ما حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة؟.. الإفتاء توضح
تاريخ النشر: 8th, May 2025 GMT
أجابت دار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد اليها عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، مضمونة:"ما حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة؟ فإنه يوجد في بعض القرى مسجد كبير يسع المصلين، ويوجد في الشوارع الجانبية زوايا تُصلَّى فيها الصلوات الخمس، فهل يجوز إقامة الجمعة في هذه الزوايا؟".
لترد دار الإفتاء موضحة: أن الأصل أن تصلى الجمعة في المسجد الكبير الذي يسع المصلين، فإن ضاق أو بعدت المسافة بحيث لا يستطيع المصلُّون الذهاب إليه إلا بمشقة فحينئذ تجوز صلاة الجمعة في الزوايا ولا حرج فيها، على أنَّه ينبغي مراعاة ضوابط الجهات المنظمة لإقامة الجمعة في الزوايا.
وأضاف أن صلاة الجمعة من الفضائل التي اختص الله بها الأمة المحمدية، وشَرَّفها بها، وحَثَّها على السَّعْي إليها والاجتماع فيها والاحتشاد لها، ومما يزيد في فضلها وشَرَفها ثبوت فرضيتها بقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9]؛ وذلك توخِّيًا لمعنى الترابط والائتلاف بين المسلمين.
قال العَلَّامة أبو الحسن ابن بَطَّال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 475، ط. مكتبة الرشد) متحدثًا عن فضيلة هذا اليوم وهداية الله هذه الأمة إليه: [يوم الجمعة ذَخَرَه لهذه الأمة، وهداهم له تَفَضُّلًا منه عليها؛ ففضلت به على سائر الأمم] اهـ.
مكان إقامة صلاة الجمعة
من الأحكام الخاصة بصلاة الجمعة -ومنها صورة السؤال- مكان إقامتها، أي: المكان الذي تُؤدَّى فيه، والحديث في هذه المسألة يأتي من جهتين:
الأُولى: من حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا.
الثانية: من حيث حكم تعدد الجمعة في البلدة الواحدة.
حكم صلاة الجمعة في الزوايا
أمَّا مِن حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا، فإنَّ صلاة الجمعة في الزوايا جائزةٌ، إذ ليس من شروط صحتها المسجد، بل تجوز في الفضاء الخالي من البناء وفي الزوايا وفي المصلَّى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ: جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ". رواه ابن أبي شيبة في "مُصنَّفه".
وهذا يدل على أَنَّ إقامة الجمعة تجوز في أي مكان من القُرَى والـمُدن والفِنَاء وغير ذلك مِن الأماكن.
قال العظيم آبادي في "عون المعبود" (3/ 281، ط. دار الكتب العلمية): [وذهب البعض إلى اشتراط المسجد، قال: لأنها لم تقم إلا فيه، وقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء: إنه غير شرط، وهو قوي إن صحَّت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي، وقد روى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير، ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه] اهـ.
وعلى هذا الذي ذكرناه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، على اختلاف بينهم في التفاصيل، فقد اشترط الحنفيةُ الـمِصْر وتوابعه، والمراد بالـمِصْر -كما نَصَّ عليه الكاساني في "البدائع" (1/ 260، ط. دار الكتب العلمية) وصَحَّحه-: كل بلدةٍ فيها أسواقٌ ووالٍ وعالمٌ يُرْجَع إليه في أمور الدِّيْن. أمَّا الشافعية فإنهم يشترطون أن تكون صلاة الجمعة في حدود الأبنية، بينما يرى الحنابلة اشتراط القُرْب مِن البنيان.
قال الإمام أبو بكر الحدَّادي في "الجوهرة النيرة" (1/ 88، ط. المطبعة الخيرية) عند الكلام على أحكام صلاة الجمعة: [(قوله: أو في مُصَلَّى الـمِصْر) لأنّ له حكم الـمِصْر، وليس الحكم مقصورًا على الـمُصَلَّى، بل تجوز في جميع أفنية الـمِصْر، وقَدَّروه بمنتهى حد الصوت] اهـ.
