مناسب دائما. ففي بعض السياقات، قد يكون التوسع في الأراضي المتدهورة أو الهامشية أقل ضررا من استنزاف المزيد من الإنتاج من المناطق الزراعية الكثيفة.

وقال الدكتور نيوبولد: "نحن لا نقترح توسيع الأراضي الزراعية إلى مناطق طبيعية سليمة، لأن الحفاظ على هذه الموارد الطبيعية غير المعدلة أمر حيوي بالنسبة للكوكب".

ويشير إلى ضرورة تجنب أي توسع جديد في الغابات البكر والأراضي الرطبة والموائل الغنية بالتنوع البيولوجي، حيث يكمن التحدي في تحديد وإدارة الموارد الطبيعية مع تجنب التكثيف الإضافي الذي قد يدفع النظم البيئية إلى تجاوز مرحلة التعافي.

وبالنسبة للمستهلكين، ترى الدراسة أنه من الصعب تتبع مدى استدامة أي منتج غذائي محدد، خاصة مع تفاوت التأثيرات بشكل كبير بين المناطق والمحاصيل.

إعلان

ويوصي الباحثون بتقليل هدر الطعام وتقليص استهلاك اللحوم، حيث سيؤدي ذلك إلى خفض الطلب الزراعي وتقليل الضغط على التنوع البيولوجي ورغم أن هذه التغيرات قد تبدو صغيرة على المستوى الفردي، فإنها قد تتجمع لتشكل تحولات ذات مغزى عندما يتم تبنيها على نطاق واسع، وفق الدراسة

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات تغي ر المناخ التنوع البیولوجی الأراضی الزراعیة المزید من إلى أن

إقرأ أيضاً:

الزراعة الإماراتية بين الإرث والاستدامة.. الشباب في صلب الرؤية الوطنية

ربط الدكتور سلطان بن سيف النيادي، وزير دولة لشؤون الشباب، بين تمكين الشباب في القطاع الزراعي والحفاظ على الإرث الوطني، معتبراً أن الاستثمار في الأجيال الجديدة يعزز استدامة هذا القطاع، ويدعم مستهدفات التنمية والأمن الغذائي، وذلك خلال زيارته النسخة الثالثة من معرض "دبي للرطب"، الذي ينظمه مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث في "قلعة الرمال" بدبي.

ويعتبر القطاع الزراعي، بحسب الدكتور سلطان النيادي، أحد القطاعات الحيوية التي تسهم في دعم مستهدفات التنمية المستدامة والأمن الغذائي، ويأتي برأيه تمكين الشباب للمشاركة في مسيرته امتداداً لنهج دولة الإمارات في الاستثمار بالإنسان، وإعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لتطوير القطاعات الوطنية والمحافظة على إرثها."

وتمثل النخلة جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية لدولة الإمارات، وفقاً للدكتور النيادي مؤكداً  أن معرض دبي للرطب يجسد نموذجاً وطنياً يجمع بين المحافظة على الموروث، وتحفيز الابتكار، وتعزيز المشاركة المجتمعية، مشيراً  إلى أن مشاركة مجلس الإمارات للشباب الزراعي تؤكد أهمية إشراك الشباب في المبادرات الوطنية النوعية، بما يرسخ ارتباطهم بالإرث الزراعي، ويفتح أمامهم آفاقاً أوسع للإسهام في تطوير هذا القطاع ودعم استدامته.

موسم الرطب.. سردية وطنية تتجدد

وتأتي زيارة النيادي في وقت تشهد فيه الإمارات تواصلاً لمهرجانات الرطب في مختلف إمارات الدولة، التي لم تعد تقتصر على الاحتفاء بموسم الحصاد، بل أصبحت منصات وطنية تجمع بين صون التراث، ودعم القطاع الزراعي، وتعزيز الاستدامة، فيما تواصل النخلة ترسيخ حضورها بوصفها رمزاً للهوية الإماراتية وركيزةً تدعم الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، تتواصل فعاليات الدورة الثانية والعشرين من مهرجان ليوا للرطب، المقام تحت رعاية  الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وتنظمه هيئة أبوظبي للتراث في مدينة ليوا بمنطقة الظفرة، بمشاركة واسعة من المزارعين والأسر المنتجة والجهات المعنية بقطاع النخيل والتمور، وفق وكالة أنباء الإمارات (وام).

مهرجانات الرطب تشمخ بالإرث الإماراتي مع النخلةhttps://t.co/DONanCxdBD

— 24.ae | منوعات (@24Entertain) July 22, 2026

وتتكامل مهرجانات الرطب في صيف الإمارات 2026 لتقدم أدواراً متكاملة في الحفاظ على الموروث الزراعي وتعزيز التنمية المستدامة. ففي حين يركز مهرجان ليوا للرطب على مسابقات المزاينة والابتكار الصناعي والتقنيات الزراعية الحديثة، يقدم معرض دبي للرطب نموذجاً يجمع بين المحافظة على الموروث وتمكين الأسر المنتجة ورواد الأعمال وربطهم بالزوار في سوق تفاعلي. كما يحتفي مهرجان الذيد بالموروث الزراعي للمنطقة الوسطى مع التركيز على حفظ سلالات النخيل التاريخية وتوثيقها، فيما يرتبط مهرجان العين بواحاته العريقة المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ليجمع بين زراعة النخيل والسياحة البيئية والأثرية.

مقالات مشابهة

  • "الزراعة" تكثف الترصد الوبائي لحماية الثروة الحيوانية
  • روحي فتوح: ما يحدث في الأراضي الفلسطينية تجاوز الاعتداءات الفردية وأصبح سياسة ممنهجة
  • الزراعة الإماراتية بين الإرث والاستدامة.. الشباب في صلب الرؤية الوطنية
  • وزير الصناعة: تمويل جديد للمشروعات الصغيرة وتيسيرات مرتقبة لتخصيص الأراضي الصناعية
  • الخرف لا يصيب المريض وحده!.. دراسة تكشف خطره على شريك الحياة
  • علي الدين هلال : وحدة الصف الوطني ترتكز على الاتفاق في المبادئ واحترام التنوع السياسي
  • توعية ميدانية بمخاطر الاستخدام العشوائي للمبيدات الزراعية في ذمار وجهران
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • دراسة: الاحتلال دمّر البنية التحتية بغزة لإنتاج بيئة موت مستدامة
  • بلديات توقف الدراسة بسبب ارتفاع درجات الحرارة المتوقع