إنجازات وخسائر إسرائيل بعد وقف الحرب على إيران
تاريخ النشر: 24th, June 2025 GMT
القدس المحتلة- بعد 12 يوما من المواجهة العسكرية المكثفة بين إسرائيل وإيران، دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، معلنا نهاية مرحلة من الصراع الحاد، لكنه لم يحدد مسارًا واضحا لما بعده.
ما تحقق في هذه الحرب لا يمكن اختزاله في انتصار حاسم أو هزيمة كلية، بل مزيج من الإنجازات العسكرية الملحوظة، والإخفاقات السياسية والإستراتيجية التي تطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الصراع.
وعسكريا، نجحت إسرائيل بالتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، بتوجيه ضربات مؤثرة للبرنامج النووي الإيراني، وإلحاق أضرار جسيمة بترسانتها الصاروخية.
وأعادت هذه الضربات، وبحسب التحليلات الإسرائيلية، تأخير تطوير السلاح النووي وطوَّقت تهديدات الصواريخ الباليستية، مما خلق نوعا من ميزان ردع جديد في المنطقة.
تحدياتلكن الإنجاز العسكري لم يكن كاملا بإجماع محللين إسرائيليين، فلم يُدمر المشروع النووي، وستستمر إيران بتطوير برنامجها النووي، ولم يسقط النظام الإيراني كما كانت تطمح تل أبيب وأطراف دولية.
بل بدا النظام أكثر تماسكا، وما زال المرشد الإيراني علي خامنئي على رأس الهرم، ويحظى بدعم شعبي ملحوظ، ما يعكس إخفاقًا في تقويض أركان النظام أو تأليب الرأي العام الإيراني ضده خلال أيام القتال.
وفي الوقت ذاته، كشفت الحرب هشاشة الدفاع الإسرائيلي، كالقدرة المحدودة على صد الصواريخ الباليستية، والضعف في البنية التحتية للجبهة الداخلية، التي عانت نقص الملاجئ والحماية المدنية، إضافة للتحديات الأمنية التي فرضها إغلاق المجال الجوي، وتقطع سبل عشرات آلاف الإسرائيليين بالخارج.
وزاد تعقيد المشهد، أنّ وقف إطلاق النار لم يستند إلى اتفاق سياسي ملزم، ما يجعل استئناف إيران نشاطها النووي والصاروخي محتملا، سواء عبر تطوير ذاتي أو من خلال التعاون مع دول أخرى كروسيا والصين، وهو ما يعني أن إسرائيل تواجه تحديا مستمرا للحفاظ على تفوقها وقدرتها على الردع، وسط احتمالية تصعيد مستقبلي.
ومع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين إسرائيل وإيران، أفاد المراسل العسكري للإذاعة الإسرائيلية الرسمية، إيتاي بلومنتال أن "إسرائيل حققت إنجازات عسكرية إستراتيجية مهمة".
إعلانووفق التقييمات الأولية، يقول بلومنتال "تلقى البرنامج النووي الإيراني ضربة قاسية ستؤخر تقدمه لسنوات"، وذلك بعد غارات أميركية على منشآت نووية حيوية في فوردو، ونطنز، وأصفهان، كما نفذت إسرائيل أيضا عملية "نارنيا"، اغتيل خلالها 11 عالمًا نوويًا إيرانيًا، ما أفقد النظام خبرات نووية قيمة.
وعلى صعيد الصواريخ، أُطلقت حوالي 600 صاروخ إيراني على إسرائيل، بينما دمَّر سلاح الجو الإسرائيلي نحو 60% من منصات الإطلاق ومصانع تصنيع الصواريخ، ما قلَّص ترسانة إيران من ألفين إلى حوالي ألف صاروخ باليستي، وأرجأ خطط إنتاجها الصاروخية لسنوات.
ورغم وقف إطلاق النار، يؤكد رئيس قسم الشؤون العربية في هيئة البث الإسرائيلية "كان 11″، روعي كيس، أن الصراع مع إيران لم ينتهِ فعليا، وقد تلقى النظام الإيراني ضربات قوية في برنامجه النووي وترسانته العسكرية، ما كشف هشاشة بنيته الإستراتيجية.
ومع ذلك، يشير كيس إلى أن النظام الإيراني لا يستسلم بسهولة، والفكر المعادي لإسرائيل وأميركا لا يزال راسخا ويحظى بتأييد داخل إيران وحلفائها الإقليميين.
