تواصل حكومة رئيس النظام المصري عبدالفتاح السياسي، سياساتها في تعويض العجز المالي في موازنتها العامة وسداد خدمة دين خارجي يبلغ نحو 155 مليار دولار، بطرح أصولها الحيوية والاستراتيجية وذات القيمة الاقتصادية العالية أمام مستثمرين استراتيجيين، في قرارات صادمة لملايين المصريين.

الثلاثاء الماضي، نشرت "الجريدة الرسمية" القرار الرئاسي (رقم 299 لسنة 2025) الصادر 4 حزيران/ يونيو الجاري، بتخصيص قطعة أرض بمساحة 174 مليون متر (41.

515 ألف فدان) من المساحات المملوكة للدولة بمحافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية، لاستخدامها في خفض الدين العام للدولة وإصدار الصكوك السيادية.

وبحسب وكالة "أنباء الشرق الأوسط"، تحتفظ القوات المسلحة بملكيتها  للأراضي الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية داخل حدود المساحة المبينة في المنطقة التي تضم أجمل مناطق الشعاب المرجانية في العالم وتعد منطقة جذب سياحي، وتتمتع بإمكانات صناعية واستثمارية كبيرة بإنتاج البترول والغاز الهيدروجين الأخضر.


ما علاقة قرار رأس شقير بإصدار الصكوك؟
وبينما ضم الإعلان الحكومي عن تخصيص تلك المساحة من الأراضي الاستراتيجية لحل أزمة الدين العام المتضخم وإصدار الصكوك السيادية، أعلن موقع "الشرق مع بلومبيرغ"، الأربعاء، عن عزم مصر إصدار صكوكا بقيمة مليار دولار في طرح خاص لدولة الكويت عبر "بيت التمويل الكويتي"، لأجل 3 سنوات بعائد نصف سنوي.

صحيفة "البورصة" الاقتصادية المحلية، أكدت أن الحكومة المصرية تدرس استخدام "رأس شقير" كضمانة لإصدار صكوك سيادية محلية بقيمة مليار دولار خلال الأسبوعين المقبلين، ضمن خطة أوسع تنفذها قبل نهاية العام المالي الجاري.

من جانبها، أكدت نشرة "إنتربرايز" الاقتصادية المحلية، أن هذه الصفقة وغيرها من مشروعات رأس شقير المستقبلية ستستخدم لإصدارات الصكوك السيادية المحلية، مبينة أن وزارة المالية ستدعو صناديق الثروة السيادية الإقليمية للاكتتاب بها.

وأشارت النشرة، إلى احتمالات دخول صندوق الاستثمارات العامة السعودي ضمن مبادلة ودائع بقيمة 10 مليارات دولار في البنك المركزي المصري، ملمحة إلى ترجيح مصادر أخرى دخول قطر، التي أعلنت في نيسان/ أبريل الماضي عن استثمارات بـ7.5 مليار دولار في مصر.

وتتعامل مصر مع صندوق النقد الدولي، وصندوق التنمية الإفريقية، والبنك الدولي، وبنك التنمية الأوروبي، والبنك الإسلامي للتنمية، وهيئة التنمية الدولية، وبنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة التعمير، والصندوق السعودي للتنمية، وصندوق أبوظبي للتنمية، وصندوق خليفة لتطوير المشروعات، والصندوق الكويتي للتنمية.

ويتزامن قرار تخصيص "رأس شقير" لوزارة المالية، مع إعلان البنك المركزي المصري ارتفاع أعباء خدمة الدين الخارجي إلى 21.3 مليار دولار، فيما تصل الفجوة التمويلية بموازنة العام المالي (2025/2026) حوالي 70 مليار دولار.

وقال البرلماني السابق طلعت خليل: "أصبت بالهلع والصدمة والدهشة والحزن من القرار"، مطالبا الحكومة بعدم مبادلة الديون بمئات الكيلومترات من أراضينا، مؤكدا أنها "ملك للأجيال القادمة".


