مقاربات تاريخية في تجارب فترات الانتقال السياسي في السودان
تاريخ النشر: 26th, May 2025 GMT
بروفيسور/ عادل علي وداعه (جامعة سنار)
2-1 جبهة الهيئات أكتوبر 1964
الفترات الانتقالية فترات مهمة تنفذ من خلالها مهاما محددة منصوص عليها في وثيقة دستورية أو دستور انتقالي مؤقت، وعبرها يتم وضع الأسس واللبنات الأساسية لبناء وطن مستقر ينعم بالامن والسلام، ولاهمية الفترات الانتقالية يجب أن تشارك وتساهم في انجاز مهامها كل القوى السياسية المؤمنة بالتحول الديمقراطي.
وفي عصرنا الحديث صار الانتقال السياسي علما يدرس في أقسام العلوم السياسية في الجامعات Transitology هدفه تتبع واستقصاء ظاهرة انتقال الدول من نظام سياسي إلى اخر، وازداد الاهتمام بعلم الانتقال في الفترة التي اعقبت نهاية الحرب الباردة وانهيار دول المعسكر الاشتراكي.
وللانتقال السياسي مسميات متعددة ومتداخلة مثل التحديث والتغيير والتحول الديمقراطي، واختلفت رؤى القوى السياسية والمدنية حول مفهوم ومضمون الفترات الانتقالية،فهناك قوى سياسية حصرت مهمة الانتقال في
عمليات اجرائية فنية سريعة وصولا إلى الانتخابات وهو ما يعرف بالانتقال الجزئي، وهناك قوى سياسية اخرى تنشد الانتقال الشامل الرامي إلي قيام نظام سياسي يختلف في جوهره عن النظام القائم بمؤسساته وقوانينه وتوجهاته وثوابته وهو ما يعرف بالانتقال الجذري والذي يستند على الشرعية الثورية.
ومنذ أن نال السودان استقلاله في مطلع عام 1956 مرت عليه أربع فترات انتقالية جاء تكوينها وفقا لترتيبات سياسية معينة. ففي ثورة أكتوبر 1964 تفتقت عبقرية الحركة الجماهيرية السودانية في ابتداعها لصيغة جبهة الهيئات كاداة منظمة وقائدة لثورتها،فقد كانت هذه الجبهة احياءا لصيغة التحالف الوطني العريض المجربة تاريخيا في معركة التحرر الوطني ضد الاحتلال البريطاني، وبدأ تكوين جبهة الهيئات بتحركات أساتذة جامعة الخرطوم مساء يوم الأربعاء 21 أكتوبر 1964 بعد إعلان نبأ استشهاد الطالب أحمد القرشي طه، واعقب ذلك تحركات نقابة المحامين في اليوم التالي. وما كان لثورة أكتوبر أن تأخذ مسارها الصحيح لو لا تصدي جبهات مهنية منظمة لقيادتها،حيث كآنت نقابات العمال واتحادات المهنيين والمزارعين على درجة عالية من الوعي السياسي حققت عبره تلاحما قويا أفضى إلى
تكوين جبهة الهيئات كحاضنة سياسية لثورة أكتوبر 1964.
