صوفيا- في اليوم الذي احتفلت فيه أوروبا بالذكرى الثمانين للنصر على هتلر والفاشية، في التاسع من مايو/أيار، فاجأ الرئيس البلغاري رومين راديف شعبه والنخبة الأوروبية بإعلانه رغبته في إجراء استفتاء بشأن اعتماد العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" ابتداء من الأول من كانون الثاني/يناير 2026. وقد تحوَّلت هذه المبادرة إلى فصل جديد من الأزمة السياسية الداخلية التي تعيشها البلاد منذ أربعة أعوام.

وكان الائتلاف الحكومي، المؤلف من أربعة أحزاب والذي تشكّل في يناير/كانون الثاني الماضي، قد أعلن عن تسريع مفاجئ لوتيرة انضمام بلغاريا إلى منطقة اليورو. وفي أواخر فبراير/شباط، أرسلت الحكومة طلبًا لإعداد تقرير تقاربي استثنائي إلى البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية، رغم أن العجز المتوقع في موازنة عام 2025 يُقدّر بـ 7%، وهو ما يتجاوز السقف المسموح به وفقًا لمعايير الانضمام، والذي يبلغ 3%. وعلى هذا الأساس، راهنت الحكومة على زيادة الإيرادات بنسبة 25%، وهو ما اعتبره عدد من الخبراء هدفًا طموحًا للغاية وغير واقعي. اللافت في الأمر أن بروكسل أبدت مؤشرات على استعدادها للتساهل في تطبيق المعايير الاقتصادية المعتمدة.

وقال الاقتصادي ستويان بانشيف لموقع "الجزيرة نت": "كان واضحًا منذ موازنة 2024 أننا خرجنا عن نطاق معايير العجز المسموح بها. ويبدو، على غرار ما حصل في اليونان، أنه تم التلاعب بالإحصاءات لإخفاء الحجم الحقيقي للعجز؛ فبدلًا من تسجيل نسبة 4.5%، سُجّلت 3%. ويبدو أن يوروستات والمفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي يتغاضون عن هذا الأمر مؤقتًا".

إعلان

وفي خطوة غير مسبوقة، أعادت رئيسة البرلمان طرح مقترح الاستفتاء، في محاولة منها لمنع الرئيس من الطعن أمام المحكمة الدستورية في حال رفض البرلمان مقترحه. إلا أن الرئيس أعلن عزمه على الطعن في هذا الإجراء نفسه، معتبرًا إياه غير مسبوق. وقد فاقم هذا الصراع المؤسسي أجواء التوتر التي تعيشها البلاد.

وبسبب الحملات السلبية المتواصلة، والشائعات، والقلق المتزايد من ارتفاع الأسعار، أظهرت استطلاعات الرأي أن 55% من البلغاريين يعارضون اعتماد العملة الأوروبية الموحدة في عام 2026، بينما يؤيد 63% منهم إجراء استفتاء بشأن الأمر.

تحالف حكومي هش وشرعية تبحث عن غطاء

وقال بيتر فيتانوف، النائب الاشتراكي السابق في البرلمان الأوروبي والمقرّب من الرئيس البلغاري، في تصريح لـ"الجزيرة نت": "هذا الائتلاف الحاكم يضمّ قوى غير متجانسة ـاشتراكيين، يمينيين، تشكيلات أوليغارشية، وحزبًا إثنيًاـ وعليه كان لا بد من التوافق على هدف يمنح الحكومة شرعية داخلية وخارجية، وقد اختاروا اليورو".

انضمام بلغاريا إلى منطقة اليورو محطة حساسة في سياستها الداخلية والخارجية (الرئاسة البلغارية)

تجدر الإشارة إلى أن بلغاريا كانت قد بدأت، إلى جانب كرواتيا، إجراءات الانضمام إلى منطقة اليورو في عام 2020، وكان من المقرر أن يتم ذلك في الأول من يناير/كانون الثاني 2023. إلا أن الأزمة السياسية الداخلية حالت دون تنفيذ الخطوة في موعدها، في حين نجحت كرواتيا. ورغم أن بلغاريا شهدت تغيّر سبع حكومات منذ ذلك الوقت، إلا أنها واصلت سعيها نحو الانضمام.

وبحسب تقرير التقارب الصادر عن المفوضية الأوروبية لعام 2024، فإن بلغاريا لا تزال تتجاوز الحد المرجعي لمعدل التضخم بنسبة 1%، حيث بلغ التضخم فيها 4.1%. إلا أن الحكومة الحالية تمكّنت من احتواء هذا المعدل سريعا. ومع ذلك، أشار التقرير إلى استمرار التحديات في مجالات سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وكفاءة الإدارة، وهي ملفات لا يمكن معالجتها خلال فترة زمنية قصيرة.

