هدنة الـ 60 يومًا.. هل يُمكن لغزة التنفس أخيرًا؟
تاريخ النشر: 5th, July 2025 GMT
غزة «عُمان»- بهاء طباسي: في غزة، لا تُقاس الليالي بساعاتها، بل بعدد الغارات التي تمرّ، وعدد الأرواح التي تُزهق، وعدد الأطفال الذين ينامون خائفين من ألا يستيقظوا. لكن في إحدى تلك الليالي الممتدة بالصمت المفخخ، انتشر خبر كسر جدار الصدمة: الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يقترب من إعلان هدنة وشيكة في القطاع.
ومض الهدوء ليست هذه الهدنة الأولى التي تُطرح، ولكنها تحمل طابعًا غير مسبوق، من حيث الرعاية المباشرة من واشنطن، والآلية الزمنية المحددة بستين يومًا، والأبعاد الإنسانية والسياسية التي تلتف حولها.
المقترح الذي تنوي واشنطن إعلانه رسميًا بعد غدٍ الاثنين، يأتي وسط تصاعد غير مسبوق في الدمار والخسائر البشرية، وهو محاولة لإعادة ضبط إيقاع الكارثة المستمرة منذ أكثر من عشرين شهرًا. ومع ذلك، تتزاحم الأسئلة في الشارع الغزي قبل النخب: هل هي هدنة حقيقية أم مجرّد استراحة أخرى في مذبحة طويلة؟
في هذا التقرير، ترصد «عُمان» تفاصيل المقترح الأمريكي، والمواقف المتباينة بين إسرائيل وحماس، ونستعرض ملامح التفاؤل الحذر بين أبناء غزة، من خلال شهادات حيّة ومواقف سياسية وآراء تحليلية قد ترسم ملامح الأيام القادمة.
تفاصيل المقترح
يستند مقترح هدنة الستين يومًا، الذي من المتوقع أن يعلن عنه ترمب شخصيًا، إلى مجموعة من البنود المتداخلة التي تهدف إلى تثبيت تهدئة أولية يمكن البناء عليها لاحقًا.
أبرز هذه البنود هو الإفراج عن عشرة محتجزين إسرائيليين في اليوم الأول من الهدنة، بالتزامن مع انسحاب جزئي لقوات الاحتلال من مناطق شمال قطاع غزة. في اليوم السابع، يتم تسليم جثامين خمسة من المحتجزين، يليها انسحابات إضافية من الجنوب.
المقترح يُلزم إسرائيل بتقديم قوائم واضحة بالأسرى الفلسطينيين المعتقلين منذ 7 أكتوبر 2023، في حين تتعهد حركة حماس بتقديم معلومات شاملة حول بقية المحتجزين في اليوم العاشر، سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا.
المهم في هذا المقترح ليس فقط بنوده، بل التوقيت، واللهجة التي رافقته. إذ بدا واضحًا أن الولايات المتحدة، عبر ترمب، تحاول استعادة زمام المبادرة بعد أشهر من صمت دولي مريب.
كما تضمن المقترح بنودًا حول إدخال المساعدات الإنسانية وفقًا لاتفاق يناير السابق، بمشاركة الأمم المتحدة والهلال الأحمر، ما يعيد فتح نافذة الأمل للمدنيين في غزة.
الاتفاق لا يُلزم إسرائيل بوقف دائم للحرب، لكنه يفتح الباب أمام مفاوضات خلال فترة الهدنة، وسط ضمانات من مصر وقطر والولايات المتحدة لتسيير هذه العملية السياسية الحساسة.
تهديدات صلبة
ما إن أعلن ترمب مقترحه عبر منصته «تروث سوشيال» حتى خرج بنيامين نتنياهو بتصريحات نارية لا تخلو من التناقض. قال بحدة: «لن تكون هناك حماس. لن تكون هناك حماسستان. لقد انتهى الأمر».