وطرح كيس تساؤلات حول المرحلة القادمة وكيفية ترجمة الإنجازات العسكرية لواقع سياسي ينهي هيمنة إيران، وعن تعزيز الجبهة الداخلية الإسرائيلية بعد الخسائر، واستثمار نقاط ضعف إيران لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وختم بأن التحدي يكمن في تحويل النجاحات العسكرية إلى إنجازات سياسية مستدامة، لتجنب تحولها إلى لحظة عابرة في صراع طويل.
ثغرة الردعوأسفرت الحرب عن سقوط 28 قتيلا إسرائيليا، وإصابة أكثر من 3200 شخص، بينهم 5 قتلوا بصاروخ إيراني على بئر السبع قبل لحظات من وقف الحرب، ما يشير إلى أن طهران لا تزال تحتفظ بقدرتها على الرد.
كما أدت الهجمات الصاروخية إلى إغلاق كامل للمجال الجوي الإسرائيلي، بما في ذلك مطار بن غوريون، مما عزل أكثر من 150 ألف إسرائيلي في الخارج، وأعاد تسليط الضوء على هشاشة الدفاع الجوي وجاهزية إسرائيل لمواجهة تصعيد واسع النطاق.
ورغم الإنجازات العسكرية، تكشف هذه التطورات، بحسب قراءة المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، عن ثغرة في معادلة الردع، إذ تؤكد إيران استمرار قدراتها الصاروخية الهجومية، مما يثير تساؤلات حول فعالية الردع الإسرائيلي والأميركي.
وكشفت الحرب عن ثغرات في نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي، حيث فشلت منظومات الاعتراض بصد نحو 50% من الصواريخ الباليستية الإيرانية التي اخترقت الحماية ووصلت لمناطق مأهولة ومواقع إستراتيجية، مسببة أضرارا جسيمة.
وهذا الإخفاق أثار تساؤلات حول جاهزية الأنظمة الحالية وقدرتها على التعامل مع تهديدات بهذا الحجم والدقة، ما يعيد النقاش حول ضرورة تسريع تطوير أنظمة دفاع مستقبلية، خاصة المعتمدة على الليزر، وتعزيز الحماية الميدانية للجبهة الداخلية.
كما أظهرت الأحداث ضعف تجهيز الملاجئ والغرف المحصنة، وبالتالي زاد شعور الإسرائيليين بعدم الأمان، وعزَّز الحاجة للحماية المدنية وتنويع وسائل الدفاع لضمان سلامة الأشخاص.
"جرد حساب"
وتحت عنوان "إنجاز تاريخي أم وهم مؤقت؟ إنهاء الحرب مع إيران والأسئلة الصعبة"، كتب المحلل السياسي إيتمار آيخنر، مقالا في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تناول فيه صورة شاملة للعملية العسكرية من زاوية الربح والخسارة في الميزان الإسرائيلي.
إعلانواستعرض آيخنر ما حققته إسرائيل من إنجازات بارزة على الصعيدين العسكري والسياسي، لكنه لم يغفل الإخفاقات والتحديات التي برزت خلال العملية، سواء في الجبهة الداخلية أو في غياب تسوية سياسية شاملة تضمن ديمومة هذه "النجاحات"، حسب وصفه.
ومع أنه قدَّم قراءة أولية لنتائج العملية، إلا أن آيخنر ترك الإسرائيليين أمام مجموعة من الأسئلة المفتوحة، التي تعكس حجم الغموض المحيط بالتقييم النهائي للحرب.
وفي ظل هذا المشهد المعقّد، تبقى عملية جرد الحساب غامضة، ويصعب الحسم في ما إذا كان ما تحقق يُعد انتصارًا فعليًا أم مجرد نجاح مؤقت، أقرب إلى الضبابية وربما إلى شكل من أشكال الإنكار غير المعلن.