وقال الإمام محيي الدين النووي في "المجموع" (4/ 501، ط. دار الفكر) عند كلامه أيضًا على أحكام صلاة الجمعة: [قال أصحابنا: ولا يشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها، فلو صَلَّوْهَا خارج البلد لم تصح بلا خلاف، سواء كان بقرب البلدة أو بعيدًا منه، وسواء صلوها في كِنٍّ أم ساحة؛ ودليله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأيتُمُوني أصَلِّي»، ولم يُصلِّ هكذا] اهـ.
وقال الإمام أبو السعادات الـبُهُوتي في "كشاف القناع" (3/ 337، ط. وزارة العدل السعودية): [(وتصح) الجمعة (فيما قارب البنيان من الصحراء، ولو بلا عذر) فلا يشترط لها البنيان؛ لقول كعب بن مالك: "أسعدُ بن زرارة أولُ مَن جَمَّعَ بنَا في هَزَم النَّبيت من حَرَّة بني بَيَاضة في نقيعٍ، يقال له، نَقيع الخَضِمات. قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا" رواه أبو داود، والدارقطني. قال البيهقي: حسن الإسناد صحيح. قال الخطابي: حَرَّة بني بياضة على ميل من المدينة. وقياسًا على الجامع. لكن قال ابن عقيل: إذا صلى في الصحراء استخلف من يصلي بالضعفة. و(لا) تصح الجمعة (فيما بَعُد) عن البنيان، لشبههم إذن بالمسافرين] اهـ.
وخالف فيما سَبَق المالكيةُ، حيث إنهم يشترطون في صحة الجمعة كونها في الجامع خاصة، لا في فِنَاءٍ أو ما شابهه، ومعنى الجامعية المشروطة هنا -كما حَقَّقه الدُّسُوقي في "حاشيته على الشرح الكبير" (1/ 374، ط. دار الفكر)-: مجرد التعيين والتحبيس للصلاة فيه.
وفَرَّعوا على ذلك: أنَّه لا تقام جمعتان في مِصْرٍ واحدٍ إلَّا في المسجد الجامع ولو تَعدَّدت، فالصلاة تكون صحيحة لأقْدَم الجامِعَين، وفي ذلك يقول أبو عبد الله الخَرَشي في "شرحه على المختصر" (2/ 74، ط. دار الفكر): [والجمعة للعتيق (ش) جواب عن سؤال مُقَدَّر، كأن قائلًا قال له: قد شَرطتَ في الجامع أن يكون مُتحِدًا فما الحكم إذا تعدَّد؟ فأجاب بأنها عند التَّعدُّد في البَلَد الواحد أو ما في حكمه صحيحة لأهل الجامع العتيق مِن تلك الجوامع، باطلة لأهل الجديد] اهـ.
لكن عموم الآية الواردة في صلاة الجمعة يدل على مذهب الجمهور؛ إذ ورد فيها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فلا وجه لخصوص المسجدية فيها.
ويُدَلِّل على ذلك أيضًا: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّ أوَّلَ جُمُعةٍ جُمِّعت بعدَ جُمُعةٍ في مسجدِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم في مسجدِ عبدِ القَيسِ بجُواثَى مِن البَحرين. رواه البخاري في "الصحيح". و"جُوَاثَى" -بضم أَوَّله وفتح الـمُثَلثَّة-: قريةٌ من قُرَى البَحرينِ.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا: "أَنَّهُمْ كَتَبُوا إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ: جَمِّعُوا حَيْثُمَا كُنْتُمْ". رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
فالحديثان يدلان على جواز إقامة الجمعة في غير المسجد الجامع، قال العَلَّامة زين الدين ابن رجب في "فتح الباري" (8/ 138، ط. مكتبة الغرباء) عند شرح حديث مسجد عبد القيس: [والمقصود: أنهم جَمَّعوا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قرية جواثاء، وإنما وقع ذلك منهم بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمره لهم... فيدل ذلك على جواز إقامة الجمعة بالقُرَى، وأنه لا يشترط لإقامة الجمعة الـمِصْر الجامع] اهـ.