وتابعت نقابة المحامين ما اسفر عنه اجتماع أساتذة الجامعة وتولى ذلك الأمر عابدين اسماعيل رئيس النقابة وفاروق ابوعيسى سكرتيرها،ويعد ذهابهما إلى جامعة الخرطوم الخطوة الأولى لتجميع القوى النقابية والمهنية وتوحيدها في جبهة واحدة لقيادة الحركة الجماهيرية،وتلا ذلك اجتماع قضاة المحكمة العليا الذي أعلنوا فيه الإضراب،ومن ثم استمر نشاط جبهة الهيئات في متابعة سير الإضراب السياسي العام والعصيان المدني .ففي يوم 25 أكتوبر 1964 عقدت الجبهة اجتماعها الثاني بمشاركة هيئات نقابية جديدة بلغ عددها عشرة وشملت المحامين والأطباء والبيطريين والزراعيين والقضاة واتحاد طلاب جامعة الخرطوم واتحاد مزارعي الجزيرة وطلاب المعهد الفني(جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ) ،وكان حضور أجسام نقابية جديدة مؤشرا على اتساع قاعدة المشاركة في نشاط جبهة الهيئات،وانبثق من ذلك الاجتماع توقيع الميثاق الوطني(ميثاق أكتوبر ) وتم التوافق عليه نهائيا في 27 أكتوبر 1964 ،وحددت فيه مهام الفترة الانتقالية ومدتها ستة أشهر. وتحت ضغط الإضراب
السياسي والعصيان المدني انهارت حكومة الفريق ابراهيم عبود،وبدأت المشاورات لاختيار رئيس وزراء للحكومة الانتقالية انتهت باختيار سرالختم الخليفة،وتكوين مجلس للسيادة من خمسة أعضاء هم مبارك الفاضل شداد،وابراهيم يوسف سليمان،وعبدالحليم محمد، ولويجي ادوك،والتجاني الماحي ورئاسة المجلس دورية.وعلى الرغم من أن الثقل الأوضح داخل جبهة الهيئات كان لفئات المهنيين والنقابيين غير أن القيادة كانت بأيدي مجموعات سياسية عجزت عن تلبية احتياجات الشارع الثائر،وعليه لم يتحول الثقل الكمي للعمال والمزارعين داخل الجبهة إلى ثقل نوعي ليعطي هذا التحالف العريض طابع الاستمرارية وبالتالي يتحول إلى تحالف استراتيجي،وأخطر من ذلك أن الفصيل العسكري(تنظيم الضباط الأحرار ) والذي لعب دوره في أحداث الثورة لكن دون اندماج عضوي في الجبهة مما ضخم لدى بعض عناصره الشعور بأهمية دورهم الذاتي ورسخ فكرة الاعتماد على هذا الفصيل وحده كوسيلة للتغيير في اذهان بعض المثقفين.
تشكلت حكومة أكتوبر الانتقالية الأولى من ممثل لكل من أحزاب الأمة والوطني الاتحادي والشعب
الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي السوداني،كما ضمت سبعة وزراء يمثلون النقابات والاتحادات المهنية،ووزيرين من الجنوب ومن بين السبعة وزراء المهنيين السكرتير العام لاتحاد نقابات عمال السودان ورئيس اتحاد مزارعي الجزيرة،ودل هذا التكوين على اعتراف القوى التقليدية بدور القوىالحديثة في معركة التغيير،غير أن ذلك لم يستمر طويلا إذ بدأت معارضة الأحزاب التقليدية تتشكل وتتبنى موقفا مناهضا للحكومة بحجة أن اليسار ومن خلال جبهة الهيئات نال تمثيلا كبيرا فارتفعت الأصوات المطالبة بتعديل الوزارة الانتقالية مما دفع رئيس الوزراء لأن يتقدم باستقالته في 18 ديسمبر 1964 .
كلف مجلس السيادة سرالختم الخليفة بتاليف وزارة جديدة تستبعد منها القوى النقابية ،واعلن عن هذه الوزارة رسميا في يوم 23فبراير 1965 وتكونت حكومة أكتوبر الانتقالية الثانية من ثلاثة ممثلين لاحزاب الأمة والوطني الاتحادي وثلاثة للجنوبيين وممثل لجبهة الميثاق الإسلامي وتركت ثلاثة مقاعد شاغرة لحزب الشعب الديمقراطي ومقعد للحزب الشيوعي السوداني اللذين رفضا المشاركة اعتراضا على حل الحكومة الأولى.