ومما يعزز هذه القراءة الأسئلة الكبرى التي تطرح ولم تلق جوابا بعد من قبل صناع القرار في إسرائيل؛ هل شكلت الحملة العسكرية إنجازا "تاريخيا" سيغير خريطة التهديدات في الشرق الأوسط؟ أم أنها لحظة مؤقتة ستستأنف بعدها المواجهة مع طهران بشكل أعنف؟
والإجابات بحسب آيخنر، لن تأتي فورا، وستستغرق شهورا، وربما سنوات، لفهم مدى نجاح العملية بتحقيق أهدافها الجوهرية وهي تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية، واستعادة قوة الردع، وتأمين حرية عمل لسلاح الجو الإسرائيلي في عمق إيران.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات وقف إطلاق النار
إقرأ أيضاً:
كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
ترجمة: نهى مصطفى
وصلت الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، إلى منعطف جديد. فرغم الصعوبات التي تواجهها القوات الروسية ونجاح كييف في استنزاف قدراتها، فإن مستقبل الأمن الأوروبي لا يتوقف على نتيجة الحرب وحدها. فحتى في حال هزيمة موسكو، ستظل روسيا التهديد العسكري الرئيسي في أوروبا، وستسعى إلى إعادة بناء جيشها عاجلًا أم آجلًا.
يختلف المحللون حول سرعة استعادة روسيا لقدراتها العسكرية. فبينما يرى بعضهم أن خسائرها ستؤخر إعادة البناء لسنوات، يحذر آخرون من قدرتها على استئناف سياساتها العدوانية بعد فترة وجيزة من انتهاء الحرب.
تشير الاتجاهات الحالية إلى أن روسيا قد تستعيد قدرات عسكرية كافية لتهديد أوكرانيا أو بعض دول الناتو خلال خمس إلى سبع سنوات. ومن المتوقع أن تعيد بناء جيش أكبر، مزودًا بمزيد من الطائرات المسيرة وقدرات الضرب بعيدة المدى، مع استمرار الإنفاق العسكري المرتفع. غير أن هذه العملية ستواجه تحديات مألوفة، أبرزها نقص الموارد، والطموحات المفرطة، وضعف التنفيذ، وهي عوامل دائما ما تعوق تطوير القوات الروسية.
بينما تركز الولايات المتحدة والدول الأوروبية على دعم أوكرانيا، يتعين عليها أيضًا الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب. فحتى بعد انتهائها، سيظل الجيش الروسي قادرًا على تهديد دول الناتو، خاصة إذا تراجع الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا.
ومن المرجح أن تسعى موسكو إلى إعادة بناء قدرتها على تنفيذ مناورات هجومية واسعة النطاق، مع الحفاظ على اعتمادها على المدفعية والضربات الدقيقة، وإدماج أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة في قواتها. ورغم استمرار تفوق الناتو، فإن الحلف لم يتكيف بعد بالكامل مع هذه التحولات، ما قد يزيد خسائره في أي مواجهة مستقبلية.
يشهد الجيش الروسي مرحلة تحول تجمع بين إرثه التقليدي ومتطلبات الحرب الحديثة. ورغم أن أي صراع مستقبلي مع الناتو سيختلف عن الحرب في أوكرانيا، فإن ضعف الأداء الروسي الحالي لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من حجم التهديد. لذلك، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى وضع رؤية مشتركة أكثر جدية لكيفية مواجهة روسيا في السنوات المقبلة.
لا تقتصر إعادة بناء الجيوش على تعويض خسائر الأفراد والمعدات، بل تشمل استعادة الكفاءة القتالية والقدرة على تنفيذ العمليات العسكرية. كما أن تقييم قوة أي جيش يعتمد على طبيعة السيناريو المطروح، فالمتطلبات اللازمة لعملية محدودة تختلف عن تلك المطلوبة لخوض حرب واسعة النطاق.
وفي حالة روسيا، ينبغي أن يستند التقييم إلى قدرتها على استعادة إمكانات تنفيذ العمليات الكبرى، بما يشمل إعادة بناء التشكيلات الكبيرة، وتحسين القيادة والسيطرة، ودمج مختلف صنوف القوات، وهي جوانب كشفت الحرب في أوكرانيا عن أوجه قصور فيها. وفي المقابل، يتعين على الناتو الاستعداد أيضًا لسيناريوهات أقل اتساعًا، مثل هجمات برية محدودة مدعومة بصواريخ وطائرات مسيرة.
