في لحظة بالغة الرمزية، حطّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المملكة العربية السعودية، مستهلا من الرياض أولى زياراته الخارجية في ولايته الثانية، كما فعل في زيارته الشهيرة عام 2017.

ولكن هذه المرة، المشهد مختلف تماما، فالعالم تغيّر، والتحديات الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدا، وملفات المنطقة أشد اشتعالا.

ومع ذلك، فإن اختيار ترامب للرياض كمحطة أولى يبعث برسائل تتجاوز البروتوكول، والتودد الدبلوماسي، ليعيد ذلك تشكيل قواعد الاشتباك السياسي والاقتصادي مع منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

الرياض أولا.. لا صدفة في الدبلوماسية

زيارة ترامب الثانية إلى المملكة العربية السعودية ليست مجرد تكرار لسابقاتها، بل تحمل أبعادا استراتيجية جديدة، خصوصا في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.

الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات حسين عبد الحسين في حديثه لسكاي نيوز عربية يرى أن تكرار اختيار السعودية كأول وجهة خارجية لا يخرج عن كونه "رسالة واضحة" تثبت مركزية الرياض في رؤية ترامب للمنطقة.

فالخروج عن الأعراف الدبلوماسية الأميركية – التي تضع العواصم الغربية المجاورة أو الحلفاء التقليديين مثل لندن أو أوتاوا في صدارة الزيارات – يؤكد خصوصية العلاقة مع المملكة، حسب عبد الحسين.

ويضيف عبد الحسين، خلال تصريحات لفضائية سكاي نيوز عربية، أن الفارق الزمني بين زيارات ترامب يعكس تغيرا نوعيا في التحديات، لا في الأهداف.

فبينما كانت إيران في عام 2017 قد خرجت لتوها من الاتفاق النووي مع إدارة أوباما، نجدها اليوم أكثر عزلة، مع انكشاف ظهر حلفائها في لبنان وسوريا.

ويتابع عبد الحسين قائلا: "لكن المعضلات لا تزال قائمة، ولم تُحل بالكامل"، مشيرا إلى أن "الملف الفلسطيني، والنووي الإيراني، واستقرار لبنان وسوريا، كلها ملفات تنتظر تسوية ناضجة لم تصل بعد".

السعودية تقود التحول في النظام العالمي

من جانبه، قدّم عضو مجلس الشورى السعودي السابق وأستاذ العلوم السياسية، الدكتور إبراهيم النحاس، رؤية أكثر شمولية، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية، إذ وصف زيارة ترامب بأنها "لحظة تأسيس جديدة في العلاقات الدولية"، مستحضرا الرمزية التاريخية للقاء الملك عبد العزيز بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عام 1945 على متن الطراد كوينسي.

وبرأي النحاس، فإن استهلال ترامب لجولته في الشرق الأوسط من السعودية يعيد إنتاج هذه اللحظة في شكل جديد، مفاده أن المملكة لم تعد مجرد حليف، بل شريكا مركزيا في صياغة ملامح النظام الإقليمي والدولي.

ووفق النحاس فإن المملكة حققت في السنوات الأخيرة اختراقات سياسية فريدة، بدءا من استضافتها لجولات الحوار الأميركي الروسي ثم الأميركي الأوكراني، مرورا بملف الوساطات الإنسانية، ووصولا إلى الانخراط الفاعل في ملف أمن الطاقة العالمي.

ويلف النحاس إلى أن "كل هذه التحركات عززت مكانة السعودية كدولة لا يمكن تجاوزها، ليس فقط في الإقليم، بل على صعيد السياسة الدولية برمتها".

الاقتصاد أولا.. ولكن السياسة لا تغيب

وعلى الرغم من أن ملفات الاستثمار والاقتصاد ستكون حاضرة بقوة في زيارة ترامب، خاصة في ظل ما أعلنه من طموحات تتعلق بتريليونات الدولارات في الشراكة مع المملكة، فإن النحاس يشدد على أن السياسة ستظل في صدارة المشهد، ويضيف موضحا: "لا يمكن الحديث عن التنمية دون استقرار سياسي.. والملف الفلسطيني لا يمكن فصله عن أي حوار مع واشنطن".

كما يربط النحاس بين الرؤية السعودية 2030 واهتمام ترامب بالفرص الاقتصادية في المنطقة، معتبرا أن الرؤية تشكل منصة جاذبة للاستثمار الأميركي في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وهي مجالات أصبحت اليوم في صلب الاستراتيجية الاقتصادية السعودية والأميركية معا.