"أهمية رأس شقير"
المنطقة وفقا للخريطة المرفقة بالقرار تقع في "رأس شقير" أو (جبل الزيت) ذو الأهمية الاستراتيجية على الساحل الغربي لخليج السويس، جنوب مدينة السويس بنحو 100 كم، وبمواجهة مدينة الطور عاصمة جنوب سيناء على الجانب الشرقي من خليج السويس.

وهي إحدى أهم مناطق استخراج البترول والغاز في مصر، وتضم منشآت ومرافق بنية تحتية حكومية بينها ميناء ومطار تخدم شركات البترول المصرية والأجنبية.

وبها حقل سقارة البحري إحدى أكبر الاكتشافات بمجال الزيت الخام في العقدين الأخيرين بخليج السويس، فيما طرحت وزارة البترول مزايدة عالمية آذار/ مارس 2023، لتنمية 8 حقول بالمنطقة هي: "رأس بدران"، و"خليج الزيت"، و"شقير البحرية"، و"جازورينا"، و"رأس العش"، و"إيست زيت"، و"أشرفي"، و"وادي السهل".

لميناء رأس شقير، دور كبير في النقل البحري لموقعه على خليج السويس وقرب المدخل الجنوبي لقناة السويس، ما يجعله نقطة استراتيجية هامة لشحن البترول الخام وتصديره، ناهيك عن أن رأس شقير منطقة واعدة لجذب للاستثمارات الأجنبية، خاصة في مجال الطاقة المتجددة.

والعام الجاري، أقرت مصر خطة لإنشاء منطقة صناعية خضراء للبتروكيماويات والهيدروجين الأخضر وأمونيا خضراء في رأس شقير، بجانب مشروع مزرعة رياح بقدرة 550 ميجاوات لصالح شركة الطاقة السعودية "أكوا باور"، أُعلن عنه كانون الثاني/ يناير الماضي.

وفي نيسان/ أبريل الماضي وقعت مصر وفرنسا اتفاقية لتطوير وتمويل وبناء وتشغيل محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، في رأس شقير بتكلفة استثمارية 7 مليارات يورو لإنتاج مليون طن سنويا.

وللإمارات حضور قوي في رأس شقير، حيث اشترت شركة "دراجون أويل" الإماراتية التابعة لـ"إينوك" الإماراتية في أيار/ مايو 2019 حصة "بي بي" البريطانية، بشركة "جابكو" التابعة للهيئة العامة للبترول التي تعمل في رأس شقير منذ عام 1965، بشراكة جهات سيادية مصرية.

تلك الأهمية، دفعت مراقبون مصريون لإعلان مخاوفهم من خطورة الأمر على الأمن القومي المصري، خاصة على قناة السويس وخليج السويس وشبه جزيرة سيناء، بعد السيطرة الإماراتية على عدد من الموانئ شمال وجنوب قناة السويس، والسيطرة السعودية على مدخل خليج العقبة والتحكم في مضيق تيران، ومنح حق المرور للسفن الإسرائيلية، وفقا للقانون الدولي للبحار.

وفي آيار/ مايو الماضي منحت مصر مجموعة "موانئ أبوظبي" الإماراتية، امتيازا لتطوير وتشغيل منطقة صناعية ولوجستية بمساحة 20 كيلومترا مربعا، بالمدخل الشمالي لقناة السويس قرب مدينة بورسعيد مدة 50 عاما قابلة للتجديد، وذلك إلى جانب ما لموانئ أبوظبي المملوكة لصندوق أبوظبي السيادي من استحواذات وعقود بموانئ الغردقة وسفاجا والعين السخنة جنوب قناة السويس، وموانئ بورسعيد والعريش ودمياط بمدخلها الشمالي، ما يشير إلى احتمال دخول الإمارات بقوة في "رأس شقير".

وعبر صفحته بموقع "إكس"، قال الخبير في الشؤون العسكرية محمود جمال، إن "بيع أصول الدولة في مصر يُعد خطرا على الأمن القومي المصري بالضرورة، عند التعامل مع قطاعات مثل الموانئ، الطاقة، الاتصالات، أراضي أو مواقع سيادية وإستراتيجية يصبح الأمر مسألة تتعلق بالأمن القومي وليس فقط خيارا اقتصاديا".


