تجديد الخطاب الديني بين هوية الخطاب وخطاب الهوية.. مشاتل التغيير (17)
تاريخ النشر: 7th, May 2025 GMT
يمكن تضمين قضايا القرنين -بل كذلك القضايا التي ستجدُّ من بعد- في هذا الإطار الذي يقطع بضرورة وضوح رؤية إسلامية (حضارية ذاتية) شاملة لعناصر التجدُّد الحضاري الذاتي ومرجعيته والسنن الحاكمة له، وضرورة الجمع بين الوعي العميق بها، والسعي سعيا غير قاصر؛ لا جزئيا ولا ذا علة بما يتبدى في البنية التقويمية للخطاب الديني وأطره.
من ناحية أخرى فإن "قضية الهوية كانت -ولا تزال- هي القضية الحاكمة لمسار وتطور التجديد والتجدد في الفكر وفي الخطاب الديني عبر القرنين"، حيث بدأ سؤال الوعي بالإشكال الحضاري بمتسلسلة سؤال الهوية المركب من:
- من نحن؟
- ماذا نملك؟
- على أي أرض نقف: الحضارة بين غالب ومنغلب ومغالب؟
- ماذا نأخذ وماذا نرفض أن نأخذ من الغرب؟
- إلى أين المسير؟
سؤال النهضة المسموم وضع التيار النابع من الذات أمام خيارات غير موائمة: بين العودة إلى الذات والبحث فيها عن ماكينات التجدد والممانعة والمقاومة والنهوض، ولكن مع الوقوع في فخ الانغلاق والانكفاء بعيدا عن العصر، وبين الاختيار المضاد؛ كل ذلك لغيبة الوعي بأصول المواجهة الحضارية الجامعة بين الوعي بالذات واستبانة سبيل الآخرين
إن هذه الأسئلة لا بد أن تُطرح بترتيبها بما يستقيم معه سؤال النهوض، وفق الأولويات، والضرورات، وفقههما. إن اعوجاج سؤال النهضة وتسممه بنقص الوعي بالذات ومكناتها آل على حالة من الخلل والعطل والعطب، خاصة فيما تبناه التيار التابع المنفصم عن ذاته.
أما التيار النابع فهو لم يكمل متسلسلة أسئلته من جهة، ولم يواجه واقعه بالوسائل المكافئة من جهة أخرى، فظل يتعامل مع القضايا إما تجزيئيا أو كردِّ فعل، ولم يلتفت إلى أن فضيلة المنظومة الإسلامية الأساس إنما هي في منظوميتها ووحدتها كنسيج لا ينقض غزله وهو على حاله؛ ومن ثم لم يكن ممكنا تناول القضايا المنبثقة عبر المسير بعيدا عن نسيجها الحضاري المتماسك. هذا الإغفال -أو هذه الغفلة- كان مجالا للخطاب التابع ليعيد تسكين القضايا في أطر الآخر وبعيدا عن الذات.
إن سؤال النهضة المسموم وضع التيار النابع من الذات أمام خيارات غير موائمة: بين العودة إلى الذات والبحث فيها عن ماكينات التجدد والممانعة والمقاومة والنهوض، ولكن مع الوقوع في فخ الانغلاق والانكفاء بعيدا عن العصر، وبين الاختيار المضاد؛ كل ذلك لغيبة الوعي بأصول المواجهة الحضارية الجامعة بين الوعي بالذات واستبانة سبيل الآخرين.
لقد عبرت مسيرة القرنين عن حالة من الاشتباك على مائدة قضايا واحدة، لكن بين صفين أو شبكتين من المفاهيم: بين من أراد أن يداوي أزمة الواقع لكن من صيدلية الغرب والهجرة عبر المكان، ومن أراد أن يصنع أدوية الواقع المعتل من خلال الهجرة عبر الزمان. إن هذا يذكرنا بالمقولة الذهبية للإمام ابن القيم للجمع بين نوعي الوعي أو الفقه: "الفقه فقهان: فقه في الأمور الكلية وفقه في الحوادث الجزئية، ولا بد أن نعطي الواجب حقه من الواقع والواقع حقه من الواجب". وهذا ما لم يفعله الفريقان إما كليا وإما جزئيا.. حتى جاءت اللحظة ليُغتصب الأمران معا؛ الواقع والواجب أو اغتصاب التطبيق.