إعلان معركة النفوذ بين الرئيس والحكومة

وتُتهم النيابة العامة في بلغاريا بأنها خاضعة لنفوذ قوي من زعيم حزب "حركة الحقوق والحريات –البداية الجديدة"، ديليان بيفسكي، الذي سبق أن فُرضت عليه عقوبات بموجب "قانون ماغنيتسكي" الأميركي. وتستمر الحكومة في عملها بدعم مباشر منه، رغم أنه خصم شرس للرئيس البلغاري.

ورغم أن التشريعات البلغارية تتماشى من الناحية الشكلية مع قواعد الاتحاد النقدي الأوروبي، إلا أن الانضمام الرسمي إلى منطقة اليورو قد يشكّل ضغطًا باتجاه إجراء إصلاحات قضائية جذرية.

وفي هذا السياق، قال الأكاديمي كراسن ستانتشيف، رئيس معهد السياسات الاقتصادية والمشارك في صياغة دستور بلغاريا بعد سقوط الشيوعية عام 1991، في حديثه لـ"الجزيرة نت": "في حال اعتماد اليورو، سيتم تحجيم تأثير مراكز السلطة المحلية داخل البرلمان والحكومة والنيابة العامة. فهذه القوى لا تستطيع التأثير على المؤسسات الخارجية التي تُعد مسؤولة عن اتخاذ القرارات في منطقة اليورو، مثل البنك المركزي الأوروبي". وأضاف: "الرئيس يلعب دورًا مدمّرًا ويجب إزاحته من المشهد السياسي".

القرار تقني أم سياسي؟

ويرى ستانتشيف أن انضمام بلغاريا إلى اليورو لا يعدّ خطوة اقتصادية فحسب، بل هو خيار إستراتيجي مهم في سياق العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، خصوصًا في ظل الحرب في أوكرانيا. وأكد أن البيئة القانونية وتوافق التشريعات مع قواعد الاتحاد الأوروبي هما الأساس في تقارير التقارب، موضحًا أن نحو 80% من العلاقات الاقتصادية تقوم على العقود، مما يجعل الإطار القانوني عنصرًا حاسمًا في كفاءة الأداء الاقتصادي.

تقييم كراسن ستانتشيف للمخاطر الاقتصادية يرتبط بأداء الدولة لا بالعملة (معهد السياسات الاقتصادية)

ومن جهته، أشار بيتر فيتانوف إلى أن قرار المفوضية الأوروبية لن يكون محضًا اقتصاديًا، بل سياسيًا في المقام الأول. وقال: "الاتحاد الأوروبي لديه مصلحة راهنة في إظهار أن عملية التكامل مستمرة، وأن المشروع الأوروبي لا يزال حيًا، بل يتقدم إلى الأمام في مواجهة التراجع". وأضاف أن تبنّي تقرير إيجابي بشأن تقارب بلغاريا سيكون وسيلة لتجنّب وصول شخصية على غرار رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان إلى الحكم في بلغاريا، وهو ما قد يعيد مسألة الالتزام الأوروبي إلى نقطة الصفر. وخلص إلى أن المفوضية الأوروبية قد تُعطي الأولوية لإدماج بلغاريا في منطقة اليورو بهدف تقليص نفوذ موسكو عليها نهائيًا.

إعلان

بالمقابل، يقدّم الاقتصادي ستويان بانشيف، رئيس "التجمع البلغاري الليبرتارياني"، رؤية مغايرة، إذ يرى أن التفاؤل الذي ساد في وقت سابق قد تراجع منذ تدخّل الرئيس باقتراح إجراء استفتاء شعبي. وأوضح أن هذا التراجع يعود إلى الرفض الشعبي المتزايد لفكرة الانضمام السريع إلى منطقة اليورو، إضافة إلى الاهتمام الشعبي المتزايد بتنظيم الاستفتاء.

الفجوة الاقتصادية ومستوى المعيشة

أما بالنسبة لمخاوف المواطنين، فثمة ما يبرّرها وفق بعض المحللين. فبعكس العديد من الدول الأعضاء، تعتمد بلغاريا على نظام الاحتياطي النقدي الصارم منذ عام 1997، وتتبنّى سياسات مالية محافظة، ما ساهم في إبقاء نسبة الدين العام بين الأدنى في الاتحاد الأوروبي ـأقل من 30% من الناتج المحلي الإجمالي. وللمقارنة، تجاوزت نسبة الدين العام في إيطاليا 125%، وهو ما يثير قلق البلغاريين من احتمال أن تتحمّل بلادهم أعباء الدول الأكثر مديونية في حال نشوب أزمة مالية أوروبية جديدة.