"أجواء صدور القرار"
القرار الرئاسي، سبقه قبل أيام أحاديث أطلقها نشطاء، تقول إن رجل الأعمال السيناوي المثير للجدل ورئيس اتحاد القبائل العربية إبراهيم العرجاني، يقوم بشراء مساحات واسعة من الأراضي بجنوب سيناء.

وقد اشتهر العرجاني بشراء أراضي في جنوب سيناء، وقام بإنشاء مدينة "السيسي الجديدة" قرب حدود مصر مع فلسطين المحتلة، فيما طالت طريقة استيلاء العرجاني على الأراضي من أهالي سيناء انتقادات واسعة، كما تشير التقارير الصحفية إلى علاقة العرجاني وبعض الشركات الإسرائيلية والإماراتية.

يأتي القرار الرئاسي أيضا، بالتزامن مع ما أعادت ترويجه بعض المواقع الصحفية عن اتفاق مصري سعودي بإطلاق المرحلة التحضيرية لمشروع "جسر موسى"، البري والبحري الذي يربط مدينة شرم الشيخ جنوب سيناء، ورأس حميد في تبوك شمال غرب السعودية، عبر مضيق تيران بالبحر الأحمر.

ويأتي القرار الرئاسي عقب اتفاق "رأس الحكمة" بين مصر والإمارات بقيمة 35 مليار دولار في آذار/ مارس 2024، والحديث عن بيع "رأس جميلة" (نحو 860 ألف متر) في مدينة شرم الشيخ، المنتجع السياحي الأشهر بجنوب سيناء في أيار/ مايو 2024.

"أزمة متكررة.. وماذا بعد؟"
وفي رؤيته لحجم خطورة الأمر على الأمن القومي المصري ومنه قناة السويس وسيناء، قال السياسي المصري عمرو عادل: "أصبح الحديث في هذه الملفات أشبه بالروتين الشهري، فلا نكاد نتوف عن الحديث عن رأس الحكمة وغيرها من المنشآت الحيوية كالموانئ والمنشآت الصحية حتى تحدث كارثة جديدة في التخلي عن مصر؛ فهي ليست فقط أراض تباع وتشترى ولكنها مصدات حماية مصر وشعبها".

رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري، وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "لقد تكرر الحديث نفسه عندما تحدثنا عن رأس الحكمة؛ وسيتكرر الآن وسيتكرر لاحقا في رأس بناس، وغيرها، مما سيأتي لاحقا".

ويرى أن "غياب أي فكر حقيقي للتنمية الذي يعتمد على بناء الإنسان أولا، ثم الاستثمار الحقيقي الزراعي والصناعي هو الحل لإيقاف هذه المهزلة؛ فلا حل أمام أي نظام سياسي يعتمد على القروض ويفشل في استثمارها إلا بيع البلاد للحفاظ علي بقائه، ولن تتوقف الاستدانة أو البيع وستستمر هذه الدائرة المغلقة بلا توقف حتى لا نجد مصر التي نعرفها".

ويعتقد ضابط الجيش المصري السابق، أن الأسئلة الأهم الآن هي: "هل يستطيع النظام الحالي بعد الكارثة التي أوقع كل البلاد بها أن يخرج من هذه الدائرة؟، وإذا كانت الإجابة بلا، فمن يمكن أن ينقذ البلاد من انهيارات ستكون متسارعة وبوتيرة أكثر عنفا؟".

وتابع تساؤلاته: "هل الشعب قادر الآن على فعل احتجاجي أم أن النظام استطاع تدمير كل القوى الاجتماعية القادرة على الفعل؟، وهل مؤسسات السلطة الكبرى في مصر ترى ما نرى من كوارث حالية وكوارث أكثر في الأفق وستحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟".

وأجاب بقوله: "سنرى الأيام القادمة"، مضيفا: "إلا أن الانتظار الآن ستكون تكلفته مضاعفة، ومع كل يوم يمر سيكون الثمن أكثر فداحة"، مؤكدا أن "مصر تباع والكل يتحدث ويفكر ولم يقرر أحد بعد أن يحاول ولو محاولة أن ينقذ ما يمكن إنقاذه".