لقد تجلى هذا السؤال القلب، السؤال النبع، السؤال المنطلق: سؤال الهوية، في عدد من الأسئلة المتولدة والمنبثقة عنه؛ وعلى رأسها "سؤال اللغة". فاللغة هي الواسطة المؤسسة للهوية، هي التي تمثل "بيان الهوية" وبينتها ودليلها وأمارتها، اللغة هي الرابطة الواصلة، والمميزة الفاصلة، تحدد مساحة الذات وامتداداتها ومتعلقاتها، وتحدد حدود الذات وكيانها اللامِّ لعناصرها، واللغة هي أولى القضايا اتصالا بالهوية إذ هي أداة الوعي بالذات وأداة التوعية، هي ثقافة وحضارة وتاريخ، وسيرة ومسيرة وسيرورة، هي في الخطاب الفصل وفصل الخطاب: وعاء الهوية ووعيها، ووعاء المرجعية ومنظومة تنتظم نسق القيم الحضارية وتعبر عنها. إن "العبارة اللغوية" ليست مجرد جملة حروف وكلمات صماء، بل هي روح فياضة، عبارة ومعبر وعبور وعبرة، ونسق تفكير ومكنات تدبير وضوابط تغيير.
ومن ثم جاءت الهجمة على اللغة مبكرة مع استهداف الهوية والكيان؛ فمنشور الاستشراق وخطابه والخطاب النابليوني مع اللحظة الفارقة الأولى، مثَّل محاولة بينّة لإحداث قدر من التلبيس والتدليس والتسميم اللغوي بالمعنى الثقافي والحضاري الفياض ومقتضياته، كشف هذا الخطاب عن مدخل الزيف بمحاولة حبس اللغة وتسميمها لكي تتحول من القيام بوظائف البيان إلى التورية والتمويه ووحي الزخرف، ومن الإفهام إلى الإبهام والإيهام، ومن البلاغة والبلاغ والتبليغ إلى قلب حال اللغة وتكسير عظامها، فتنتقل من اللغة الفاعلة إلى اللغة المنفعلة، من لغة القرآن التي تصل بالمرجعية والذاتية وتتوسط الطريق بين الحال وذاكرتها والمآل، إلى لغة مسمومة تقطع الطريق على العودة وتأوي إلى ركن شديد.
وعليه يمكن نسج قضايا القرنين أو يزيد وما دار حولها من خطاب وتجديد في إطار وشواهد:
- أما الإطار فهو المتعلق بالقضايا التأسيسية التي لا تزال أسئلتها مطروحة بعد قرنين: وهي بالأخص قضيتا الهوية واللغة، وهما تعبران عن محددات وتطورات العلاقة بالآخر وتحديد محاور انتماء الذات.
- وأما الشواهد فهي سائر القضايا التي أفرزها تطور هذا الإطار من قبيل قضية انتماء (بين مفرق: الخلافة الإسلامية- الدولة القومية المستقلة، القومية العربية) وقضية تطبيق الشريعة الإسلامية والنظام السياسي للدولة، ومسألة المؤسسات ذات الطابع العام بين ما يسمى بالتقليدية والمؤسسات المستحدثة (حالة الأوقاف نموذجا)، وقضية التعليم (بين تطوير التعليم السائد/ التقليدي وتحديث منظومة التعليم بالاستفادة من التجارب الغربية)، ومسألة المرأة (كقضية للتغيير الاجتماعي ونقد الأوضاع والسعي لإدخال تحويرات معينة عليها). غير أن الخطاب حول الدين والعلم، والدين والحياة، والدين والهوية -على نحو ما أشير إليه من قبل- سوف يجذب مقاربات واضحة من المسألة تحت عنوان: الدين والسياسة، الأمر الذي فجّر مجالا خطابيا حول موقع الديمقراطية من الشورى، والنموذج الغربي، والنموذج الإسلامي للحكم، والانتخابات والمجالس.