وقال الإمام ابن المنذر في "الإشراف" (2/ 119، ط. مكتبة مكة الثقافية): [وقد روينا عن عطاء أنه قيل له: أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر؟ قال: لكل قوم مسجد يجتمعون فيه، ويجزئ ذلك عنهم من التجميع في المسجد الأكبر] اهـ.
وقال الإمام سراج الدين البلقيني في فتاويه المسماة بـ "التَّجَرُّد والاهتمام بجمع فتاوى شيخ الإسلام" (1/ 246، ط. أروقة) مُعلِّقًا على هذا الأثر عن سيدنا عمر: [وهذا ظاهرٌ في جواز التعدد] اهـ، ثم عَدَّد أوجه جواز الـجُمَع في غير المسجد الجامع.
وجواز الجُمَع على هذا النحو مروي أيضًا عن عدد من السلف، فعن ابن جريج، أنَّه قال: قلت لعطاء: أرأيت أهل البصرة لا يَسَعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: "لكل قوم مسجد يجمعون فيه، ثم يجزئ ذلك عنهم" أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه".
وروي عن عمرو بن دينار قال: "إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يُجَمَّعُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلْتُصَلَّ فِيهِ الْجُمُعَةُ" رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه". وأَمَّا ما ورد عن الأئمة الفقهاء مِن منع تَعدُّد الجمعة، فإنَّ ذلك كان لمعنى خوف تَفَرُّق الكلمة على الخلفاء، وقد زال هذا المعنى، كما قَرَّره الإمام السراج البُلْقِيني في "فتاويه" (1/ 247).
يضاف لذلك أنَّ جمهور العلماء أجازوا تَعدُّد الجمعة في المكان الواحد ما دامت مقاصد الجمعة قد تحقَّقت، وهي ظهور شعائر الدِّين، والموعظة، وتأليف بعض المؤمنين ببعض لتراحمهم وتوادهم، كما أورد ذلك تقي الدين السُّبْكي في "فتاويه" (1/ 174، ط. دار المعارف).
غير أنَّ منهم مَن أطلق التَّعدُّد ومنهم من قَيَّده بالحاجة، وعلى قول مَن قَيَّد بالحاجة لا يمتنع إقامتها أيضًا؛ لأنَّ مجتمعنا الآن لا يخلو من هذه الحاجة المذكورة في كلام الفقهاء، فكبار السن والمرضى في كل مكان يشق عليهم الإتيان للمسجد الجامع، وكذلك من أصحاب المهن من يضيق عليه وقته فيضطر إلى أن يصلي في أقرب مكان له، وغير ذلك من الحاجات المتداعية الآن.
حكم تعدد الجمعة في أماكن متعددة من البلدة الواحدة
ينضاف إلى ما سبق أنَّ الجمعة تقام في بلاد المسلمين في البلدة الواحدة في أماكن متعددة من غير نكير من أحدٍ، فكان ذلك إجماعًا.
قال الإمام زين الدين ابن نُجَيْم في "البحر الرائق" (2/ 154، ط. دار الكتاب الإسلامي): [يصح أداء الجمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وهو الأصح؛ لأن في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حَرَجًا بَيِّنًا، وهو مدفوع] اهـ.
وقال الإمام النَّفراوي في "الفواكه الدواني" (1/ 260، ط. دار الفكر): [وإن تعدد: فالجمعة للعتيق، إلا أن يكون البلد كبيرًا؛ بحيث يعسر اجتماعهم في محل ولا طريق بجواره تمكن الصلاة فيها فيجوز حينئذ تعدده بحسب الحاجة، كما ارتضاه بعض شيوخ المذهب، ولعل الأظهر حاجة من يغلب حضوره لصلاتها ولو لم تلزمه كالصبيان والعبيد؛ لأن الكل مطلوب بالحضور ولو على جهة الندب، وينبغي أن يلحق بذلك وجود العداوة المانعة من اجتماع الجميع في محلٍّ واحدٍ، بل لو قيل: إن هذا أولى لجواز التعدد لما بَعُدَ] اهـ.