"غضب مصري وانتقادات"
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، انتقد مصريون القرار ووصفوه بأنه ضمن خطة التفريط في أصول وممتلكات مصر، وأنه نتيجة طبيعية لسياسات السيسي، بالاعتماد على الاقتراض وتوريط البلاد في أزمة ديون تذكرهم بديون الخديوي إسماعيل والتي تبعها احتلال الإنجليز لمصر نحو 74 عاما.

ووصف البعض "رأس شقير"، بأنها "جوهرة جغرافية واستراتيجية، غنية بالنفط والغاز، تملك من الثروات ما يكفي لفك الأزمات وبناء المستقبل"، وأعربوا عن تعجبهم من عدم استثمارها بدلا من تخصيصها لسداد الدين العام، مؤكدين أن طرح "رأس شقير" إعلان رسمي عن فشل الحكومة.

الكاتب الصحفي مصطفى عبد السلام، قال: "وصلنا مرحلة بائسة ومتردية وقاتمة"، منتقدا "بيع أصول الدولة الاستراتيجية والإفراط في الاستدانة لسداد أعباء الديون سواء الخارجية أو الداخلية، وقبلها بيع أصول مهمة وحيوية ومساحات شاسعة من الأراضي مثل رأس الحكمة للإمارات".

وأضاف: "وبعدها بيع رؤوس أخرى منها رأس جميلة ورأس بناس وغيرها لدول الخليج، والتوسع ببيع ما تبقى من بنوك وشركات كبرى لتغطية عجز الموازنة العامة وسد الفجوة التمويلية وتمويل واردرات الوقود والقمح والأغذية، وربما سداد الرواتب في فترة لاحقة، ثم بيع الجامعات وما تبقى من مستشفيات ومعامل تحاليل".



‏وتحدث الخبير الاقتصادي محمود وهبه، عما اعتبره "تحايل رأس النظام على الدستور لبيع الأصول، الممنوعة بنص (المادة 51) من الدستور"، مبينا أنه "يستخدم التوريق ويقول لم أبع أصولا، بعت ورقا وأسهما وسندات"، موضحا أنه "حول ملكية الأصل إلى شركة تورق أو تصدر أسهما وسندات وتبيعها"، معلقا بالقول: "ولن تعرف من الذي اشترى؟، وكم اشترى؟، ومن يملك مصر؟".

وحذر وهبه، من "لعبة التوريق"، مبينا أنه "يمكن أن تستخدم لبيع أو إيجار قناة السويس، ويقول لم أبع القناة أو المجري الملاحي أنا بعت ورقا"، مؤكدا أن "مصر في وضع أسوأ من أيام الخديوي".


المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات سياسة دولية المصري الصكوك السيسي مصر السيسي صكوك بيع الاصول راس شقير المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة القرار الرئاسی ملیار دولار خلیج السویس قناة السویس جنوب سیناء رأس الحکمة دولار فی فی مصر

إقرأ أيضاً:

تهديد الحوثيين للملاحة السعودية.. هل يتجه البحر الأحمر إلى مواجهة عسكرية جديدة؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

يشهد البحر الأحمر تصعيدًا جديدًا بعد تهديد جماعة الحوثي باستهداف أي سفينة ترسو في الموانئ السعودية، في خطوة أثارت مخاوف من اتساع دائرة المواجهة إلى أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

يأتي هذا التطور في وقت تعتمد فيه التجارة الدولية وأسواق الطاقة على أمن الملاحة في مضيق باب المندب، بينما تتزايد التحذيرات من أن استمرار هذه التهديدات قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، وفي تقرير تحليلي نشرته صحيفة  Arab News، جرى تناول أبعاد التصعيد الحوثي وانعكاساته على السعودية وأمن الملاحة والتوازنات الإقليمية.