ومن غير المرجح أن يعود الجيش الروسي إلى هيكله السابق، وانما سيتجه إلى إعادة تنظيم قواته لتصبح أكبر وأكثر اعتمادًا على المدفعية، ووحدات البنادق الآلية، والدبابات، والطائرات المسيرة، مع زيادة أعداد المشاة. سيواصل الاعتماد على مزيج من الجنود المتعاقدين والمجندين والاحتياط، مع الاحتفاظ بجزء من قواته على الحدود مع أوكرانيا، وهو ما سيؤثر في حجم القوات المتاحة للانتشار في جبهات أخرى.
يعود جانب من الغموض بشأن مستقبل الجيش الروسي إلى أن إعادة بنائه لا تزال تدار إلى حد كبير من قبل قادة ينتمون إلى الجيل السابق، يتقدمهم رئيس الأركان فاليري جيراسيموف، الذي خلص إلى أن إخفاقات الحرب تعود إلى ابتعاد الجيش عن النموذج السوفييتي، فسعى إلى توسيع القوات وإحياء بعض الهياكل القديمة. لكن مع صعود ضباط اكتسبوا خبرتهم من الحرب الأوكرانية، فقد تتغير رؤية الجيش وهيكله في السنوات المقبلة.
رغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، لا تشير المؤشرات إلى جيش منهار. توسعت القوات الروسية خلال الحرب، وارتفع عدد أفرادها، وأضيفت إلى تشكيلاتها وحدات للطائرات المسيرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، كما أُنشئ فرع جديد مخصص للأنظمة غير المأهولة. ومن المرجح أن يتراجع حجم بعض هذه التشكيلات بعد الحرب، لكن الجيش لن يعود إلى حجمه السابق.
في المقابل، تكبدت روسيا خسائر في المعدات، شملت آلاف المركبات المدرعة وقطع المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، وهي خسائر يصعب تعويض بعضها، ولا سيما الأنظمة المتطورة. وسيؤدي ذلك، على المدى القريب، إلى إضعاف قدرة الجيش الروسي على مواجهة التفوق الجوي للناتو وقدراته على تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
رغم خسائرها الكبيرة، سحب الجيش الروسي خلال السنوات الأربع الماضية آلاف المركبات وقطع المدفعية من مخزوناته، وجدد أو أنتج آلاف المركبات الجديدة، فيما زودته كوريا الشمالية بأكثر من 300 قطعة مدفعية. ونتيجة لذلك، يرجح أن يمتلك اليوم العدد نفسه، أو أكثر قليلًا، من المركبات القتالية المدرعة مقارنة بما كان لديه عند بدء الحرب، مع استمرار إنتاج أكثر من200 دبابة T-90M سنويًا، ما يعني أن هذا الطراز قد يشكل نصف أسطول الدبابات الروسي خلال سبع إلى ثماني سنوات. كما تواصل روسيا إنتاج أنظمة الدفاع الجوي بأعداد كبيرة، مع تطويرها استنادًا إلى دروس الحرب.
في الوقت نفسه، تنتج روسيا ملايين الطائرات المسيرة التكتيكية سنويًا، إلى جانب أعداد أكبر من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية. كما ارتفع إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه، إذ صنعت أكثر من 70 ألف طائرة عام 2025، وتعاقدت على إنتاج 100 ألف أخرى على الأقل في عام 2026، بينما يطلق الجيش نحو6500 طائرة شهريًا في أوكرانيا. كذلك حسنت روسيا قدراتها على تنفيذ الضربات مع تقليص الزمن بين رصد الأهداف واستهدافها.
لا يكفي قياس قوة الجيش الروسي بعدد أفراده ومعداته، بل يجب أيضًا تقييم كفاءته القتالية وكيفية استخدامه لقواته. فالجيش الروسي، رغم تفاوت مستوى وحداته، حسن أداءه خلال الحرب في مجالات تحديد الأهداف، والضربات الدقيقة، ودمج الطائرات المسيرة، وربط أنظمة الاستطلاع بالمدفعية والأسلحة الموجهة، مستفيدًا من الخبرة القتالية وإعادة تنظيم قواته.
ورغم الصعوبات التي واجهها، أثبت الجيش الروسي قدرة على التكيف، إذ تستغرق دورة استيعاب التكتيكات والتقنيات الجديدة نحو ثلاثة إلى أربعة أشهر. كما شرعت موسكو منذ أوائل عام 2023 في بناء منظومة متكاملة للتعلم العسكري، تربط بين القوات المسلحة، وقاعدة الصناعات الدفاعية، والجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات التكنولوجية، بهدف ترسيخ الدروس المستفادة ودعم احتياجات الحرب.