قال الشيخ الكشناوي في "أسهل المدارك" (1/ 333، ط. دار الفكر) مُعَلِّقًا عليه: [وفي بعض تقييدات هذا المحل لبعض الأفاضل أنه قال: "ورجح المتأخرون جواز تعدد الجمعة، وعليه العمل عندنا بالمغرب، وهو الصواب"، إلى آخر ما قال اهـ] اهـ.
وقال الإمام العَبَّادي في "حاشيته على الغرر البهية" (2/ 50، ط. المطبعة الميمنية): [والظاهر أنَّ مِن الحاجة ضيقَ محلٍّ واحدٍ عن الجميع، فلو تعددت المساجدُ، ولم يكن فيها ما يسع الجميع، فالظاهر أنَّه لا كراهة من حيثُ التعددُ للحاجة، لكن هل الأفضل حينئذ فعلُها في مساجد البلد لشرف المساجد، أو في الصحراء احترازًا من تعدد جماعتها؟ فيه نظر، ولا يبعد أنَّ الأقربَ الأوَّلُ؛ لشرف المساجد، ولا أثرَ للتعدد مع الحاجة إليه] اهـ.
وقال الإمام الـمُوفَّق ابن قُدامة في "الكافي" (1/ 331، ط. دار الكتب العلمية) في معرض حديثه عن تعدد الجُمَع: [وإن احتيج إلى أكثر منها جاز؛ لأنها تُفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير، فصار إجماعًا، ولأنها صلاة عيد جاز فعلها في موضعين مع الحاجة كغيرها] اهـ. فعُلِم مِن ذلك وتأكَّد أَنَّ عمل المسلمين قد استمر على تعدد الجمع في البلاد، وأن القول بالمنع يؤدي إلى حرجٍ على الأمة وزيادة مشقةٍ عليها، والله سبحانه يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78]، كما أنه يؤدي إلى إبطال صلاة خلق كثير في أعصار متعددة.
الرجوع للجهات المختصة بتنظيم الصلاة في الزوايا
تجدر الإشارة إلى أنَّ تَعدُّد الجُمَع وإن كان جائزًا مِن حيث الحكم الشرعي، إلَّا أنه ينبغي الرجوع إلى الجهات المختصة بذلك، فالأمر موكولٌ إليها لتنظيم الصلاة في هذه الزوايا حسب المصلحة المقتضية وَفْق ما ترتئيه هذه الجهات.
الخلاصة
بناءً عليه وفي واقعة السؤال: فإنَّ الأصل أن تصلى الجمعة في المسجد الكبير الذي يسع المصلين، فإن ضاق أو بعدت المسافة بحيث لا يستطيع المصلُّون الذهاب إليه إلا بمشقة فحينئذ تجوز صلاة الجمعة في الزوايا ولا حرج فيها، على أنَّه ينبغي مراعاة ضوابط الجهات المنظمة لإقامة الجمعة في الزوايا.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: صلاة الجمعة صلى الله علیه وآله وسلم إقامة صلاة الجمعة اهـ وقال الإمام إقامة الجمعة فی قال الإمام دار الفکر فی المسجد ال ج م ع ة د الجمعة الـم ص ر تجوز فی فی الب
إقرأ أيضاً:
الأوقاف: الماء حياة ونماء موضوع خطبة الجمعة اليوم في جميع المساجد
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم الموافق ١٠ صفر ١٤٤٨هـ/ ٢٤ يوليو - ٢٠٢٦م بعنوان: «الماء حياة ونماء»، وأن الهدف المراد توصيله: هو الوعي بأن المحافظة على المياه والموارد العامة مسئولية دينية ووطنية.
اما الخطبة الثانية: «الموارد ليست ملكا خاصًّا»
وشددت الوزارة على جميع الأئمة الالتزام بموضوع الخطبة ووقتها المحدد لها.
نص خطبة الجمعةالماء حياة ونماء
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأصلي وأسلم على خاتم أنبيائه وإمام أصفيائه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها على عباده نعمةَ الماء، فهي أصل الحياة، وبها قيام الإنسان والحيوان والنبات، ولذلك كثرت الإشارة إليها في القرآن الكريم؛ تنبيهًا إلى عظيم شأنها، ودعوةً إلى شكر المنعم سبحانه.
