نعم المملكة العربية السعودية رمز السلام كانت منذ تأسيسها على يد المؤسس رحمه الله وعلى مر عهود أبنائه من بعده وحتى اليوم ومن ضمن أهم أهدافها أن يعم الأمن والسلام الكرة الأرضية برمتها وأن يحيا الناس حياة هادئة مطمئنة فلا نعمة تعادل (نعمة الأمن). لذا فالسعودية متواجدة في المواقف والأزمات ورغبتها في التهدئة ورأب الصدع وتسؤوها الاضطرابات والتعديات في أي مكان في العالم، وستظل السعودية عنواناً للسيادة والتواجد الإنساني والسياسي ومنبعاً لكل خير.
هذه السياسة، والمبدأ الذي تنتهجه السعودية، ويعتبر من قواعدها الراسخة والهامة، إنما هو دليل على حكمتها ومعرفتها الأكيدة بأن الأمن إذا تزعزع وانتشرت الفتن والحروب على أية أرض دون احتواء لها وإيجاد حلول، فحتماً سيكون لها تأثير سلبي أمني واقتصادي وسياسي على العالم بأكمله، وخصوصاً دول الجوار لمحل الأزمة ومحيطها بالدرجة الأولى، فكيف حين يضطرب الشرق الأوسط، أو ما يلامسه أو يقرب منه؟ وجميعنا نتذكر مقولة ولي العهد السعودي: ( أنا اعتقد أن أوربا الجديدة هي الشرق الأوسط) وأن دوله في بحر السنوات الخمس القادمة ستكون مختلفة تماماً ذلك الاختلاف الذي يرتقي بها. وطلب الله ألا يغادر الحياة إلا والشرق الأوسط في مقدمة دول العالم نسأل الله له طولة العمر وتحقيق الأمنيات. وكم نتمنى أن تدرك الشعوب بكل أطيافها أن جودة الحياة تكمن في وعيها بأهمية الأوطان وقيمتها وأمنها والحفاظ على مدخراتها ومرافقها، وأن الفتن والحروب هي دمار للبشر والشجر والحجر نعوذ بالله من ذلك.
هنا تكمن حصافة المملكة العربية السعودية، وسعيها الحثيث ليسود الأمن في أراضيها وفي كل مكان، فكانت حاضرة بدعمها ودبلوماسيتها في الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، فقد لعبت دوراً دبلوماسياً مميزاً وقامت بالتوسط بين الأطراف المتنازعة، ومتواجدة في لبنان حيث دعت إلى جانب أمريكا وفرنسا إلى وقف إطلاق النار وإفساح المجال للحوار، وسوريا حيث طالبت برفع العقوبات عنها ودعمت الدولة الجديدة لتكون سوريا وطناً وسكناً آمناً لأهلها وجزءاً مهماً من العالم العربي، وفي الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية تواجدت السعودية حيث أطلقت التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين وأصرت على ذلك ومدت يد العون والمساندة للفلسطينين ومازالت، والجميع يذكر موقفها مع السودان وتقديم المساعدات والحلول والمفاوضات وتحذير الأطراف السودانية من تصعيد الأزمة، ومن يتابع الأخبار الدولية، يجد المملكة حاضرة بممثليها في وزارة الخارجية في كل موقف، ولن نستطيع حصر مواقف المملكة ودبلوماسيتها في مقال واحد، وكأنها طائر السعد يفرد أجنحته بالخير في سماء الكرة الأرضية، لكن هذا الطائر الحنون الذي يحتوي الأزمات ويريد الأمن لكل الشعوب، هو شرس جداً عند انتهاك حقوقه والاعتداء على حدوده. ولعل الأيام القليلة الماضية تشرح استمرارية مواقف السعودية لاحتواء الأزمات وذلك فيما حصل بين الهند وباكستان.