من اللحظة الاستعمارية الى اللحظة العولمية؛ ومن ورائها تفاقم الخطاب.. كانت هذه هي البداية، لكن الأمر استشرى فيما بعد منتجا خطابا حول التحديث والتعليم والمرأة متصاعدا نحو تماثل تيار تغريبي أو متغرب بلغ أوجه في ظل الاحتلال البريطاني، وخاصة مع انعطاف القرن العشرين. ويلحظ البشري في ذلك "أن بعثات النصف الأول من القرن التاسع عشر كانت تتجه إلى العلوم الطبيعية وفنون الصنائع، بينما اتجهت بعثات النصف الثاني من ذلك القرن إلى العلوم الإنسانية، وبخاصة ما يتعلق بالآداب وما يتعلق بإعادة تربية الوجدان وصياغة العقول والرؤى الحضارية.
وكانت بعثات أوائل القرن يرسل فيها المبعوثون من الرجال الناضجين في مرحلة من العمر مما يلي فترة التربية والتنشئة، وهؤلاء أقل استعدادا لإعادة التشكُّل وللتقليد والمحاكاة، بينما ذهب مبعوثو النصف الأخير من القرن من صغار السن الأقل مَنَعة. وصف عبد الله النديم واحدا من هؤلاء على لسان أبيه في واحد من أعمال النديم. قال الأب: "ولدي توجّه إلى أوروبا، وحضر يذم بلاده وأهله، ونسي لغته". وكان النديم يسمي ظاهرة المحاكاة تلك باسم "مرض الإفرنجي". كان لهذا الاسم وقتها معنى شائع يتعلق بالأمراض الجنسية، وأراد النديم أن يستخدم هذه التورية. وأشار مصطفى صادق الرافعي في واحدة من مقالاته إلى "الشعوب المُترجَمة التي صارت في كنف لغة أخرى وأفكارها".
لقد أفرزت حالة العولمة لحظة عولمية شديدة الوطأة؛ ومزيدا من ارتباط الخطاب العلماني بمنطلقه التغريبـي، حيث إن سمة مضافة اصطنعتها العولمة، أو ربما كشفت عنها ورسختها، وهي "الاتصال القريب بين الخطاب العلماني والخطاب العولمي"، هذا الاتصال ثم التواصل تمثَّل في تبنّي كل من الخطابين لأطروحات الآخر، وتقديمها على صورة "مشاريع/ أطروحات/ مبادرات/ نداءات.." لإحداث "الإصلاح العلماني/ العولمي المنشود" في الأمة؛ لإدخالها في العصر، وإنقاذها من براثن التقليد والأصولية والراديكالية والتطرف والماضوية والإرهاب.. تلك الأوصاف التي أضحى يوصف بها الخطاب المقابل، داخليا وعالميا.