وإليك بيان ما أشار إليه القرآن الكريم وألمحت إليه السنة المطهرة:
الماء عماد الحياة وسرُّ بقاء المخلوقات
جعل الله تعالى الماء أصل الحياة وقوامها، فقال سبحانه: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال عز وجل: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَاۤبَّةࣲ مِّن مَّاۤءࣲۖ﴾ [النور: ٤٥]، وهاتان الآيتان تؤكدان حقيقةً كونيةً كبرى، وهي أن الماء هو أساس حياة جميع المخلوقات.
وقد بيَّن المفسرون هذه الحقيقة بأوضح بيان؛ فقال الطبري: «وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كلّ شيء، قال قتادة: كلّ شيء حيّ خُلق من الماء» [جامع البيان باختصار].
وقال البيضاوي: «وخلقنا من الماء كل حيوان، ... وذلك لأنه من أعظم مواده أو لفرط احتياجه إليه وانتفاعه به بعينه، أو صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يحيا دونه» [أنوار التنزيل].
وقال الإمام القرطبي: "فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شيء من الماء، قاله قتادة. الثاني: حفظ حياة كل شيء بالماء. الثالث: وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي، قاله قطرب" [الجامع لأحكام القرآن].
وجاءت السنة النبوية مؤيدةً لهذا المعنى؛ فعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيتُكَ طَابَت نَفسِي وَقرَّت عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فقَالَ: «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» [رواه أحمد].
الماء من أعظم المنن والنعم
امتنَّ الله تعالى على عباده بنعمٍ لا تُحصى، ومن أجلِّها نعمةُ الماء؛ فهو ملازمٌ للإنسان في كل يوم، يشربه، ويتطهر به، وتقوم عليه حياته، ومع ذلك قد يغفل عن عظيم قدره؛ لأن النعم إذا دامت أَلِفَها الناس، ولا تُعرف قيمتها حقًّا إلا عند فقدها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی یُنَزِّلُ ٱلۡغَیۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُوا۟ وَیَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِیُّ ٱلۡحَمِیدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
قال الطاهر بن عاشور "فيه تذكير بهذه النعمة العظيمة على الناس التي منها معظم رزقهم الحقيقي لهم ولأنعامهم، وخصها بالذكر دون غيرها من النعم الدنيوية؛ لأنها نعمة لا يختلف الناس فيها؛ لأنها أصل دوام الحياة بإيجاد الغذاء الصالح للناس والدواب" [التحرير والتنوير].
بل جعل الله تعالى الرياحَ وهي تحمل السحابَ المحمَّل بالماء بشيرًا بهذه النعمة، فقال سبحانه: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ أَن یُرۡسِلَ ٱلرِّیَاحَ مُبَشِّرَٰتࣲ وَلِیُذِیقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِیَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦].
أي: "ومن أدلته على وحدانيته، وحججه عليكم، على أنه إله كلّ شيء ﴿أَن یُرۡسِلَ ٱلرِّیَاحَ مُبَشِّرَٰتࣲ﴾ بالغيث والرحمة ﴿وَلِیُذِیقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ﴾ يقول: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد، ولتجري السفن في البحار بها بأمره إياها ﴿وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ يقول: ولتلتمسوا من أرزاقه ومعايشكم التي قسمها بينكم ﴿وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾" [جامع البيان].
قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی یُرۡسِلُ ٱلرِّیَٰحَ بُشۡرَۢا بَیۡنَ یَدَیۡ رَحۡمَتِهِۦۖ﴾ [الأعراف: ٥٧]، أي: "مبشرات بنزول الغيث المستتبع لمنفعة الخلق" [التفسير الوسيط].
ولعظم هذه النعمة جعلها الله من النعيم الذي يُسأل عنه العبد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسۡءَلُنَّ یَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِیمِ﴾ [التكاثر: ٨]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ أوَّلَ ما يُسألُ عنه العبدُ يومَ القيامةِ من النعيمِ أن يُقالَ له: ألم نُصِحَّ لك جسمَك، ونُرْوِيَكَ من الماءِ البارد» [رواه الترمذي].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق الناس شكرًا لهذه النعمة، فإذا أكل أو شرب قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ، وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا». [رواه أبو داود]، فجمع في هذا الدعاء شكرَ نعمة الطعام والشراب، وسلامة الانتفاع بهما.