لكن خلف هذه اللهجة التصعيدية، تقبع مواقف أكثر مرونة من بعض أعضاء الحكومة الأمنية المصغرة في إسرائيل، ممن يدركون أن استمرار الحرب دون مخرج سياسي قد يُكلف تل أبيب أكثر مما يمنحها.
كما أن الجناح الأمني الإسرائيلي بدأ يظهر مؤشرات قبول بالمقترح، خصوصًا مع وعود الولايات المتحدة بإبقاء حماس تحت الضغط خلال الهدنة، واستمرار المفاوضات بشأن صفقة التبادل النهائية.
المعضلة الأساسية التي تواجه نتنياهو هي حكومته اليمينية المتطرفة، التي ترى في أي هدنة تنازلًا لحماس، حتى ولو كان مؤقتًا. شخصيات مثل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش يهددان بإسقاط الحكومة إذا تم تمرير الاتفاق.
إلا أن الضغوط الدولية، والخسائر الإسرائيلية المتصاعدة في غزة، قد تدفع نتنياهو للتفكير بجدية في القبول المؤقت، على أمل إعادة التموضع لاحقًا.
حماس والمشاورات من جانبها، لم تصدر حماس ردًا نهائيًا بعد، لكنها أصدرت سلسلة بيانات مساء الخميس الماضي، تؤكد فيها أنها تتعامل مع المقترح بمسؤولية، وتُجري مشاورات وطنية مع الفصائل الفلسطينية كافة.
قالت في بيان رسمي: «إننا نتعامل بمسؤولية عالية، ونُجري مشاورات وطنية لمناقشة ما وصلنا من مقترحات الإخوة الوسطاء من أجل الوصول لاتفاق يضمن إنهاء العدوان وتحقيق الانسحاب وإغاثة شعبنا بصورة عاجلة في قطاع غزة».
وبين السطور، يُفهم أن الحركة لا ترفض المقترح من حيث المبدأ، لكنها ترفض غموض بعض بنوده، خاصة ما يتعلق بعدم وضوح الالتزام الإسرائيلي بالانسحاب الكامل من قطاع غزة وإنهاء الحرب بعد انتهاء الهدنة.
لكن تحت الضغط الشعبي المتصاعد، ونداءات العائلات المنكوبة، قد تجد حماس نفسها مضطرة للقبول، على الأقل لالتقاط الأنفاس، وترتيب أوراقها العسكرية والإنسانية.
أمل حذر داخل شوارع غزة المنهكة، يتداول السكان الخبر بهمس فيه من التمني بقدر ما فيه من الحذر.
قال محمد أبو ظاهر، أب لخمسة أطفال من مخيم النصيرات: «نسمع عن هدنة جديدة، لكن قلوبنا لا تطاوعنا أن نصدق قبل أن نرى السماء بلا طائرات. كل مرة يعدونا، ثم تعود القذائف أقسى».
وتضيف سناء الكحلوت، أرملة من رفح: «بيتي لم يبقَ منه سوى باب صدئ، ومع ذلك أحلم أن أرجع إليه. الهدنة فرصة لزيارة القبور، لاحتضان بعض الذكريات، لشراء الخبز دون خوف».
ويقول فادي المدهون، شاب فقد شقيقه الأصغر قبل أسبوع: «الهدنة؟ نسمعها كثيرًا، ونفقد أكثر. لا أمل دون ضمانات، لا حياة دون كرامة. تعبنا من الانتظار تحت الردم».
وفي مستشفى الشفاء، تحكي الممرضة نجلاء يوسف: «كل هدنة مؤقتة نأمل منها أن تمنحنا دقائق لالتقاط الأنفاس. الجرائم لا تُمحى، لكنها تؤجل، ونحن نحتاج لهذا التأجيل لنضمد الأرواح».
أما المعلم محمود الشيخ خليل، فيقول: «ضاعت المدارس والتلاميذ، لكن في كل هدنة نعيد فتح دفتر الأمل. التعليم هو معركتنا الباقية، ولو تحت شجرة محترقة».
