أحمد حسن البكر.. من عسكري مفصول إلى رئيس للعراق
تاريخ النشر: 3rd, July 2025 GMT
قاد انقلاب يوليو/تموز 1968 ضد الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف، وعين رئيسا للجمهورية العراقية في 18 يوليو/تموز 1968 فكان الرئيس الرابع في تاريخ البلاد، وقد استقال من منصبه الرئاسي عام 1979.
المولد والنشأة ولد أحمد حسن البكر العمر في الأول من يوليو/تموز 1914 بقرية العوجة في مدينة تكريت التابعة لمحافظة صلاح الدين شمالي العراق.
كانت مدرسة دار المعلمين الابتدائية بوابته الأولى للتحصيل العلمي، وتخرج فيها وأصبح أستاذا في الطور الابتدائي. تزوج في سن مبكرة من ابنة خالته غيداء ندى حسين العمر وأنجبا 3 أبناء هم محمد وهيثم وعبد السلام.
المسيرة العسكرية ترك البكر التدريس بعدما قضى فيه 6 سنوات وانضم إلى الكلية العسكرية عام 1938. ترقى في الرتب العسكرية إلى أن تخرج ضابطا في الجيش العراقي.
انخرط في حركة رشيد عالي الكيلاني، وشارك في ثورة مايس عام 1941 ضد الاحتلال البريطاني لكنها فشلت، وبسبب هذا النشاط الثوري فصل من الجيش وأدخل السجن وأجبر على التقاعد، ثم أعيد إلى الخدمة العسكرية عام 1957 بقرار رسمي.
وفي 14 يوليو/تموز 1958 شارك ضمن تنظيم الضباط الأحرار في الانقلاب الذي انتهى بإسقاط حكم الملك فيصل الثاني وأسس الجمهورية العراقية، بقيادة العقيد عبد السلام عارف. انضم إلى حزب البعث العراقي في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين وشارك في نشاطات سياسية عدة، من بينها انقلاب 8 فبراير/شباط 1963، الذي تولى تنفيذه الحزب بالتحالف مع قوى قومية للإطاحة برئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة آنذاك عبد الكريم قاسم.
التحول السياسي وبعد نجاح الانقلاب تقلد أحمد حسن البكر منصب رئيس الوزراء، لكن هذا الصعود السياسي لم يدم طولا، إذ قاد عارف في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1963 انقلابا آخر من أجل الإطاحة بحزب البعث.
وأسهم في هذا الانقلاب مجموعة من العسكريين المقربين من عارف، وفي مقدمتهم سعيد طيبي ورشيد مصلح وطاهر يحيى، إضافة إلى ضباط مناصرين للقومية ومن بينهم ناجي طالب وصبحي عبد الحميد وعبد الكريم فرحان.
وعقب نجاح أهداف هذه الحركة الانقلابية أصبح ينظر إلى عارف باعتباره رمزا من رموز القومية العربية، وأسهم الانقلاب في إبعاد حسن البكر عن السلطة وخضوعه للاعتقال المؤقت.
أصبح بعد ذلك السكرتير العام للقيادة القُطرية في حزب البعث، الذي كان يعمل بسرية ويخطط للاستيلاء على السلطة. الانقلاب الأبيض بعد وفاة عبد السلام عارف في 13 أبريل/نيسان 1966 تولى شقيقه عبد الرحمن رئاسة الجمهورية. وعرف في الأوساط السياسية بشخصيته المسالمة، إذ حافظ إلى حد كبير على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وهو ما أكسبه شعبية كبيرة. تميزت فترة حكمه بخلوها من الصراعات، فرأى حسن البكر والبعثيون في ذلك فرصة مواتية للانقلاب عليه وشرعوا في التخطيط. في صباح يوم 17 يوليو/تموز 1968 توجه اللواء العاشر والحرس الجمهوري إلى بغداد وطوقا القصر الجمهوري، مطالبين الرئيس بالاستسلام ومغادرة العراق، فلم يجد بُدا من القبول والرحيل إلى مدينة إسطنبول في تركيا، ولم ينخرط بعد نفيه في أي نشاط سياسي. شكل الجناح العسكري للحزب الشيوعي عسكريون معفيون وهم حردان التكريتي وصالح مهدي عماش وسعدون غيدان بقيادة أحمد حسن البكر، أما الجناح المدني فتشكل من صدام حسين وكريم الشيخلي وعبد الله السلوم السامرائي وصلاح عمر العلي. ومما ميز هذا الانقلاب سلميته، فلم يشهد إراقة للدماء، ولهذا وصفه بعض الباحثين بـ"الانقلاب الأبيض". أعلن التلفزيون العراقي في اليوم ذاته نجاح الانقلاب وسقوط حكومة عارف وتشكيل مجلس قيادة الثورة لقيادة العراق، وتولى حسن البكر رئاسة الجمهورية فأصبح الرئيس الرابع في تاريخها، وعين صدام حسين نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة.