حالة من "خطاب أزمة الهوية" أو "أزمة خطاب الهوية" أو "خطاب الهوية المتأزم/ المتأزمة"، تحتاج إلى إعادة النظر في دلالات مفهوم "الهوية" نفسه في الخطاب الراهن بين: الهوية الأم والهويات الوليدة، والهوية المركز والهويات الأطراف، والهوية الفاعلة والهويات الموظّفة، والهوية العقدية والهويات المسيّسة
ومن هنا انتقل السجال الخطابي إلى مستوى آخر: مستوى كوني، يصطف فيه الخطاب العلماني المصري في دائرة الخطاب الغربي اصطفافا مباشرا، ولم يعد يدعو للأخذ بما لدى الغرب في التحديث، بل بإملاءات الخطاب الغربي، فصرنا أمام خطاب علماني كوني.. يقابله خطاب إسلامي كوني (يتراوح بين الحوارية: حوار الحضارات، بشكل مطلق أدنى إلى السلامية الوطنية المصرية في التعامل مع إسرائيل والصهيونية، وبين الصدامية الحضارية والقسطاطين الكونيين والمواجهة بلا هوادة، وما بينهما من تعارفية غير واضحة المعالم حتى الآن..) خطاب يقف بين الممانعة على التعلمن، وبين المصارعة على كسب المعركة الخاصة بنظام حكم الدولة، النظام العالمي (الأمة في مواجهة الغرب..)، وبين خطابات غير أصيلة تفرزها أشكال التداخل السابقة تدعو إلى فك الاشتباك الكوني باستحداث أشكال جديدة للمسألة العالمية.
إن هذا التحليل المفاهيمي لدلالات "الهوية" وارتباطها بلحظات تاريخية بالغة التأثير؛ في نهاية مطاف خطابات الهوية وسجالاتها قد يكشف لنا أن "تجديد الخطاب الديني" المتعلق بالهوية حين يُفرض من قبل "الآخر" فرضا، وفي هذا السياق الذي يشهد إرساء قواعد جوانتانامو الكونية، هذا قد يكشف عن غايات "تسميم الهويات" واستراتيجياته وآلياته، وإضفاء المزيد من "التأزيم" و"التسميم" و"التقزيم" و"التأميم" على هذا الخطاب ومتعلقاته..!! ليعاد تشكيل هوية سائر الأقطار الممزَّقة ضمن سياقات جديدة مصطنعة من قبيل: الشرق-أوسطية، الشراكة الأورومتوسطية، العولمة والقرية الواحدة.. إلخ، بل والبعد الأفريقي.. لتتخلق حالة من "خطاب أزمة الهوية" أو "أزمة خطاب الهوية" أو "خطاب الهوية المتأزم/ المتأزمة"، تحتاج إلى إعادة النظر في دلالات مفهوم "الهوية" نفسه في الخطاب الراهن بين: الهوية الأم والهويات الوليدة، والهوية المركز والهويات الأطراف، والهوية الفاعلة والهويات الموظّفة، والهوية العقدية والهويات المسيّسة، والهويات الحقيقية والهويات الزينة والزخرف والبهرج، والهويات الصاخبة (الإعلانية الدعائية) والهويات المسكوت عنها.. إلخ.
أردنا من هذا أن نوضح استمرارية السجالات مع كل لحظة يُطرح فيها عمليات الثورة والإصلاح ومشاتل التغيير؛ وقصدنا بذلك أن نبصر بالخروج من دائرة السجال العقيم إلى عملية البناء القويم والمستقيم؛ فيشغلنا تأسيس وتأصيل الخطاب المستقل النابع وما يستلزمه من عمل وفاعلية ونفض عنا الخطاب التغريبي التابع وما يخلفه من صراع وزيف؛ فيتحقق التغيير على هدى وبصيرة وكتاب منير وصراط مستقيم يحقق الخير العميم للأمة ومكوناتها وأفرادها، "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد:11).
x.com/Saif_abdelfatah
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه تجديد الهوية الخطاب اسلام خطاب تجديد هوية مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی الخطاب حالة من
إقرأ أيضاً:
بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
«إن الثقافة حق للمواطن كالمعرفة والرغيف» لم تكن مقولة الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم رواد العمل الثقافي في مصر، مجرد مقولة عابرة؛ فقد كان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي أعادت صياغة المشهد السياسي والاقتصادي في مصر، وأعادت الاعتبار للثقافة والعلم والعلماء والفنانين، ولم تكن مجرد ثورة على النظام الملكي قام بها الجيش وانضم إليها الشعب، بل كانت في جوهرها ثورة اجتماعية شاملة، آمنت بأن تحرير المواطن لا يكتمل إلا بتحرير عقله وتشكيل وعيه.