رغم التطور الذي شهدته بعض القدرات الروسية، ظل الجيش يعاني ضعفًا مزمنًا في الاستثمار في العنصر البشري، إذ اتجه إلى تفضيل التكنولوجيا على التدريب والجاهزية. وكثيرًا ما كانت التدريبات واختبارات الجاهزية شكلية، فيما بالغت القيادة في تقدير أثر الخبرات القتالية، ومنها تجربة التدخل في سوريا.
كما استخلص الجيش في بعض الأحيان دروسًا خاطئة من الحرب. فبدلًا من معالجة أوجه القصور في القيادة المشتركة، ألغى بعض هياكلها، ما أضعف التكامل بين أفرع القوات المسلحة وزاد اعتماده على ترتيبات قيادة مؤقتة في زمن الحرب.
فقد الجيش الروسي جزءًا من قدرته على تنفيذ المناورات المشتركة واسعة النطاق بعد مقتل أعداد من ذوي الخبرة. واعتمد بدلًا منهم على متعاقدين يتلقون تدريبًا محدودًا، بينما اتجه منذ عام 2024 إلى القتال بوحدات صغيرة للغاية، وأحيانًا بجندي أو جنديين فقط، في عمليات بطيئة ومكلفة. ورغم نجاحه في دمج الطائرات المسيرة مع تكتيكات المشاة الصغيرة، فإن ذلك لا يعوض خسارة القادة ذوي الخبرة في إدارة العمليات الهجومية الكبرى، وهو ما سيحد من قدرته على استثمار توسعه في الطائرات المسيرة والقدرات الهجومية خلال السنوات المقبلة.
تواجه إعادة بناء الجيش الروسي تحديات كبيرة، أبرزها نقص الكوادر البشرية. فرغم رفع الحد الأقصى لسن الخدمة إلى 30 عامًا وزيادة العدد المستهدف للقوات إلى نحو 1.5 مليون عسكري، فإن التراجع الديموغرافي، والخسائر البشرية في الحرب، ونقص العمالة الماهرة يجعل بلوغ هذا الهدف أمرًا غير مرجح. كما يحتدم التنافس بين الجيش وقطاع الصناعات الدفاعية على استقطاب العمال في ظل معدل بطالة لا يتجاوز 2.2%.
زادت روسيا إنفاقها العسكري إلى نحو 40 % من الموازنة، أي ما يعادل 8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ضعف مستوى ما قبل الحرب، لكنه لا يزال أقل من الإنفاق السوفييتي في ذروة الحرب الباردة. دخل الاقتصاد الروسي مرحلة ركود منذ عام 2025، مع اتساع العجز المالي وتزايد الاقتراض، ما يجعل الحفاظ على مستويات الإنفاق العسكري الحالية أكثر صعوبة.
ينبغي لحلف الناتو أن يأخذ في الحسبان الاستثمارات الكبيرة التي ضختها روسيا في إعادة بناء قدراتها العسكرية. أنفقت موسكو مبالغ ضخمة على توسيع الإنتاج الدفاعي واستقطاب مئات الآلاف من العمال إلى قطاع الصناعات العسكرية، ومن المتوقع أن يبلغ إنفاقها الدفاعي نحو 180 مليار دولار في عام 2026، أي ما يعادل 400 إلى 500 مليار دولار وفقًا لتعادل القوة الشرائية. مكنها ذلك من مواصلة الحرب، وتوسيع إنتاجها العسكري، وتجنيد أكثر من 400 ألف جندي سنويًا منذ عام 2023.
ومع ذلك، ظلت المشكلة التقليدية للجيش الروسي تتمثل في صعوبة تحويل الطموحات العسكرية إلى قدرات فعلية. فغالبًا ما تصطدم خطط تطوير القوات بنقص الموارد، وضعف التدريب، والقيود التنظيمية، رغم استمرار تركيز العقيدة العسكرية على الجاهزية العالية، والضربات الدقيقة، والاستعداد لخوض حرب واسعة النطاق ضد الناتو. كما دفعت الحرب في أوكرانيا الجيش إلى التركيز بصورة أكبر على الحرب الموضعية بدلًا من المناورة.
