حانت لحظة الحساب الأخلاقي في غزة
تاريخ النشر: 7th, May 2025 GMT
لم تعد حالة طوارئ إنسانية شاملة تلوح في أفق غزة. فقد تحققت بالفعل، وعلى نحو كارثي.
فقد مرّ أكثر من شهرين منذ أن أوقفت إسرائيل جميع المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية ومنعتها من دخول غزة. وقام برنامج الغذاء العالمي بتسليم آخر شحناته الغذائية في الخامس والعشرين من أبريل. والآن يتضور من الجوع مليونان من أهل غزة، قرابة نصفهم من الأطفال، فهم جميعًا يعيشون على وجبة واحدة كل يومين أو ثلاثة أيام.
في العيادات المرتجلة التي تديرها منظمة الإغاثة وأرأسها وهي منظمة «المساعدة الأمريكية للاجئين في الشرق الأدنى»، تتزايد وتيرة ظهور علامات المجاعة المطولة على نحو يثير القلق. ففي الأيام العشرة الماضية، بدأ التقنيون في مختبراتنا يكتشفون الكيتونات، وهي مؤشر على المجاعة، في ثلث عينات البول التي فحصوها، وهي المرة الأولى التي نشهد فيها مثل هذه الحالات بأعداد كبيرة منذ أن بدأنا إجراء الفحوص في أكتوبر 2024. وقد استنفد المخزون من الغذاء والوقود والأدوية أو شارف على النفاد.
باتت كل ساعة سباقًا مع الزمن، ولكن مع افتقارنا إلى المساعدات والإرادة السياسية اللازمة لتوفيرها لإنقاذ الأرواح وإنهاء المعاناة العصية على الوصف، تبقى أيدينا مغلولة.
وهذا هو أطول حصار كامل ومستمر تتعرض له غزة منذ نشوب الحرب. فإسرائيل الآن تستغل المساعدات علنا باعتبارها سلاحًا في الحرب، وقد أعلن مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى ما يمثل عمليًا النية على استعمال تكتيك التجويع للضغط على حماس من أجل الإفراج عن بقية الرهائن، وهو ما يمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي. ويخشى كثير من الفلسطينيين من أن يكون هذا أيضا جزءا من خطة لطردهم من غزة، كما تحذر جماعات إغاثة من أن الأمر قد ينتهي بالفلسطينيين إلى «ظروف احتجاز فعلية».
وليس الحصار الإسرائيلي ـ والتأخيرات المتعمدة والمنع والإجراءات الأمنية المفرطة المحيطة به ـ محض عجز لوجستي. وإنما هو نظام مدروس للحرمان. وقد أثبتت هدنة يناير قصيرة الأمد أنها عاجزة عن تلبية الاحتياجات الإنسانية. فقد بدأت الإغاثة تتزايد في التاسع عشر من يناير لكنها أوقفت مرة أخرى بالكامل في منتصف مارس. والنية على استعمال الجوع ورقة ضغط واضحة تمام الوضوح، وغير مقبولة.
ومع تلاشي مخزون الغذاء، ينادي الرئيس ترامب ورئيس وزراء كندا الجديد ورؤساء الدول المتحالفة مع إسرائيل في أوروبا وفي أرجاء العالم بالاستئناف الفوري للإغاثة الإنسانية. غير أن كلماتهم هذه لا تعدو ذلك، أي أنها محض كلمات جوفاء، لا تلقى غير الإعراض. فقد أقر مجلس الأمن الإسرائيلي يوم الأحد خططا لتصعيد الحملة العسكرية في غزة. وما ينذر بشرٍّ مماثل للفلسطينيين أن إسرائيل أقرت خطة لتعزيز سيطرتها على الإغاثة، من خلال مراكز أقامتها إسرائيل وتتولى شركات خاصة فيها مسؤولية الأمن. ويبدو أن هذا جزء من جهود أوسع تتضمن استمرار إغلاق معبر غزة مع مصر وحظر عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) برغم أنها المصدر الأساسي للدعم الإنساني للفلسطينيين. ومن شأن التضييق على المساعدات أيضا أن يقوض الجهود الإقليمية ذات القيادة العربية من أجل تحقيق تعافٍ وإعادة إعمار حقيقيين، وذلك من خلال تجاهل خطط الأمن والحوكمة المجدية والمشروعة أو تأجيلها. والخطر الذي يتعرض له عمال الإغاثة خطر مستمر. ففي مارس من هذا العام، قتل الجيش الإسرائيلي أربعة عشر عامل إغاثة ومسؤولا تابعا للأمم المتحدة. وبالنسبة للمنظمة التي أديرها، أصبحت الحرب مهلكة في مارس 2024 حينما قتلت غارة جوية إسرائيلية زميلي موسى الشوا وابنه الصغير. ولقد لقي ما لا يقل عن أربعمائة وثمانية عشر من العاملين في المجال الإنساني مصرعهم في غزة على مدار الشهور الـ18 الأخيرة، بما يجعلها المنطقة الأكثر دموية في العالم بالنسبة لعمال الإغاثة.