ومن هنا، ولدت لأول مرة في تاريخ مصر الحديث فلسفة «العدالة الثقافية»؛ تلك الفلسفة التي نقلت الثقافة والفنون من صالونات القصور والأوساط الأرستقراطية المغلقة لتصبح كالمأكل والملبس والتعليم «حقًا مشاعًا لكل مواطن». وأتذكر تلك الأغنية التى كانت تقدمها الإذاعة المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى من أداء مجموعة الكورال، ويقول مطلعها: «قالت الثورة مفيش إقطاع.. أنا جيت أصلح الأوضاع».
من هنا، تحولت قصور الإقطاعيين وأصبحت ملاذًا للجميع؛ فكرًا وثقافة وفنًا ومسرحًا، وإعادة لتشكيل الوجدان الشعبي، فالتف حولها الشعب واستطاعت قصور الثقافة المساهمة في بناء العقل المصري الحديث، عبر هذا المشروع الطموح الذي قاده الوزير والفنان ثروت عكاشة في ذلك الوقت، لتحول مصر في ستينيات القرن العشرين إلى ورشة عمل ثقافية كبرى، تجسدت فيها العدالة الثقافية من خلال ركائز أساسية غيرت وجه الحياة في الريف والحضر.
شهادة ثروت عكاشة: ردود حاسمة من واقع المذكرات
لم تسلم ثورة 23 يوليو من توجيه بعض الانتقادات إليها، مما دفع الدكتور ثروت عكاشة للرد على منتقديها في كتابه الأشهر «مذكراتي في السياسة والثقافة» بما يملكه من وثائق تخص تلك الفترة الحرجة في تاريخ مصر الحديث، وهو الرد الذي فند فيه كل تلك الأقاويل باعتباره أحد المشاركين في الثورة والمؤسسين لها.
يقول عكاشة في مذكراته: «نحن الضباط الأحرار لم نتفق قط قبل 23 يوليو 1952 على أن نقوم بانقلاب أو بثورة نتولى بها السلطة، وغاية ما كان قد تم الاتفاق عليه بيننا أن نقوم بحركة عسكرية إصلاحية لإنهاض الجيش من عثرته، علمًا وقيادة وتسليحًا وتدريبًا، وتوفير مناخ مصري شعبي تُقتطف فيه من بعدُ ثمرةُ الاستقلال وثمرةُ العدالة الاجتماعية، وترميم ما يمكن ترميمه من شروخ عميقة أصابت هيكل السلطة، وبخاصة المسألة الديمقراطية وضمان حقوق الأغلبية الانتخابية، ومن ثم توزيع السلطة بالعدل والقسطاس على من هم جديرون مؤهلون حقًا للمشاركة بها في إطار الحكم الملكي نفسه».
ويتابع «عكاشة» فيما يخص التفاف الجماهير المصرية حول الشعب قائلًا: «إن الثورة تتحقق نتيجة لاتفاق ضمني بين رغبة الجماهير كقوة دافعة مساندة للتغيير، وبين قيادة ثورية قادرة على تحقيق هذا التغيير بإزاحة القوى المسيطرة على مصائر الجماهير وتحقيق الأهداف العامة التي تسعى إلى الأفضل، وإذا كان ثوار يوليو قد تحركوا تلاحمًا منهم مع أحوال الشعب المصري، الذي كان يطالب علنًا بالثورة على الأوضاع وعلى الاحتلال وعلى الملك وعلى سائر الحكام الذين أخفقوا في سياساتهم وتطبيقاتها لخدمة الجماهير، فقد ناب هؤلاء الثوار عن الشعب في ترجمة طموح الشعب إلى إحداث التغيير الجذري الشامل».