تهديد الملاحة السعودية يوسع دائرة المواجهة

بحسب التقرير، اضطرت أربع ناقلات نفط خام سعودية إلى تغيير مسارها والعودة، بعد إعلان الحوثيين أن أي سفينة تستخدم الموانئ السعودية قد تصبح هدفًا لهجمات الجماعة في أي منطقة تقع ضمن نطاق عملياتها العسكرية.

وجاء هذا التهديد بعد يوم واحد من إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية، وهو ما رفع مستوى التوتر في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي.

ويرى التقرير أن هذا التصعيد يمثل تحولًا في طبيعة العمليات الحوثية، إذ لم تعد تقتصر على السفن المرتبطة بإسرائيل، بل امتدت لتشمل حركة التجارة المرتبطة بالسعودية، ما يضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع مصالح إقليمية ودولية أوسع.

ونقل التقرير عن محمد الباشا، مؤسس مركز الباشا لتقارير المخاطر في الولايات المتحدة، قوله إن الحوثيين يواصلون استخدام التصعيد العسكري والتهديد بتوسيع الصراع كورقة تفاوضية، معتبرًا أن هذا النهج غيّر الصورة التي سعت الجماعة إلى ترسيخها عن نفسها، ودفعها نحو ممارسات يصفها كثيرون بأنها تقوم على الإكراه واستخدام القوة.

التصعيد يعزز الدعوات للرد العسكري

وأوضح التقرير أن التوتر الحالي بدأ بعد استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية، وفقًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وهو ما دفع الحوثيين إلى تحميل السعودية مسؤولية العملية وإعلان انتهاء مرحلة خفض التصعيد.

وردت الجماعة بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مطار أبها، في أكبر خرق للهدنة منذ عام 2022، قبل أن تعلن تهديدها للسفن المتجهة إلى الموانئ السعودية.

ورغم أن الحوثيين لم يعلنوا إغلاق باب المندب رسميًا، فإن تهديدهم لحركة السفن أثار مخاوف متزايدة بشأن سلامة أحد أهم طرق التجارة العالمية، خاصة أن نحو 7% من التجارة البحرية الدولية تمر عبر هذا الممر، فيما تعبر نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

ويرى محمد الباشا، وفق التقرير، أن هذه الخطوات عززت مواقف الداعين إلى التعامل مع الجماعة عبر الخيار العسكري، مشيرًا إلى أن إغلاق مكاتب منظمات دولية واحتجاز موظفين دبلوماسيين ودوليين أسهم أيضًا في تغيير النظرة إلى الحوثيين داخل المجتمع الدولي.

إدانات دولية وتحذيرات من تهديد الملاحة

يشير التقرير إلى أن التحالف الذي تقوده السعودية وصف التهديدات الحوثية بأنها انتهاك للقانون الدولي وأعمال قرصنة بحرية، مؤكدًا استعداده لحماية السفن المرتبطة بالمملكة واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان أمن الملاحة في باب المندب.

كما أكد المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أن الحوثيين يتحملون مسؤولية تدهور الأوضاع في اليمن، رافضًا الاتهامات التي وجهتها الجماعة إلى السعودية.

وامتدت الإدانات إلى الإمارات، التي دعت المجتمع الدولي إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن الخاصة باليمن وحرية الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة أن حرية العبور في الممرات الدولية حق تكفله اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

كما رفض مجلس التعاون الخليجي، والأمم المتحدة، وعدد من الدول العربية، من بينها الكويت وقطر، التهديدات الحوثية، معتبرين أنها تزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة.

يذكّر التقرير بأن المجتمع الدولي سبق أن أدان الهجمات الحوثية على السفن خلال حرب غزة، عندما وصفت الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الدول تلك الهجمات بأنها غير قانونية وتقوض استقرار الملاحة الدولية.

السعودية ترفع جاهزيتها لحماية البحر الأحمر

بحسب التقرير، تتعامل الرياض مع التطورات الأخيرة باعتبارها قضية أمن قومي، وليس مجرد امتداد للصراع اليمني، في ظل اعتماد صادراتها النفطية بصورة متزايدة على البحر الأحمر.