صدقةٌ جاريةٌ وأجرٌ لا ينقطع
جعل الإسلام سُقيا الماء من أجلِّ القربات، وأعظم الصدقات أجرًا، لما فيها من إحياء النفوس، ودفع الضر عن الخلق، وبذل ما تقوم به الحياة، فعن سعد بن عُبادة رضي الله عنه قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمي ماتت، أفأتصدقُ عنها؟ قال: «نعم»، قلتُ: فأيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: «سقْيُ الماءِ».
قال ابن بطَّال: سقي الماء من أعظم القربات إلى الله تعالى، وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وإذا غفرت ذنوب الذي سقى الكلب فما ظنكم بمن سقى رجلًا مؤمنًا موحِّدًا أو أحياه بذلك" [شرح صحيح البخاري لابن بطال].
وليس ثوابها مقصورًا على الدنيا، بل يمتد أثرها إلى يوم القيامة؛ ففي ذلك اليوم العصيب قد تكون شربةُ ماءٍ ساقها العبد لمحتاج سببًا في نجاته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَمُرُّ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: أَمَا تَذْكُرُ يَوْمَ اسْتَسْقَيْتَ فَسَقَيْتُكَ شَرْبَةً؟ فَيَشْفَعُ لَهُ...»، وفي رواية: «أما تذْكرُ يومَ ناولتُكَ طهورًا؟». [رواه ابن ماجه]، إنها شربةٌ يسيرة في الدنيا، لكنها عند الله عظيمة الأثر، حتى يجعلها سببًا للشفاعة والنجاة.
وفي المقابل يتوعد الله تبارك وتعالى من يمنع الماء عن مخلوق؛ فعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكثرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعدَ العَصْرِ، لِيقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيقُولُ اللَّه اليومَ أَمْنعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تعمَل يَدَاكَ» [رواه البخاري].
وقد ذكر الدكتور موسى شاهين من جملة الأصناف الذين توعدهم الله تعالى بالعذاب "والرجلَ الذي منحه رزقًا، وأخرج له من الأرض ينبوعًا يشرب منه ويسقي ماشيته وزرعه، يكون عنده الماء الزائد عن حاجته ويرى ابن السبيل العابر عطشان، يلهث من شدة العطش، يطلب الماء فيحرمه صاحب الماء، ويمنعه منه، وليس له به حاجة، ناسيًا أن ابن السبيل بحكم الشرع شريك الأغنياء فيما يملكون، باعتباره أحد مصارف الزكاة، متناسيًا ما قد يحدثه هذا المنع من ضرر بابن السبيل قد يهدد حياته، غافلا عن أن "القادر" الذي أنزل الماء من المُزن قادر على أن يحوله غورا في غمضة عين، وما درى أن الله سيعرض عنه يوم القيامة، ويقول له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت في الدنيا فضل ما لم تعمل يداك" [فتح المنعم].
الأمن المائي عماد الأمن الغذائي
إذْ جعل الله الماء أساسًا لقيام الحضارات، وعنوانًا لقوة الأمم واستقرارها؛ فما قامت حضارة عبر التاريخ إلا على ضفاف نهر، أو حول عينٍ جارية، أو فوق أرضٍ أحسنت استثمار مواردها المائية، ولذلك ربط القرآن الكريم بين نزول الماء وازدهار الأرض، فقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ مُّبَٰرَكࣰا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتࣲ وَحَبَّ ٱلۡحَصِیدِ﴾ [ق: ٩]، وقال تعالى: ﴿فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ﴾ [الملك: ١٥]، فكان الماء أساس الزراعة، ومنشأ الغذاء، وركيزة العمران.
ولذلك امتنَّ الله على عباده بتسخير مصادر المياه، فقال: ﴿أَفَرَءَیۡتُمُ ٱلۡمَاۤءَ ٱلَّذِی تَشۡرَبُونَ ٦٨ ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩ لَوۡ نَشَاۤءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجࣰا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠] ، ليبقى الإنسان مستشعرًا أن أمنه المائي من أعظم أسباب بقائه وقوته.