وهنا نجد أن ما قاله الدكتور ثروت عكاشة ما هو إلا انعكاس للحالة الشعبية في تلك الفترة وسرد للحقائق؛ فقد كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري تعاني الفقر والتهميش وعدم القدرة على دفع تكاليف التعليم، وكانت العدالة الثقافية وقتها غير مطروحة في الواقع الاجتماعي المصري، فكانت الثورة كما وصفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ثورة شعب بأكمله»، لتبدأ فترة جديدة في حكم مصر ورسم السياسات الثقافية لبناء الوعي.
قصور الثقافة.. «منارات الوعي في عمق القرى والنجوع»كانت قمة تجليات العدالة الثقافية لثورة 23 يوليو هي تفكيك المركزية الثقافية في فترة الستينيات، من خلال إطلاق مشروع «الثقافة الجماهيرية»، لتنتشر قصور وبيوت الثقافة داخل قرى ومراكز ومحافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان.
يقول ثروت عكاشة عن تلك النهضة الفكرية إن وزارة الثقافة قد عهدت إلى الربط في مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة، والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين أفراد الشعب وبين الفن رفيع المستوى، وإتاحة الحرية للفنان. كما أعدت الوزارة في تلك الفترة خطة للعمل الثقافي ومنها إقامة المتحف المصري، ودار الأوبرا الحديثة، ودار الكتب الجديدة، ومطبعة حديثة، واستكمال بناء المسارح، ومدينة الفسطاط وغيرها من المشروعات التي أقيمت في إطار الخطة الخمسية.
فلم تكن هذه القصور مجرد مبانٍ حكومية، بل تحولت في الستينيات وما بعدها إلى مراكز تنويرية يومية؛ ففيها عرف الفلاح البسيط طريقه إلى المكتبات العامة والمطالعة مجانًا، وشاهد أبناء القرى لأول مرة عروضًا مسرحية وسينمائية حية في قراهم، كما لعبت هذه القصور دورًا حاسمًا في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من قلب الريف المصري، وتدريبهم، وتقديمهم للحركة الفنية، مما جعل الثقافة أداة للترقي الاجتماعي.
النهضة المسرحية.. «مسرح لكل مواطن»عاشت مصر في الستينيات ما يُعرف بـ«العصر الذهبي للمسرح المصري»، وهي نهضة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، ولم تكن هذه النهضة فنية فحسب، بل كانت نهضة جماهيرية بامتياز تخدم العدالة الثقافية؛ حيث تأسست مسارح الدولة المتخصصة (المسرح القومي، والمسرح الحديث، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي)، ودعمت الدولة تذاكر المسرح لتصبح بأسعار رمزية للغاية، مما أتاح للعائلات والعمال والطلاب ارتياد المسارح بانتظام.
امتدت هذه النهضة لتشمل «المسرح المتجول» الذي كان ينتقل بفرق وممثلي العاصمة الكبار كجلال الشرقاوي وكرم مطاوع وغيرهما ليقدم العروض على مسارح قصور الثقافة في الأقاليم، ومصانع حلوان، والمواقع الإنتاجية، ليتلاحم الفن بالجمهور الحقيقي للثورة، وكان يتم إرسال الفنانين في بعثات خارجية، وحينما يعودون يذهبون بتجاربهم وعلمهم إلى القرى والمحافظات البعيدة عن العاصمة. ففي تلك الفترة لمعت نصوص كبار الكتاب مثل توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، والتي كانت تناقش قضايا وهموم المواطن البسيط، مما جعل المسرح مرآة للمجتمع.
أكاديمية الفنون.. الموهبة والكفاءة هما المعياركانت دراسة الفنون الرفيعة قبل الثورة تعتمد على البعثات الخارجية أو المعاهد المحدودة والمبادرات الفردية، وفي عام 1959، أصدرت الدولة قرارًا تاريخيًا بإنشاء «أكاديمية الفنون»، لتمثل صرحًا تعليميًا أكاديميًا فريدًا في الشرق الأوسط.