رسائل خفية لإسرائيل.. ومأزق نتنياهو

إحدى أبرز نقاط التحليل جاءت في ما يمكن تسميته بـ "الرسائل الذكية" التي حملتها زيارة ترامب تجاه إسرائيل.

فبحسب النحاس، فإن عدم تضمّن الجولة زيارة لتل أبيب يُعد رسالة صريحة مفادها أن واشنطن لم تعد تغطي السلوك الإسرائيلي، خصوصا بعد الحرب على غزة وما رافقها من اتهامات بارتكاب جرائم حرب.

ويبين النحاس أن "ترامب أحرج حلفاءه في إسرائيل، بل وحتى داعميه في الداخل الأميركي، حين تجاهل إدراج إسرائيل في جدول زيارته، رغم رمزية ذلك في جولات الرؤساء الأميركيين".

والأهم من ذلك، وفقا للنحاس، هو أن السعودية وضعت موقفا حاسما من مسألة التطبيع. فولي العهد محمد بن سلمان أكد في كلمته في سبتمبر الماضي، أن لا تطبيع مع إسرائيل دون قيام دولة فلسطينية.

وهذا الموقف يُدخل نتنياهو في عزلة إقليمية، ويضع إسرائيل أمام معادلة جديدة: إما التفاوض الجاد، أو فقدان امتيازات الدعم الأميركي الكامل.

التكنولوجيا بوابة جديدة للتحالف

عبد الحسين يربط الزيارة أيضا بالبُعد الاقتصادي المستقبلي الذي باتت التكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، جزءا منه، حيث يقول: "لم تكن هذه الملفات مطروحة في 2017، اليوم هي في صلب الحوار. السعودية تقدم نموذجا جديدا من الانفتاح على شراكات نوعية تستفيد منها الولايات المتحدة ومجتمع الأعمال العالمي".

لكن في المقابل، يحذّر عبد الحسين من مغبة المبالغة في الرهانات على التحولات الجذرية، لا سيما أن "الملفات الشائكة في المنطقة لا تزال دون حلول. فالملف الإيراني ما زال عالقا، والحرب في غزة مستمرة، وسوريا لم تدخل بعد في عملية سياسية حقيقية. ومع ذلك، فإن فتح القنوات وتوسيع مساحات التعاون قد تخلق بيئة أفضل لمعالجة الأزمات".

ماذا عن سوريا ولبنان؟.. رسائل متعددة الاتجاهات

يعتقد النحاس، أن السعودية ترغب في دعم "الانتقال الإيجابي" داخل سوريا، ورفع العقوبات الدولية لتمكين الدولة من استعادة استقرارها.

ويفسر ذلك بالقول إن: "أي استقرار في سوريا هو استقرار للمنطقة، ومحاربة للإرهاب، وتعزيز للأمن القومي العربي".

أما على الصعيد اللبناني، فإن ضعف حزب الله، كما أشار عبد الحسين، يوفر فرصة لإعادة تشكيل التوازن السياسي في بيروت، خصوصا مع تراجع تأثير إيران في المعادلة اللبنانية، وهو ما قد يدفع واشنطن والرياض إلى الدفع باتجاه إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها.

لحظة مفصلية في علاقات ممتدة

في زيارة تحمل رمزية تاريخية وتكتيكا سياسيا، أعاد ترامب تموضع العلاقة الأميركية مع الشرق الأوسط من بوابة السعودية.

ومع أن الملفات التي تنتظر الحل لا تزال معقدة، فإن اللغة التي حملها ترامب إلى الرياض تحمل إشارات لتجديد التحالف، لا مجرد توثيقه.

وإذا ما أحسن الطرفان استثمار هذه اللحظة، فقد تكون زيارة ترامب الثانية للرياض بداية عهد جديد، لا مجرد تكرار لخطى قديمة.

المنطقة تقف على عتبة تغييرات هائلة، والمملكة السعودية تمضي نحو دور ريادي عالمي، وترامب بأسلوبه غير التقليدي يبدو مصمما على إعادة رسم خريطة العلاقات الأمريكية شرق أوسطية، ولكن هذه المرة، بقواعد جديدة.. تبدأ من الرياض.