وليس أدلَّ على منزلة الماء في بناء الأمم من صفحات التاريخ نفسه؛ فما ازدهرت حضارة، ولا قامت دولة، إلا وكان الماء شريان حياتها، فالحضارة المصرية العريقة قامت على ضفاف النيل، وحضارة بلاد الرافدين نشأت بين دجلة والفرات، وحضارة وادي السند ازدهرت حول أنهاره؛ حتى غدا الماء ركيزة العمران، وأساس الزراعة، ومحرك التجارة، وسرَّ الاستقرار والازدهار.
وفي واقع الأمم اليوم أصبح الماء عنصرًا استراتيجيًّا لا يقل أهمية عن مصادر الطاقة؛ فهو أساس الأمن الغذائي، والتنمية الزراعية، والصناعة، وإنتاج الطاقة، والصحة العامة، ولذلك تتسابق الدول إلى إدارة مواردها المائية، وبناء السدود، وحماية الأنهار، وترشيد الاستهلاك، وتطوير وسائل إعادة الاستخدام؛ لأن من ملك الماء وأحسن إدارته امتلك أحد أهم مقومات القوة والاستقرار.
الأمن المائي... أساس أمن الأوطان
لقد أصبح الماء سرًّا من أسرار قوة الدول، وأمنًا قوميًّا لكل الشعوب، وقد أكد الله تعالى هذا المعنى في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَرۡسَلَ ٱلرِّیَٰحَ بُشۡرَۢا بَیۡنَ یَدَیۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ طَهُورࣰا ٤٨ لِّنُحۡۦِیَ بِهِۦ بَلۡدَةࣰ مَّیۡتࣰا وَنُسۡقِیَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَاۤ أَنۡعَٰمࣰا وَأَنَاسِیَّ كَثِیرࣰا ٤٩ وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَیۡنَهُمۡ لِیَذَّكَّرُوا۟ فَأَبَىٰۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورࣰا ٥٠ وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِی كُلِّ قَرۡیَةࣲ نَّذِیرࣰا ٥١ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِینَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادࣰا كَبِیرࣰا ٥٢ ۞ وَهُوَ ٱلَّذِی مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ هَٰذَا عَذۡبࣱ فُرَاتࣱ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجࣱ وَجَعَلَ بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخࣰا وَحِجۡرࣰا مَّحۡجُورࣰا ٥٣ وَهُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَاۤءِ بَشَرࣰا فَجَعَلَهُۥ نَسَبࣰا وَصِهۡرࣰاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِیرࣰا﴾ [الفرقان: ٤٨: ٥٤].
ومن تأمل التاريخ عرف أن الماء كان بابًا لعون الله ومدده وتثبيته وتأييده ونصره في كثير من المواقف والأحداث والمعارك عبر التاريخ؛ فقد أيد الله تعالى بالماء نوحًا عليه السلام، ونجَّاه ومن آمن به على ظهر السفينة؛ ﴿فَفَتَحۡنَاۤ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَاۤءِ بِمَاۤءࣲ مُّنۡهَمِرࣲ ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُیُونࣰا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَاۤءُ عَلَىٰۤ أَمۡرࣲ قَدۡ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١: ١٢]
الخطبة الثانية
الموارد ليست ملكا خاصًّا
تُعدُّ الموارد الطبيعية والعامة أساسَ حياة الإنسان وسبيل استمرار التنمية، فهي تشمل الماء والهواء والطاقة والأراضي وغيرها من النعم التي سخرها الله تعالى للناس جميعًا. ولذلك فإن هذه الموارد ليست ملكًا خاصًا لفرد أو فئة، بل هي حقٌّ مشترك ومسؤولية جماعية تستوجب حسن استغلالها والمحافظة عليها وعدم تبذيرها أو الإضرار بها، حتى تبقى متاحة للأجيال الحاضرة والقادمة.