وضمت الأكاديمية: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، المعهد العالي للمسرح، ومعهد الباليه. وكان فتح أبواب هذه المعاهد بالمجان للموهوبين من كافة الطبقات الاجتماعية بمثابة ثورة في حد ذاته؛ إذ لم يعد احتراف الفنون الرفيعة كالباليه أو الموسيقى الكلاسيكية أو الإخراج السينمائي حكرًا على من يملك المال، بل أصبحت «الموهبة والكفاءة» هي المعيار الوحيد للقبول. كما كان طلاب الأكاديمية هم العماد الرئيسى لفناني وممثلي مسارح الدولة، إذ كان يتم تعيينهم في الفرق المسرحية التابعة للدولة فور تخرجهم من المعهد، بما ضمن لهؤلاء الخريجين فرص عمل واستقرارًا ماديًا أتاح لهم العمل على تطوير مهاراتهم وموهبتهم.
عيد العلم.. الدولة تُكرم عقولها وتبجل مبدعيهافي إطار ترسيخ قيمة الفكر والثقافة، وضعت ثورة يوليو المثقف والأديب والعالِم في مقدمة الصفوف، وتجسد هذا التقدير الرفيع في الاحتفال السنوي بـ«عيد العلم»، الذي كان يحضره الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه، ليكون بمثابة تظاهرة وطنية لتكريم كبار الأدباء، والمفكرين، والفنانين، والعلماء.
في هذه الاحتفالات، كرمت الدولة قامات عظيمة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والعقاد، ومنحتهم أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية. هذا الاحتفاء الرسمي لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة للمجتمع بأسره بأن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في عقول مبدعيه، وأن الثقافة هي ركيزة أساسية للأمن القومي وبناء الدولة الحديثة.
الثورة والتنوير.. حينما أصبحت المعرفة والفنون «حقًا للجميع»المكتبات العامة.. سلاح المعرفة لكسر الاحتكار
لم تترك الثورة مواطنًا دون كتاب؛ فلأول مرة وضعت الدولة خطة ممنهجة لنشر المكتبات العامة في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى والمراكز بالمحافظات، وكانت هذه المكتبات تفتح أبوابها بالمجان لطلاب المدارس والجامعات لتوفير مصادر المعرفة.
وتكاملت هذه المكتبات مع مشروعات النشر العملاقة التي أطلقتها الدولة، ومنها مشروع «الألف كتاب» والذي كان من بين المشروعات الثقافية الأولى في عهد الثورة، والذي كان يهدف إلى نشر عدد كبير من الكتب المؤسسة والتي تمثل المراحل المختلفة من القديم إلى الحديث في شتى أنواع المعرفة، كما أنشأت أربع سلاسل أخرى ومنها سلسلة «تراث الإنسانية»، وقد تضمنت أمهات الكتب العربية والأجنبية التي أثرت الفكر العالمي والفكر العربي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، والتي قامت بطباعة وترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية والروايات العالمية، وبيعها بأسعار مدعومة وزهيدة جدًا، لتكسر الدولة بذلك احتكار المعرفة، وتجعل الكتاب متاحًا في يد العامل والطالب تمامًا كما هو في يد أستاذ الجامعة.
«عيد العلم» عندما كان عبدالناصر يتصدر المشهد لتكريم العقول وتبجيل المبدعين
وهكذا بقراءة المشهد الثقافي لثورة 23 يوليو نستطيع القول بأن «العدالة الثقافية» لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خطة عمل حقيقية وبنية تحتية صلبة تم تشييدها في فترة الستينيات، فمن قصور الثقافة بالقرى إلى خشبات المسارح المتجولة، ومن قاعات أكاديمية الفنون إلى منصات تكريم عيد العلم، أثبتت الثورة أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تولد من وجدان الشعب وتعود إليه كحق أصيل.