موقف بيتر فيتانوف من الاستفتاء يعكس تحفظًا على سرعة الانضمام لليورو (الصفحة الشخصية)

ورغم أن بلغاريا تُعد أفقر دولة داخل الاتحاد الأوروبي، فإن غياب التقارب الفعلي مع المستويات الأوروبية المتوسطة من حيث الدخل، والناتج المحلي الإجمالي للفرد، ومستويات الأسعار، يضع البلاد في موقع غير مؤهل بعد لاعتماد العملة الأوروبية الموحدة، بحسب رأي الاقتصادي بانشيف. وقال: "مثل ما هو الحال مع دول وسط أوروبا الأخرى كالتشيك، بولندا، المجر، ورومانيا، ينبغي علينا الانتظار أكثر حتى نصل إلى مستويات تقارب حقيقية. فإذا انضممنا مبكرًا، فسوف نواجه تضخمًا إضافيًا وارتفاعًا في معدلات الاقتراض". ولفت إلى أن البنك المركزي التشيكي ووزارة المالية أعلنا قبل شهر عن تأجيل انضمام بلادهما إلى منطقة اليورو للسبب ذاته، علمًا بأن وضع التشيك الاقتصادي أكثر تقدمًا من بلغاريا.

إعلان

في المقابل، يرى الأكاديمي كراسن ستانتشيف، أن المنافع المتوقعة من الانضمام تفوق بكثير المخاطر. وقال: "ما المشكلة في تحقيق عجز منخفض في الميزانية أو في الاستفادة من أسعار فائدة منخفضة؟ إن المخاطر المستقبلية تعتمد في الأساس على سياسات الدولة المنضمة، وليست مرتبطة حصريًا باليورو أو بالإطار القانوني للاتحاد الأوروبي". وأضاف أن شروط الانضمام، سواء النوعية أو الكمية، لا تتعارض مع مصالح المواطنين البلغاريين.

وفي خضم الجدل السياسي والمواقف المتضاربة بين مؤسسات الدولة وخبراء الاقتصاد، نظّمت قوى مدنية وأحزاب معارضة لليورو لقاءً حضره الآلاف من المشاركين، أسفر عن الدعوة إلى احتجاج وطني مقرر في الحادي والثلاثين من مايو/أيار الجاري، أي قبل أيام فقط من صدور تقارير البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية، والتي تتوقّع الحكومة أن تأتي بنتائج إيجابية.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات البنک المرکزی الأوروبی الاتحاد الأوروبی إلى منطقة الیورو إلى أن إلا أن وهو ما

إقرأ أيضاً:

إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية جديدة على 60 شريكا تجاريا بينهم الاتحاد الأوروبي

أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 10% و12.5% على 60 شريكا تجاريا، من بينهم الاتحاد الأوروبي، وذلك على خلفية مزاعم "التساهل في تطبيق" حظر العمل القسري. جاء ذلك على لسان مسؤولين كبار في البيت الأبيض.

المندوب الفلسطيني للأمم المتحدة: إسرائيل تعطل تنفيذ خطة ترامب للسلامترامب : لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي .. وترسانتها الصاروخية تراجعت 91%ترامب الاحتياطي .. من هو الشبيه الغامض في صور الرئيس الأمريكي بعد نهائي المونديال؟ترامب يطالب بإقرار قانون الانتخابات "أنقذوا أمريكا" قبل عطلة الكونجرس الصيفية

 وتدخل هذه الرسوم حيز التنفيذ فور انتهاء صلاحية الرسوم التي فرضها ترامب على عدد من الدول العام الماضي. وأشارت وكالة رويترز للأنباء إلى أن هذه الخطوة تأتي في إطار سعي ترامب لتحقيق رؤيته الانتخابية المتمثلة في فرض رسوم جمركية شبه عالمية، وذلك بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأمريكية في فبراير الماضي الرسوم التي فرضها ترامب العام الماضي والتي تراوحت بين 10% و50%.
 

طباعة شارك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوم جمركية الاتحاد الأوروبي ترامب

مقالات مشابهة

  • الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات جديدة على قضاة إيرانيين مسؤولين عن انتهاكات خطيرة
  • ترامب يفرض رسومًا جمركية جديدة على 60 دولة.. الصين والاتحاد الأوروبي ضمن القائمة
  • روسيا تعلن قصف سفينة شحن في ميناء ميكولايف وإسقاط 571 مسيرة أوكرانية
  • الاتحاد الأوروبي يشكك في مبررات واشنطن لفرض رسوم جمركية جديدة
  • بنسبة 12.5%.. إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية جديدة على روسيا
  • 673 سفينة و94 بنكا تحت العقوبات.. الاتحاد الأوروبي يصعد ضغوطه على روسيا
  • الولايات المتحدة تفرض رسومًا جمركية جديدة بنسبة 12.5% على واردات روسيا
  • إدارة ترامب تفرض رسوما جمركية جديدة على 60 شريكا تجاريا بينهم الاتحاد الأوروبي
  • الحوثيون.. جبهة جديدة تؤرق الولايات المتحدة وتهدد بانقسام قوتها العسكرية
  • سمير فرج : المواجهة الأمريكية الإيرانية دخلت مرحلة جديدة