ويشير التقرير إلى أن السعودية استثمرت خلال السنوات الماضية في تطوير البنية التحتية وخطوط الأنابيب الممتدة إلى ساحل البحر الأحمر، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، كما تدرس توسيع خط أنابيب الشرق-الغرب لزيادة كميات النفط المنقولة إلى موانئ البحر الأحمر.

ويرى التقرير أن هذه الاستثمارات قد تمنح الرياض هامشًا أوسع لاتخاذ إجراءات دفاعية أكثر حسمًا إذا استمرت التهديدات، بما في ذلك استهداف منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية العسكرية المستخدمة في الهجمات البحرية.

ونقل التقرير عن نورمان رول، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، قوله إن تهديدات الحوثيين يجب التعامل معها بجدية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة تمتلك وجودًا بحريًا قويًا في المنطقة، بالتعاون مع السعودية والدول الأوروبية المشاركة في عملية أسبيدس، بما يتيح حماية الملاحة وتعزيز قدرات إزالة الألغام البحرية.

وأضاف أن الحوثيين عليهم إدراك أن أي تصعيد قد يواجه برد عسكري واسع، سواء من الولايات المتحدة أو السعودية أو حتى إسرائيل، مع استمرار الدعم الإيراني للجماعة.

تغير موازين القوة يرفع احتمالات المواجهة

ويرى التقرير أن القدرات العسكرية السعودية شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، سواء في مجالات الاستخبارات أو الدفاع الجوي أو الضربات الدقيقة أو العمليات السيبرانية.

ونقل عن نواف عبيد، الزميل الأول في كلية كينجز بلندن، قوله إن القوات المشتركة التي تقودها السعودية وصلت إلى مرحلة من "النضج العسكري"، وهو ما يعزز قدرتها على التعامل مع التهديدات بصورة أكثر فاعلية.

ويضيف التقرير أن استمرار الاستفزازات الحوثية قد يدفع الرياض إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية، لتشمل مراكز القيادة والسيطرة وشبكات الدعم اللوجستي التابعة للجماعة، بدلًا من الاكتفاء باستهداف منصات الإطلاق.

ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن المسار الدبلوماسي لا يزال قائمًا، وأن تجنب المواجهة المباشرة بين السعودية وإيران يبقى ممكنًا إذا نجحت الجهود السياسية في احتواء التصعيد.


ويرى المراقبون أن تهديد الحوثيين باستهداف السفن المرتبطة بالموانئ السعودية يمثل تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة، لأنه ينقل المواجهة من استهداف سفن بعينها إلى تهديد حركة التجارة الإقليمية والدولية. 
كما أن اتساع دائرة الإدانات الإقليمية والدولية يعكس تنامي القلق من تأثير أي اضطراب في باب المندب على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.


ويؤكد المراقبون أن مستقبل التصعيد سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على احتواء الأزمة سياسيًا، في ظل إدراك الجميع أن أي مواجهة واسعة في البحر الأحمر ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود اليمن والمنطقة.

مقالات مشابهة

  • تهديد الحوثيين للملاحة السعودية.. هل يتجه البحر الأحمر إلى مواجهة عسكرية جديدة؟
  • النفط يتجه نحو مكاسب أسبوعية وسط هجمات في البحر الأحمر وإغلاق مضيق باب المندب
  • ترامب يفرض رسوماً جديدة وسط "صدمة" أوروبية و"تهديد" كندي
  • أسعار النفط تقفز 100 دولار للبرميل بعد هجمات البحر الأحمر
  • ارتفاع كلفة التأمين على السفن في جنوب البحر الأحمر
  • الإمارات تدعو لتنفيذ قرارات مجلس الأمن بشأن اليمن والبحر الأحمر
  • أسعار النفط تتجاوز 100 دولار مع تصاعد هجمات الحوثيين
  • عُمان تصدر بيانا بشأن التطورات الأخيرة في منطقة البحر الأحمر
  • مصر.. خبراء يرسمون سيناريو الدولار مع تأثير التصعيد على قناة السويس
  • النفط يتجاوز 100 دولار بعد استهداف ناقلتين في البحر الأحمر