الموارد نعمة مشتركة وليست حكرًا على أحد
لقد سخر الله تعالى ما في الأرض من موارد ونعم لخدمة جميع البشر، فلا يحق لفرد أو جماعة أن تستأثر بها أو تحتكرها دون غيرها. فالموارد الطبيعية، كالماء والهواء والأرض، هي حق مشترك يجب الانتفاع به بعدل ومسؤولية، مع مراعاة حقوق الآخرين والأجيال القادمة؛ ومن هنا كان واجب الإنسان أن يحافظ على هذه النعم وأن يحسن استغلالها؛ لأنها أمانة استخلفه الله عليها؛ قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا﴾ [البقرة: ٢٩].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا حِمًى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: "وَتَأْوِيلُ الْحِمَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِيمَا نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنْ تُحْمَى الْأَشْيَاءُ الَّتِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ فِيهَا شُرَكَاءَ، وَهِيَ الْمَاءُ، وَالْكَلَأُ، وَالنَّارُ، وَقَدْ جَاءَتْ تَسْمِيَتُهَا فِي غَيْرِ حَدِيثٍ وَلَا اثْنَيْنِ" [الأموال لأبي عبيد].
ونقل العراقي عن الخطابي شرح الحديث فقال: «قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا مَعْنَاهُ الْكَلَأُ يَثْبُتُ فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ يَرْعَاهُ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخَصَّ بِهِ دُونَ أَحَدٍ وَيَحْجِزَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا عَزَّ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حَمِيَ بُقْعَةً مِنْ الْأَرْضِ لِمَاشِيَتِهِ تَرْعَاهَا يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ وَجَعَلَ النَّاسَ فِيهِ شُرَكَاءَ يَتَعَاوَرُونَهُ» [طرح التثريب].
حسن استغلال الموارد مسؤولية جماعية
إن الموارد مهما تعددت ليست غير محدودة، لذلك فإن المحافظة عليها وحسن استغلالها مسؤولية تقع على عاتق الجميع، ويتحقق ذلك بترشيد استهلاك الماء والطاقة والغذاء، والابتعاد عن التبذير والإسراف؛ لأن الإفراط في استهلاك الموارد يؤدي إلى استنزافها ويضر بالمجتمع والبيئة؛ ومن ثم فإن الاستخدام الرشيد للموارد يعكس الوعي والمسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
حماية الموارد واجب أخلاقي وإنساني
المحافظة على الموارد الطبيعية واجب أخلاقي وإنساني؛ لأنها أساس الحياة واستمرارها، فالماء والهواء والتربة ثروات يجب صونها من التلوث والاستنزاف؛ إذ إن الإضرار بها لا يؤثر في الحاضر فحسب، بل يهدد حق الأجيال القادمة في العيش في بيئة سليمة؛ ولذلك فإن حماية الموارد مسؤولية مشتركة تبدأ من سلوك الفرد وتمتد إلى المجتمع بأكمله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
العدالة في الانتفاع بالموارد
تقتضي العدالة أن تكون الموارد متاحة للجميع دون احتكار أو استئثار؛ لأن الأصل فيها أنها تحقق منفعة عامة. لذلك لا يجوز حرمان الآخرين من الانتفاع بالموارد الأساسية أو استغلالها بطريقة تضر بحقوقهم، بل ينبغي توزيعها واستخدامها بما يحقق المصلحة العامة ويضمن المساواة والإنصاف بين أفراد المجتمع، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ [النحل: ٩٠].
دور الفرد في ترشيد استهلاك الموارد
الفرد هو العنصر الأساسي في المحافظة على الموارد، فالسلوك اليومي لكل شخص يساهم في حماية هذه الثروات أو استنزافها. ويبدأ ترشيد استهلاك الموارد من عادات بسيطة، مثل عدم الإسراف في استخدام الماء والكهرباء، والمحافظة على النظافة، وإعادة استخدام المواد وتدويرها، فوعي الفرد بمسؤوليته تجاه الموارد يساعد على تحقيق الاستدامة وضمان توفرها للأجيال القادمة.
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ [الأعراف: ٣١]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه]، وفيه توجيه إلى مسؤولية الفرد في المحافظة على البيئة والمصلحة العامة.