وبعد إحكام قبضة الانقلابيين على مفاصل السلطة توالت الاعتقالات ضد أعضاء حكومة عارف، وشملت كلا من رئيس الوزراء طاهر يحيى ووزير الدفاع عبد العزيز العقيلي، وكذا عبد الرحمن البزاز، الذي كان من أبرز الشخصيات المؤثرة في الساحة السياسية في العراق آنذاك. شُكلت الحكومة الجديدة في 18 يوليو/تموز وعين عبد الرزاق نايف رئيسا للوزراء، وطاهر الحياني وزيرا للخارجية وإبراهيم الداوود وزيرا للدفاع ومحمود شيت خطاب وزيرا للمواصلات، وفرض حزب البعث بعدها سيطرته الكاملة على البلاد.
شهد العراق في عهد البكر سلسلة من التحولات السياسية والاجتماعية، بما في ذلك تحقيق الكثير من الإنجازات وسيادة القانون وتوظيف مئات الآلاف من المواطنين، إلى جانب تدشين مشاريع الري والزراعة والصناعة وتطور العمران. كما مر بتطورات في الأنظمة الصحية والتعليمية، وقد وصف الباحثون فترة سبعينيات القرن الـ20 بالنهضة العربية الحقيقية.
الاستقالة أعلن البكر في 11 يوليو/تموز 1979 استقالته في اجتماع لمجلس قيادة الثورة، وكشف عن نيته نقل السلطة إلى صدام حسين، كما أعلن حزب البعث أن البكر لم يعد قادرا على أداء مهامه كما ينبغي. وفي 16 يوليو/تموز من السنة نفسها، أصبح صدام حسين رسميا رئيسا لجمهورية العراق. إعلان وبعد مضي 5 أيام بدأ بتصفية الخط الأول من معارضيه داخل حزب البعث، وهو ما دفع الخط الثاني للحزب إلى الصعود، وفي عهده دخل العراق في حرب مع إيران، وهي التي سميت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، كما تعرض لحرب أخرى عام 1991 بعد غزوه الكويت، إضافة إلى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
المؤلفات لأحمد حسن البكر مجموعة من الخطابات بث فيها رؤيته السياسية والإستراتيجية، من ضمنها خطابه في يوليو/تموز 1977، الذي جاء بعد 9 سنوات من ثورة يوليو/تموز 1968. وقد نشرته مديرية الإعلام العامة لوزارة الإعلام العراقية تحت عنوان "الرئيس أحمد البكر: العراق قاعدة للدفاع عن حقوق الأمة وشرفها". الوفاة توفي أحمد حسن البكر في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1982 بعد معاناة مع مرض باركنسون، أو ما يعرف بـ"الشلل الرعاش" عن عمر ناهز 68 سنة، ودفن في مقبرة الكرخ ببغداد
المصدر
المصدر: مأرب برس
كلمات دلالية: حزب البعث صدام حسین
إقرأ أيضاً:
بعد سنوات الانقسام.. هل تنجح دعوة العليمي في توحيد الصف لإنهاء الانقلاب؟
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام وتآكل مؤسسات الدولة، تعود معركة استعادة الدولة اليمنية إلى صدارة المشهد السياسي والعسكري، عقب الدعوة التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي إلى التحام وطني شامل خلف مشروع الدولة، ودعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في معركة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة من قبضة جماعة الحوثي.
لكن خلف هذه الدعوة تبرز تساؤلات جوهرية تتجاوز الخطاب السياسي المعتاد: هل وصلت الحكومة اليمنية إلى مرحلة جديدة من الحسم، وأصبحت أكثر جدية في استعادة الدولة والسيادة، أم أن الأمر لا يزال في إطار الرسائل السياسية وإدارة الأزمة المفتوحة منذ سنوات؟
دعوة جديدة في لحظة مختلفة
لم تعد معركة اليمن اليوم مجرد صراع على السلطة بين طرفين، بل أصبحت معركة حول مفهوم الدولة ذاته، بين مشروع يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات وطنية قائمة على القانون والدستور، ومشروع جماعة مسلحة فرضت واقعاً موازياً للدولة منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء ومؤسساتها.
وتأتي دعوة الرئيس العليمي في ظل مرحلة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث باتت تداعيات الأزمة اليمنية تتجاوز الحدود الداخلية، لتلامس أمن الملاحة الدولية، واستقرار المنطقة، وحركة التجارة والطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن استعادة الدولة لم يعد مجرد شعار سياسي، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الحكومة على حماية السيادة الوطنية، وإعادة تفعيل مؤسساتها، واستعادة قرارها الاقتصادي والعسكري والسياسي.