منذ خرق الهدنة بالقصف المكثف في الثامن عشر من مارس، يدفع الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين في غزة إلى جيوب أصغر فأصغر، ويوسع المناطق المحظورة، سواء أكانت مناطق عسكرية أم مناطق إخلاء، لتبلغ قرابة 70% من المنطقة. لا بد من مطالبة إسرائيل بإقامة ممرات إنسانية آمنة ومفتوحة. فبدونها تستحيل زيادة الإغاثة؛ لأن كل عملية نقل تمثل مقامرة بحياة المدنيين وعمال الإغاثة. وبرغم الحاجة الماسة إلى وقف فوري لإطلاق النار وتدفق المساعدات، فإن ذلك لن يكون كافيا.
لا بد من وضع خطة لا للإغاثة فقط وإنما للتعافي أيضا، وهو ما لا يمكن أن يحدث في منطقة حربية أو في ظل حصار دائم. ويستوجب هذا التعافي اتفاقية سياسية تضمن حضور الفلسطينيين، والأمن، وتقرير المصير. فوصول المساعدات الإنسانية ليس محض ضرورة أخلاقية، بل هو شرط أساسي لأي أمل في مستقبل أفضل.
تخيلوا غزة فيها بيوت مقامة، ومياه نظيفة، وأطفال يرجعون إلى المدرسة وأسر قادرة مرة أخرى على حصد الغذاء من أراضيها. قد تبدو هذه رؤية بعيدة الاحتمال بعد عقود من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، والحصار، والحروب المتكررة، التي ألحقت جميعا أضرارا جسيمة بالبنية الأساسية والخدمات الضرورية. ولكننا ساعدنا في تحسين حياة الفلسطينيين في غزة من قبل ونقدر على أن نفعل ذلك مرة أخرى. ولكن ما يحول دون ذلك ليس القدرة وإنما سياسة عمدية تعترض الطريق إلى الكرامة الإنسانية الأساسية. وحينما نتكلم عن السلام، لا بد لنا من التساؤل: أي مستقبل نتصوره لو أن شعبا كاملا متروك لمعاناة التجويع؟ لن يزداد الإسرائيليون أمنًا بينما أهل غزة باقون تحت الحصار. فالسلام المستدام لا يتأسس على السيطرة، وإنما عبر الكرامة والحرية والأمن المتبادل.
إننا الآن في لحظة حساب أخلاقي. فهل سيتواطأ العالم على انهيار غزة، أم أنه سوف يكون جزءا من تعافيها؟
شون كارول الرئيس والمدير التنفيذي للمنظمة الأمريكية لإغاثة اللاجئين في الشرق الأدنى.
خدمة نيويورك تايمز
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی غزة
إقرأ أيضاً:
تقرير أممي: ثلثا أهالي غزة قد يتعرضون للجوع الشديد بحلول نهاية العام
قال مرصد عالمي معني بمراقبة الجوع، إن أكثر من ثلثي أهالي غزة قد يتعرضون للجوع الشديد بحلول نهاية العام مع خفض وكالات إغاثة إنسانية تدفقات المساعدات بسبب نقص التمويل.
وأظهر أحدث تقييم أجراه التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، أن مستويات سوء التغذية الحاد وخصوصا بين الأطفال، انخفضت بشكل ملحوظ بعد زيادة إمدادات الغذاء وخدمات التغذية عقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
لكن المرصد أشار في تقرير إلى أن هذا التحسن في الأوضاع معرض لخطر الانتكاسة.
وذكر المرصد في التقرير، أن استهلاك الغذاء لا يزال غير كاف لمعظم الأسر، وأن بعضها يلجأ إلى التسول والبحث عن الطعام في القمامة.
وأضاف أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أو نحو 59% من أهالي غزة، تعرضوا للجوع الشديد الذي يعرف بأنه مستوى أزمة أو أسوأ خلال الفترة من منتصف نيسان/ أبريل ونهاية حزيران/ يونيو. وكان من بين هذا العدد حوالي 212 ألف شخص في حالة طوارئ.
ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد ليتجاوز 1.4 مليون شخص، أو 67% من سكان القطاع، بحلول كانون الأول/ ديسمبر.