المصدر

المصدر: بوابة الفجر

كلمات دلالية: ترامب الرياض السعودية الولايات المتحدة الشرق الأوسط محمد بن سلمان زيارة ترامب الملف الايراني التطبيع القضية الفلسطينية حرب غزة اسرائيل نتنياهو الذكاء الاصطناعي الاستثمار الأجنبي رؤية السعودية 2030 التحول الاقتصادي النظام العالمي الجديد القيادة السعودية أمن الطاقة سوريا لبنان حزب الله الملف النووي الدبلوماسية الأميركية التحالفات الإقليمية السياسة الخارجية زيارة تاريخية المنتدى الاستثماري زیارة ترامب عبد الحسین

إقرأ أيضاً:

السعودية أمام شرط أمريكي جديد.. ماذا يريد ترامب؟

ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية بانضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام الخاصة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مؤكدًا أن الاتفاق النووي لن يدخل حيز التنفيذ الكامل إلا بعد تحقيق هذا الشرط.

وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، إن اتفاقية التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية التي أبرمت بين وزارة الطاقة الأمريكية والمملكة العربية السعودية تقتصر بشكل كامل على الاستخدامات المدنية للطاقة النووية.

وأوضح ترامب أن الاتفاق «سيتم اعتماده»، لكنه شدد على أن تنفيذه يعتمد بصورة كاملة على انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، التي أبرمت خلال ولايته الأولى وشملت تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

وقال ترامب: «اتفاقية التعاون في مجال الذرة السلمية، التي أبرمت بين وزارة الطاقة الأمريكية والمملكة العربية السعودية تتعلق حصريًا بالاستخدام المدني للطاقة النووية… ستتم الموافقة عليه، لكن تنفيذه يعتمد كليًا على انضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات أبراهام».

وأكد الرئيس الأمريكي أن الاتفاق النووي مع السعودية لا يسمح بتخصيب اليورانيوم، مشيرًا إلى أن التعاون يندرج ضمن إطار البرامج النووية المدنية فقط.

وكانت الولايات المتحدة والسعودية قد وقعتا، الأربعاء، اتفاقية تعاون نووي مدني جديدة تمنح المملكة إطارًا قانونيًا وتنظيميًا لتطوير برنامجها النووي السلمي، ضمن خطط الرياض لتنويع مصادر الطاقة.

ووقع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان اتفاقية التعاون النووي المعروفة باسم «اتفاقية 123»، إلى جانب ما وصفته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«اتفاقية ضمانات ثنائية».

وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن الاتفاقيات تعكس «التزام البلدين المشترك بتعزيز العلاقات التجارية الأمريكية السعودية وتحقيق الازدهار في الداخل والأمن للحلفاء في الخارج».

وأضاف رايت أن الاتفاقيات تلتزم بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار النووي، وتعتمد على التقنيات والخبرات النووية الأمريكية.

وتمنح اتفاقية «123»، المعروفة رسميًا باسم اتفاق التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، الشركات الأمريكية إطارًا يسمح لها بالمنافسة والدخول إلى السوق النووي السعودي، الذي تسعى المملكة إلى تطويره ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مصادر الطاقة.

وفي إسرائيل، رحب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بربط ترامب الاتفاق النووي السعودي بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، معتبرًا أن هذه الخطوة ستكون «تاريخية نحو السلام في الشرق الأوسط».

وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن «العملية العسكرية المشتركة التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد النظام في طهران، إلى جانب تدمير إسرائيل لمحور الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، خلقت فرصة لتوسيع دائرة السلام».

وأضاف البيان أن انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام يمثل خطوة مهمة ضمن رؤية توسيع دائرة العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.

ولم تصدر السعودية تعليقًا رسميًا على تصريحات ترامب بشأن ربط الاتفاق النووي بالتطبيع مع إسرائيل، إلا أن الرياض أكدت في مواقف سابقة أن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل مرتبطة بوجود مسار واضح ولا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية، باعتبار ذلك موقف المملكة الثابت.

مقالات مشابهة

  • ترامب: الاتفاق النووي المدني مع السعودية لا يشمل التخصيب
  • أمريكا: لا اتفاق نوويا مع السعودية دون الاعتراف بإسرائيل
  • جامعة الحسين تحتفل بتخريج الفوج الـ 27
  • مجلس الشيوخ الأمريكي يعرقل قرارا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
  • هيئة البث الإسرائيلية: رفع درجة الاستعداد بسلاح الجو الإسرائيلي
  • السعودية أمام شرط أمريكي جديد.. ماذا يريد ترامب؟
  • محدث: ترامب: الاتفاق النووي مع السعودية مشروط بالتطبيع مع إسرائيل!
  • عاجل | مجلس النواب الأمريكي يصوت لوقف أي عمل عسكري ضد إيران
  • ترامب: لن نقر الاتفاق النووي مع السعودية إلا إذا انضمت للاتفاقيات الإبراهيمية
  • ترامب يضع شرطاً جديداً لتنفيذ الاتفاق النووي مع السعودية.. فما هو؟