من خطاب الشرعية إلى اختبار القدرة
خلال السنوات الماضية، أكدت الحكومة الشرعية في أكثر من مناسبة أن هدفها الأساسي هو إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، إلا أن الواقع الميداني والسياسي ظل يحمل الكثير من التحديات.
فبينما تمكن الحوثيون من بناء منظومة سيطرة أمنية وعسكرية وإدارية في مناطق نفوذهم، واجهت الحكومة الشرعية صعوبات كبيرة في توحيد القرار السياسي والعسكري، وتعزيز حضور مؤسساتها، وتقديم نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطنين.
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تضع الحكومة أمام اختبار مختلف، فالمطلوب لم يعد فقط إعلان التمسك باستعادة الدولة، بل ترجمة ذلك إلى خطوات عملية تبدأ من توحيد الصف الوطني، وتفعيل مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة التشتت، وبناء استراتيجية واضحة للتعامل مع مشروع الحوثي.
الموارد السيادية.. معركة لا تقل أهمية عن الميدان
يمثل ملف الموارد الاقتصادية أحد أهم الاختبارات أمام الحكومة اليمنية، خصوصاً مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي استئناف تصدير النفط وتوجيه عائداته لخدمة المواطنين وصرف الرواتب وتحسين الخدمات.
فالسيادة لا تقاس فقط بالسيطرة العسكرية على الأرض، وإنما بقدرة الدولة على إدارة مواردها، وتمويل مؤسساتها، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
ومنذ توقف صادرات النفط بسبب التهديدات الحوثية، تعرض الاقتصاد اليمني لضغوط كبيرة انعكست على حياة المواطنين، وأضعفت قدرة الدولة على القيام بواجباتها. لذلك فإن إعادة تشغيل الموارد الوطنية تمثل خطوة أساسية في استعادة دور الدولة.
الحوثيون واستمرار مشروع الدولة الموازية
في المقابل، ترى الحكومة اليمنية أن جماعة الحوثي لم تعد مجرد طرف سياسي، بل مشروعاً يسعى إلى فرض سلطة أمر واقع خارج مؤسسات الدولة، من خلال السيطرة على مؤسسات الدولة في مناطق نفوذها، والتحكم بالموارد، واستخدام القوة لفرض خياراتها السياسية.
وتؤكد الحكومة أن إنهاء الانقلاب لا يعني فقط استعادة المدن أو المواقع العسكرية، بل استعادة مفهوم الدولة وإنهاء أي سلطة موازية تنازع الدولة اختصاصاتها.
غير أن هذه المهمة تبقى معقدة، خاصة مع امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية وأمنية كبيرة، واستفادتهم من سنوات الحرب في بناء منظومة نفوذ واسعة.
العامل الحاسم: وحدة القوى المناهضة للحوثيين
يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة الشرعية هو قدرتها على توحيد القوى والمكونات المناهضة للحوثيين ضمن مشروع وطني جامع.
فالتجارب السابقة أظهرت أن الانقسامات السياسية والخلافات الداخلية شكلت أحد أبرز العوامل التي أضعفت جبهة الدولة، وأتاحت للحوثيين توسيع نفوذهم وترسيخ وجودهم.
ويرى محللون أن أي مشروع جاد لاستعادة الدولة يحتاج إلى تجاوز الحسابات الضيقة، وبناء شراكة وطنية حقيقية، وتقديم نموذج مختلف عن سنوات الصراع والانقسام.
هل تغيرت المعادلة؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمثل دعوة الرئيس العليمي الأخيرة بداية مرحلة جديدة تختلف عن سابقاتها؟
الإجابة ترتبط بقدرة الحكومة على الانتقال من مرحلة البيانات والمواقف السياسية إلى مرحلة الفعل الحقيقي، عبر قرارات واضحة وإجراءات ملموسة تعيد للدولة حضورها وهيبتها.
فاليمنيون الذين أنهكتهم الحرب لا يبحثون فقط عن خطابات سياسية، بل ينتظرون دولة قادرة على حمايتهم، وتوفير الخدمات لهم، واستعادة الأمن والاستقرار، وإنهاء حالة الفوضى التي فرضتها سنوات الصراع.
معركة الدولة لم تعد تحتمل التأجيل
استعادة الدولة اليمنية ليست مهمة عسكرية فقط، بل مشروع وطني شامل يحتاج إلى إرادة سياسية، ووحدة داخلية، وإدارة اقتصادية فاعلة، ومؤسسات قادرة على العمل.
وبينما تؤكد الحكومة أن الوقت قد حان لإنهاء معاناة اليمنيين وطي صفحة الانقلاب، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرتها على تحويل هذا الموقف إلى واقع ملموس.
فاليمن أمام لحظة فاصلة: إما أن تتحول دعوات استعادة الدولة إلى مشروع حقيقي يعيد بناء مؤسساتها وسيادتها، أو تستمر الأزمة في الدوران داخل دائرة مفتوحة من الصراع وإدارة الأزمات.