لكن أوجه القصور والأداء الضعيف في أوكرانيا لا يبرران التقليل من شأن الجيش الروسي، وهو ما يدركه القادة الأوكرانيون جيدًا. كما أن تقييم قدرة أي جيش استنادًا إلى آخر حرب خاضها قد يقود إلى استنتاجات مضللة. فقد أخطأ المحللون بعد حرب جورجيا عام 2008 في تقدير وتيرة تطور الجيش الروسي، ثم بالغوا في تقدير قدراته بعد تدخله في سوريا، قبل أن تكشف حرب أوكرانيا عن نقاط ضعف. فكل حرب تفرض ظروفها الخاصة، ولا يمكن افتراض أن أي مواجهة مستقبلية بين روسيا والناتو ستسير على النهج نفسه.
رغم أن أسلوب قتال الناتو يختلف عن الأسلوب الأوكراني، فإن الحلف يواجه تحدياته الخاصة، إذ تعتمد قدراته إلى حد كبير على الدور الأمريكي في توفير القوات والدعم اللوجستي والتقني والقيادة العسكرية. وقد بنيت خططه الدفاعية على هذا الأساس، في وقت تشير فيه الولايات المتحدة إلى رغبتها في تقليص دورها في أمن أوروبا، وهو ما يفرض على الحلف إعادة النظر في استعداداته المستقبلية.
تتمتع الولايات المتحدة وحلف الناتو بتفوق في القوة الجوية والبحرية، والضربات الدقيقة، والاستخبارات، وكفاءة القوات، لكنهما يفتقران إلى الخبرة التي اكتسبتها أوكرانيا في مواجهة ساحة قتال تهيمن عليها الطائرات المسيرة والمراقبة المستمرة. وفي المقابل، أعادت روسيا تنظيم قواتها وطورت تكتيكاتها وتقنياتها للاستفادة من هذه القدرات على نطاق واسع، مع احتفاظها بترسانة نووية استراتيجية وتكتيكية تشكل عنصر ردع رئيسيًا، خاصة بعد انتهاء العمل بمعاهدة ستارت الجديدة.
لذلك، ينبغي أن يستند التخطيط الدفاعي إلى طبيعة الحروب المقبلة، التي قد تلعب فيها الطائرات المسيرة والتقنيات الناشئة دورًا أكبر من الأسلحة التقليدية. ورغم استمرار أهمية التفوق الجوي، فإن الناتو قد يواجه صعوبة في التعامل مع أسراب الطائرات المسيرة الروسية والأنظمة الهجومية منخفضة التكلفة، كما أن قواته البرية لا تزال بحاجة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية وقدراتها على مواجهة الطائرات المسيرة. ويبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة مفاهيم الناتو الحالية على مواجهة جيش روسي اكتسب خبرة واسعة في استخدام هذه التقنيات.
نتيجة لذلك، قد تتكبد جيوش الناتو خسائر أكبر في أي مواجهة مستقبلية، خاصة أن كثيرًا منها محدود الحجم ولا يستطيع تحمل خسائر كبيرة في المراحل الأولى من الحرب. وقد أظهرت المناورات المشتركة مع وحدات الطائرات المسيرة الأوكرانية أن قوات الحلف لا تزال تفتقر إلى الخبرة في القتال داخل ساحة معركة تهيمن عليها الطائرات المسيرة وأنظمة الاستطلاع والضربات الدقيقة، كما أنها لم تتكيف بعد مع دور هذه الأنظمة في دعم المناورة أو تعطيلها. ولذلك، يمثل الجيش الروسي اليوم تهديدًا مختلفًا عن ذلك الذي بدأ الحرب في عام 2022.
لمواجهة هذا التحدي، يحتاج مخططو الدفاع في الولايات المتحدة وأوروبا إلى استيعاب دروس الحرب الأوكرانية بصورة أفضل، وعدم الاكتفاء بالتركيز على التكنولوجيا، بل إعادة هيكلة القوات بما يضمن دمجها بفاعلية في العمليات القتالية. ويتطلب ذلك اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع الموارد، وتوسيع قدرات الطائرات المسيرة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، وبناء منظومة دفاعية متكاملة قادرة على مواجهة أسراب الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة. وبينما تتحدث دول الناتو عن تعزيز الجاهزية، فإن تنفيذ الإصلاحات والاستثمارات اللازمة لا يزال أبطأ من وتيرة التحديات التي تواجهها.
• مايكل كوفمان زميل أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.
• الترجمة عن Foreign Affairs