شهدت الفترة الانتقالية رغم قصرها تنافسا سياسيا واجتماعيا حادا والتنافس في حد ذاته سمة طبيعية من سمات فترات الانتقال وكان بالامكان ضبط ذلك التنافس لصالح نجاح الفترة الانتقالية،ولكن عجزت حكومتا أكتوبر في تطوير الإجماع السياسي لبناء نظام سياسي مستقر رغم ان ميثاق أكتوبر حمل نصوصا ثورية،فالثورة أثبتت إمكانية إسقاط السلطة العسكرية عن طريق المواجهة الشعبية السلمية وطرحت في الوقت نفسه القضايا الجوهرية للمرحلة وفي مقدمتها الديمقراطية بابعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
adilali62@gmail.com
المصدر
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: أکتوبر 1964
إقرأ أيضاً:
العراق: الأوهام والسياق السياسي!
في أيلول/ سبتمبر 2004 زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي واشنطن، وألقى كلمة أمام الكونغرس الأمريكي، شكرهم فيها «بالنيابة عن الشعب العراقي» على احتلالهم العراق، ثم ختم كلمته بالقول: «لا توجد تعابير تصف امتنان الأجيال المقبلة من العراقيين تجاه الأمريكيين»! وفي تموز 2006، زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي واشنطن أيضا، وألقى كلمته أمام جلسة مشتركة بين مجلسي الشيوخ والنواب، عبر فيها عن شكره وامتنانه لجهود الإدارة الأمريكية في العراق، قال فيها «إن مصير بلادنا وبلادكم مترابط»!
وبعيدا عن خطابات الشكر والامتنان، كانت الأخبار تتوالى عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم تُوقع بين العراق وشركات أمريكية، بينها اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين في 2008 التي نصت على علاقة «صداقة وتعاون طويلة الأمد» بين البلدين، وكانت الفقرة المتعلقة بـ «التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة» هي الفقرة الأطول في الاتفاقية، وتحدثت عن «تسهيل انسياب الاستثمار المباشر إلى العراق»!
وفي نيسان 2015 زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي واشنطن والتقى مجموعة من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى في مختلف القطاعات المالية والمصرفية والتجارية والنفطية والتقنية، كما قال بيان صادر عن مكتبه يومها، وأبدى لهم رغبة العراق «بدخول الشركات العالمية للاستثمار في البلد»! وكان من بين رؤساء الشركات الذين التقاهم العبادي حينها، رئيسا شركتي أوكسدنتال بتروليوم واكسون موبيل الذين عبروا للعبادي عن «رغبتهم في الاستمرار في العمل في العراق». لكن الشركة الأولى انسحبت من العراق في العام نفسه وتخلت عن حصتها في حقل الزبير النفطي، فيما أتمت الشركة الثانية انسحابها الكامل من حقل غرب القرنة عام 2024!
في نيسان 2024، زار رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني واشنطن، والتقى عددا من رؤساء وممثلي الشركات الأمريكية الكبرى في غرفة التجارة الأمريكية، ووقع خلالها 18 مذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى لتنفيذ مشاريع في قطاعات الكهرباء والنفط والدواء والاقتصاد، وفقا لبيان المكتب الإعلامي للسوداني.
كما حضر السوداني في شباط 2026 ، وبحضور المبعوث الأمريكي توم براك، مراسيم توقيع اتفاق مبادئ أولية مع شركة شيفرون الأمريكية بشأن حقلي غرب القرنة/ 2 وحقل الناصرية وحقل بلد في صلاح الدين!
بعد هذا يطرحُ السؤال؛ لماذا لم تتحول هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى واقع على الأرض؟
فمنذ 2004 والعراق يوقع دوريا على اتفاقات وعقود مثلا مع شركة جنرال أليكتريك الأمريكية بشكل رئيسي، ومع شركة سيمنز الألمانية أحيانا أخرى، لكن قطاع الكهرباء في العراق يعاني من مشكلات عميقة على مستوى الإنتاج والتجهيز!
أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية
ورغم توقيع اتفاقيات مع شركات نفطية كبرى، كانت هذه الشركات تنسحب الواحدة تلو الأخرى من العراق (انسحبت شركات واكسون موبيل وأوكسدنتال بتروليوم الأمريكية كما انسحبت شركات شيل وبريتش بتروليوم ولوك اويل، وأخيرا أعلنت شركتا، بعد توقيع اتفاقيات الزيدي مباشرة، HKN Energy و Gulf Keystone العاملتان في إقليم كردستان وقف جميع عملياتهما في العراق بسبب الوضع الأمني)!
لا يمكن التعاطي مع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدى في زيارته الأخيرة لواشنطن بجدية دون، تقديم إجابة على السؤال أعلاه. خاصة أن الغالبية العظمى من مذكرات التفاهم هذه مجرد إعلان نوايا، بحاجة إلى كثير من الدراسة والعمل قبل أن تتحول إلى واقع حقيقي.
وأذكر في هذا السياق، الحديث المتفائل عن مد خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية، أو عن إحياء خط كركوك بانياس القديم، وهو تفاؤل ساذج سذاجة ما طرحه توم براك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، حين تحدث عن «برنامج إقليمي» العراق طرف فيه، «يجعل مضيق هرمز أمرا ثانويا وغير ذي أهمية» خلال عامين، وكأن المسألة مجرد مسألة «فنية» بحت!
لا يمكن بهذه البساطة القفز على تاريخ طويل من الصراع بين العراق وسوريا، كان سببا في إيقاف العمل بخط كركوك بانياس عام 1982 في سياق الحرب العراقية الإيرانية! وهو ما أجبر العراق على بناء خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع عبر المملكة العربية السعودية في العام 1986، وهذا الخط تمت مصادرته، واستخدام الأنابيب المارة في الجانب السعودي ليربط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع! كما لا يمكن القفز على حقيقة الخلافات العراقية التركية حول خط الأنابيب الرابط بين كركوك وميناء جيهان، وهو ما منع تصدير النفط عبره في السنوات الأخيرة!
أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، وبالتالي من السذاجة التوهم بأن مجرد توقيع مذكرة تفاهم بهذا الشأن، يعني أن الخطة قابلة للتحقق! فلن تسمح إيران، ما دامت لم تخسر حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وما دامت محافظة على تغولها السياسي في العراق عبر الفاعلين السياسيين الشيعة الموالين لها، بأي تحرك بهذا الاتجاه، تماما كما وقفت ضد فكرة طريق التنمية وأجهضته! هذا فضلا عن موقف الفاعلين السياسيين الجماعي ضد التغيير في سوريا، فهم لا يزالون يعتقدون أن هذا التغيير يشكِل خطرا وجوديا يمكنه أن يقوِض احتكارهم للدولة العراقية، ولا يمكن أن يتغير موقفهم هذا باتجاه مزيد من الترابط مع سوريا!
لا يمكن التعويل على أية اتفاقيات أو مذكرات تفاهم توقع في واشنطن أو في بغداد، مادام العراق لم يحسم خياراته كدولة، ومادام الفاعل السياسي الشيعي مصرّ على عدم فك الارتباط مع إيران، بسبب شعوره أنها تشكل الضامن الوحيد لاحتكاره الدولة والسلطة في العراق، ومادامت الولايات المتحدة نفسها لا تزال إلى اليوم، تمارس لعبتها المزدوجة (بين خطاب رافض لأي دور إيراني في العراق وبين ممارسة براغماتية تتعامل معها كشريك في العراق)
فإيران غير مستعدة للتخلي عن غنيمتها / العراق، والأمريكان غير جادين في حسم موقفهم من العراق، والطبقة السياسية العراقية لا تملك الإرادة لتجاوز دور التابع، ما دامت ضمنت استمرارها في السلطة، وبالتالي استمرار استثماراتها في المال العام، لأجل ذلك كلّه ليس ثمة مؤشر على أن العراق سيخرج من حلقة الفشل هذه قريبا!
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.