تخيلوا لا قدر الله لو نشبت حرب بين الهند وباكستان! مجرد التخيل مزعج والعياذ بالله. فبمجرد الاعتداء الإجرامي فعلاً والذي أسفر عن مقتل ٢٥ شخصاً سائحاً وإصابة آخرين، اتخذت الهند إجراءات فورية، وطردت دبلوماسيين باكستانيين، وأغلقت الحدود، وأوقفت التأشيرات، وأغلقت المجال الجوي وغير ذلك، كما ردت باكستان بمثل ذلك من ردود الفعل، وازداد التصعيد الذي كان سيصبح حرباً طاحنة واسعة تأكل الأخضر واليابس. وفعلاً أمر مؤسف أن يتم الاعتداء على مدنيين أرادوا المتعة وما علموا أن الموت بالمرصاد وسواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، فإزهاق الأرواح البريئة جريمة عند الله.
نتمنى أن يسفر التحقيق عن كشف المجرمين فقاتل الله الحروب والفتن كم تحيل الحياة إلى جحيم إذا لم يحاصرها العقل، وهنا جاء دور المملكة المعهود إذ لعبت دوراً أساسياً لاحتواء الموقف العسكري بين البلدين، وضمان عدم خروجه عن السيطرة، فكانت المساعي السعودية مستمرة وحثيثة بكل الطرق لوقف أصوات الرصاص، وقد كلفت مبعوثها الدبلوماسي من وزارة الخارجية الأستاذ عادل الجبير بزيارة عاجلة للدولتين، ونظراً لما تتمتع به المملكة من مكانة دولية وروابط وعلاقات جيدة مع الدولتين ولثقلها الدولي ونفوذها الاقتصادي، كان لوساطتها القبول والترحيب إلى جانب أمريكا لوقف إطلاق النار والدعوة لضبط النفس والحوار العقلاني. وعبرت السعودية عن فرحتها بالتهدئة ووقف المناوشات التي كادت تندلع بها حرب. كما عبرت الهند وباكستان عن شكرهما للتدخل الذي أنقذ البلدين. وتبقى المملكة دوماً محل ثقة العالم. لذا كان لوساطتها أهمية كبيرة. فالمملكة ذات شخصية سيادية اعتبارية دولية حكيمة، إذ تعتبر الوسيط المثالي والمهم حضوره في كل النزاعات الدولية عالمية أو شرق أوسطية، ونجحت الوساطة والحمدالله.
(اللهم زد بلادي عزاً ومجداً وزدني بها عشقاً وفخراً).
المصدر
المصدر: صحيفة البلاد
إقرأ أيضاً:
عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟
طهران – في بلد أنهكته الحروب المتتالية وحصار بحري خانق، يبدو إصدار بيان يحمل عنوان "لا نريد الحرب" وكأنه تحصيل حاصل أو صرخة إنسانية لا تختلف عليها الأصوات، لكن في إيران اليوم يتحول هذا النداء إلى جدل بين معسكر يراه صرخة سلام في زمن الحرب، وآخر يعتبره تبرئة للمعتدي وتطبيعا مع "آلة القتل" الأمريكية والإسرائيلية.
فمنذ أن وقّع 268 ناشطا سياسيا ومسؤولا سابقا بينهم نواب سابقون وأكاديميون قبل أيام، بيانا جاء فيه "السلام نعمة إلهية وحق إنساني. والحد الأدنى للتمتع بالسلام هو الوقف الكامل والنهائي للحرب ووضع حد لأي تهديد أو خطاب كراهية أو دعوة للحرب"، وتأكيده أن "الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة"، جاء الرد من الطيف المقابل سريعا وقاسيا.
فقد أصدر 517 أستاذا في جامعة "آزاد" الإسلامية بيانا مضادا وصف الأول بأنه "مغالطة تاريخية" وكتب الموقعون على البيان الثاني "إذا كان هناك قلق حقيقي من الحرب، فإن المخاطَب الأول يجب أن يكون الحكومات التي بدأت الحرب، لا الأمة التي وقعت ضحية العدوان ودافعت عن نفسها. لا أحد يرغب في الحرب، ولكن كما لا نقبل الحرب المفروضة، لن نقبل السلام المفروض".
وفيما يكشف الجدل القائم، وفق مراقبين، أن كلمة "السلام" نفسها لم تعد تحمل معنى واحدا في قاموس السياسة الإيرانية، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران وسألت الناس مباشرة: ماذا يعني لكم السلام وسط هذا الجدل النخبوي؟ فكان الانقسام حاضرا، لكن نقطة التقاء واحدة بدت واضحة: لا أحد يريد الحرب ولا أحد يقبل الهزيمة.