ويعتمد غالبية أهالي غزة على إمدادات المساعدات بعد الحرب التي اندلعت في 2023 في ظل عمليات النزوح المتكررة والقيود الصارمة التي تفرضها إسرائيل على إيصال المساعدات.
وضع هش
ذكر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في كانون الأول/ ديسمبر، أن أجزاء من قطاع غزة لم تعد تعاني من ظروف المجاعة، متراجعا عن استنتاجه في آب/ أغسطس. ويحذر الآن من أن ذلك التقدم مهدد مع بدء انخفاض كمية المساعدات.
وقلصت برامج التغذية التكميلية المخصصة للنساء الحوامل والمرضعات عدد المستفيدات منها إلى النصف ليصل إلى ستة آلاف امرأة بين كانون الثاني/ يناير وأيار/ مايو هذا العام.
ومن المرجح أن تكون التخفيضات الإضافية في المساعدات ناجمة عن نقص التمويل والضبابية بشأن ممارسة منظمات الإغاثة نشاطها في القطاع.
ورفضت إسرائيل النتائج التي توصل إليها التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي في آب/ أغسطس، وظلت ترفض باستمرار الاتهامات بأنها تنتهج سياسة تجويع في غزة على الرغم من إقرارها بنقص الغذاء في ذلك الوقت. وادعت إسرائيل سابقا أنها سمحت بدخول مساعدات كافية إلى القطاع خلال الحرب.
وحذرت منظمات الإغاثة من أن غزة تواجه انهيارا لم يسبق له مثيل في شبكات المياه والصرف الصحي.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، الخميس، أنّ الأمن الغذائي وتغذية الأطفال لا يزالان هشّين رغم وجود تحسّن، لأنّ معبرًا واحدًا فقط للمساعدات ما يزال مفتوحًا.
وأشارت الوكالة إلى "تحسّن في الأمن الغذائي وتغذية الأطفال في جميع أنحاء قطاع غزة"، لكنّها "حذّرت من أنّ هذا التقدّم المنجز بفضل توسيع نطاق الوصول إلى المساعدات الإنسانية المتعلقة بالغذاء والتغذية والزراعة والصحة، لا يزال هشًّا".
وأضافت أنّ هناك زيادة "كبيرة" في المساعدات الغذائية، منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ نشرين الأول 2025.
بعد تسليم طرود غذائية إلى نحو 1,5 مليون شخص في أيار/ مايو، في حين تلقى نحو 700 ألف شخص مساعدات نقدية، وحصل 60% من الأطفال دون الخامسة على دعم غذائي.
وكان مسؤول المساعدات في الأمم المتحدة، توم فليتشر، قد دعا الشهر الماضي إلى فتح جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، وإلى رفع فوري للقيود الإسرائيلية المفروضة على دخول السلع، مثل المعدات الطبية والوقود.
وذكر برنامج الأغذية العالمي وجود مؤشرات أولية في القطاع تفيد بإمكان "استعادة الإنتاج الغذائي المحلي، في حال تمكّن المزارعون ومربّو الماشية من الوصول إلى الأراضي الزراعية، ومستلزمات الإنتاج، والأصول الإنتاجية، والدعم البيطري، وغيرها من الخدمات الأساسية مثل الطاقة اللازمة للري".
وأشارت الوكالة الأممية إلى قطاع الثروة الحيوانية، "حيث ارتفعت أعداد الأغنام بنسبة 33% في المناطق التي استمر فيها تقديم الدعم".
وعلى الرغم من هذا التحسّن، حذّرت من أنّ "هذا الأمر له حدود، ما لم تُرفع القيود المفروضة على ما يدخل إلى القطاع".
وقد ألحقت حرب الإبادة الإسرائيلية أضرارًا جسيمة بالقطاع الزراعي في غزة، وذكر برنامج الأغذية العالمي أنّ أكثر من 70% من الأراضي الزراعية في غزة يتعذّر الوصول إليها لوجود الاحتلال، وأنّ 3% فقط صالحة للاستغلال حاليًا بعد الدمار المنتشر.
المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين رابط مباشر - نتائج التوجيهي 2026 فلسطين وطرق الاستعلام برقم الجلوس حماس: الغارات الأخيرة على غزة تنصل من اتفاق وقف إطلاق النار رابط نتائج الثانوية العامة 2026 في فلسطين - نتائج توجيهي غزة والضفة الأكثر قراءة أسعار بيع الذهب في فلسطين اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 طقس فلسطين اليوم الجمعة: أجواء شديدة الحرارة محدث بالفيديو والصور: 3 شهداء ومصابون في غارات إسرائيلية متفرقة على قطاع غزة اليوم رسميا.. الكنيست الإسرائيلي يصادق على حل نفسه وهذا موعد إجراء الانتخابات عاجلجميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026