في حديقة "دانش" جنوبي العاصمة يقول الموظف المتقاعد حسن (72 عاما) للجزيرة نت "لم أقرأ البيانين بعد، فقط أعرف أننا جميعا منهكون من الحروب. لكن هناك فرقا بين أن تنادي بالسلام وأن تستسلم، إذا كان السلام يعني أن نركع فلا أريده. قاتلت بنفسي في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 وكنت حينها منهكا ولم نكن نريد الحرب، لكنها فرضت علينا كما فرضت الحروب المتواصلة حتى الآن".
إعلانأما في شارع "جمالزاده" وسط طهران فكانت فرشته (29 عاما)، وهي مصممة غرافيك، أكثر ميلا للبيان الأول لكن بتحفظ. وقالت "أنا مع السلام، وأعتقد أن أي صوت يرفع من أجل إيقاف الحرب هو شجاع"، مؤكدة في حديثها للجزيرة نت أنها تتفهم سبب غضب شريحة من الإيرانيين من الدعوة للسلام. "المشكلة في لهجة البيان، بدا وكأنه يطلب الرحمة من ذئب. لم يذكر أمريكا ولا إسرائيل كونهما الجهة المعتدية، هذا يحزنني لأن السلام لا يعني أن تمسح تاريخك".
في المقابل، كان رجل الدين رضا (49 عاما) من حي "نارمك" شرقي المدينة أكثر حدة حيال الأصوات المنادية بالسلام، حيث قال للجزيرة نت "هذه الدعوة خيانة في زمن الحرب.. تخيل أن جنديا يقف في الجبهة، ويأتيه صوت من الخلف يقول: لا نريد قتالا. هذا يضعف الروح المعنوية لدى القوات المسلحة. موقعو البيان الأول يقولون إنهم يريدون السلام، لكنهم يطعنوننا في الظهر. لماذا لا يوجهون بيانهم إلى ترمب؟".
وفي ساحة "نوبنياد" شمال شرقي طهران تحدثت إلميرا (44 عاما)، وهي مهندسة حوسبة وأم لطفل واحد، للجزيرة نت بنبرة مختلفة، وقالت "لا أفهم كثيرا في السياسة. كل ما أعرفه أن ابني يسألني: هل سنموت جراء هذه الحرب؟ لأننا نعيش في حي يتكرر القصف قريبا منه، ولذلك نضطر لمغادرة طهران كلما احتدم التصعيد.. أريد سلاما يحمي أسرتي ويحفظ كرامة بلادي.. طبعا لا نريد الهزيمة لأن لها رائحة تبقى للأبد في التاريخ. ما نريده هو استغلال الوساطات والتفاعل بإيجابية معها".
ورغم تباين المواقف، كان الجميع تقريبا يكررون جملة واحدة بصيغ مختلفة "لا نريد حربا، لكننا لن نقبل الهزيمة"، وكأن الرأي العام في طهران يحمل في جيناته خوفا غريزيا من "اللطخة السوداء التي قد تلحق بصفحتهم إذا ما سطّر التاريخ أنهم سلّموا للغزاة"، وفق تعبير المتحدثة الأخيرة.
وللخروج من ثنائية الشعارات والبيانات، حاورت الجزيرة نت شخصين من موقعي البيانين. الأول هو الناشط السياسي حميد آصفي أحد الموقعين على بيان "لا نريد الحرب"، الذي بدا حريصا على تفكيك ما اعتبره "سوء فهم متعمد" طال البيان ودوافعه، موضحا أن البيان "وقّعه أناس كانوا جزءا من الحكم، ومارسوا السلطة، ثم خرجوا منها أو أُبعدوا عنها. واليوم يعود هؤلاء ليقولوا: لا نريد الحرب. لماذا؟ لأنهم يرون أن الاستمرار في هذا المسار يعرض البلد لاضطرابات لا تُحمد عقباها".
وفي حديثه للجزيرة نت ينتقل إلى جوهر الرسالة التي حاول البيان إيصالها "نقول لا للحرب ونعم للسلام، لكن سلامنا ليس الاستسلام الذي يروج له الطرف الآخر. سلامنا يبدأ من الداخل بالمصالحة مع الشعب. ثم ينتقل إلى الخارج عبر تعديل السياسة الخارجية".
وتابع "نعتقد أن الإصرار على مبادئ معينة في السياسة الخارجية هو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة. ولو كان قد جرى استفتاء حول هذه المبادئ، ربما لم تعد موجودة في سياستنا الخارجية، مضيفا أن هذا الموقف لا يعني تبرئة المعتدي بل ندين الحرب ونقف ضد أي حرب تستهدف بلادنا، لكن نعتقد أن الإصرار على بعض ثوابت السياسة الخارجية هو ما قادنا إلى هذه النقطة".
إعلانثم يطرح مثالا ملموسا "خذ القضية الفلسطينية نموذجا؛ نحن مع الدفاع عن هذه القضية، لكن كما تفعل أي دولة عربية أو إسلامية طبيعية ليس مطلوبا منا أن ندخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا أن ننشئ مليشيات في دول أخرى من أجلها ولا أن نتكبد كل هذه التكاليف الباهظة. يجب أن تُضبط سياستنا الخارجية وفق مصلحة شعبنا وبلدنا، لا أكثر ولا أقل".
حقيقة جوهرية
وعلى الجانب الآخر، يطرح الأكاديمي محمد ياسر إرشادمنش -أحد الموقعين على البيان المضاد- قراءة تأسيسية للجدل الراهن، يعيد فيها تعريف مفاهيم الحرب والسلام والدفاع في سياق المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، فيرى أن المعادلة التي يطرحها المعسكر المقابل بشأن وقف الحرب تغفل حقيقة جوهرية وهي "أن إيران لم تكن البادئة بالحرب"، مشيرا إلى أن الحرب هذه فرضت على بلاده حيث بدأت بتصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي لم يتوقف عند القصف الجوي بل امتد إلى استهداف البنية التحتية والحصار البحري بهدف إخضاع طهران لأجندتهما، على حد قوله.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إلى أن طهران رغم الحرب المفروضة عليها لم تترك طاولة المفاوضات وقبلت بالوساطات الإقليمية، لكنها اصطدمت بإرادة أمريكية أصرّت على العودة إلى منطق القوة، معتبرا صدور البيان الأول "على ضوء انتهاك واشنطن الاتفاق الإطاري" بأنه محاولة لتحميل الضحية مسؤولية الإصرار على مواصلة الصراع.
وتابع: حين يُطلب من طهران العمل على نزع التوتر والجنوح للسلام وكأنها هي من أشعلت الحرب، بينما تُعفى واشنطن التي بدأت القصف والحصار من أي مساءلة، مضيفا أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمواصلات، وإعادة فرض الحصار البحري، ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل تهدف إلى إخضاع إيران عبر الحرب الاقتصادية والعسكرية المتزامنة، ما يستدعي موقفا دفاعيا موحدا داخل إيران.
وبرأيه، فإن الفرق شاسع بين مفهومي "السلام المشرّف" و"الصلح تحت الضغط" ذلك لأن الأول يقوم على ردع المعتدي وإجباره على احترام سيادة البلاد، بينما الثاني هو نتاج الضعف والانكسار، ويدعو العدو إلى مزيد من التعدي، محذرا من الاستسلام تحت الضغط لا يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى موجات متتالية من الابتزاز.
وفي هذا السياق، يقرأ إرشادمنش التصعيد الأمريكي الأخير كجزء من محاولة لفرض صلح تحت غطاء عسكري، وهو ما ترفضه النخبة التي يمثلها، ويستند في موقفه إلى مرجعيات دينية وتاريخية تؤطر مفهوم الدفاع المشروع، ويخلص إلى أن الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عدوانا، بل دفاع عن الأمن والاستقلال والكرامة.
وختاما، لا يبدو أن بيان "لا نريد الحرب" سيغير موازين القوى في إيران نظرا للجدل الذي أعقبه، لكن يرى مراقبون في طهران أنه نجح في شيء واحد بأن النخبة السياسية في إيران تعيش لحظة قلق عميق جراء تطورات الحرب المتواصلة على البلاد؛ ففي بلد يتعرض للقصف والحصار يصبح السلام خيارا باهظا والاستسلام تهمة جاهزة والهزيمة سكينا في خاصرة الكبرياء الوطني.