ويتحدث محمد أبو ليلى، شاب ينتظر السفر للعلاج: «كل دقيقة فرق في حياتي. لو توقفت الحرب فقط لأسبوع، ربما ألحق بعلاج ينقذني. هدنة! هي نجاتي».
وتتابع إيمان عبدالعال، أم لثلاثة أطفال، حديثها من حي الشجاعية: «نعيش على فتات الأمل، وإن جاءت الهدنة، فسنشرب الماء دون أن نحسب كم تبقى منه. لا نريد سوى الحياة».
ويقول الحاج سليمان حمودة من بيت لاهيا: «بلغت من العمر أرذله، ورأيت ثلاث حروب، لكن ما يجري اليوم هو إبادة. الهدنة ليست هبة، بل استراحة مقاتل مدني».
وتختم الشهادات أم أحمد البطنيجي من دير البلح، وهي تبكي طفلها المصاب: «أحمله بين يدي كل يوم إلى مستشفى شهداء الأقصى، وعيناي تبحثان عن سكون. الهدنة تعني أن أراه يلعب دون نزيف».
تهدئة أم فخ وسط الدخان المتصاعد من نوافذ غزة؟ وبين الهمسات المتداولة في ممرات السياسة الدولية، بدأ المحللون الفلسطينيون يتناولون مقترح هدنة الستين يومًا بمزيج من الحذر والاستفهام. فالمبادرة التي جاءت على لسان ترمب لم تهبط في فراغ، بل جاءت بعد 20 شهرًا من حرب إبادة إسرائيلية أكلت الأخضر واليابس، واستنزفت الجميع: الغزيين، والإسرائيليين، والمجتمع الدولي.
بعضهم يرى أن المقترح يمثل لحظة ضغط أمريكية على إسرائيل، هدفها ليس السلام بل إعادة ترتيب الكفة السياسية في الشرق الأوسط. آخرون يرون فيه فرصة ضيقة، لكنها واقعية، أمام حماس للنجاة من الانهيار الإنساني في القطاع. وهناك من يقرأه كفخ سياسي محكم، يفتقر إلى أي ضمانات فعلية.
يرى الدكتور مخيمر أبو سعدة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر، أن المقترح الأمريكي الأخير يمثل تحولًا في موقف واشنطن، ويعكس ضغطًا سياسيًا جديدًا على إسرائيل أكثر من كونه مبادرة عادلة للطرفين. وقال في تصريح لـ«عُمان»: «المقترح يهدف إلى تهدئة الوضع مؤقتًا لصالح إعادة ترتيب الأوراق، وليس لإنهاء الحرب فعليًا».
أما المحلل السياسي طلال عوكل، فيرى أن حماس قد لا تجد خيارًا سوى القبول، موضحًا: «الوضع الإنساني في غزة كارثي، وأي فرصة لوقف النار، حتى لو محدودة، ستكون مقبولة شعبيًا، ما يُصعّب على الحركة رفضها».
من جانبه، قال المحلل إياد جودة: إن الغموض في المقترح قد يؤدي إلى تعقيد إضافي: «عدم وضوح الالتزامات الإسرائيلية، خصوصًا في مسألة الانسحاب، قد يجعل من المقترح فخًا سياسيًا لحماس».
أما أستاذ العلوم السياسية هاني المصري، فرأى أن الأطراف الدولية باتت تدرك أن استمرار الحرب غير مجدٍ، قائلاً: «المطلوب الآن ليس فقط تهدئة، بل انتقال حقيقي نحو حل سياسي شامل، وهذا لن يتحقق بمقترحات جزئية».
و يبدو أن غزة أمام مفترق طرق جديد. بين الرغبة الشعبية في وقف حمام الدم، وضبابية النوايا الإسرائيلية، وغموض الوسطاء، يبقى الأمل معلقًا بخيط رفيع.
مقترح هدنة الستين يومًا، وإن كان يحمل بصيص رجاء، إلا أنه مرهون بإرادة سياسية متقلبة، وقدرة الفصائل الفلسطينية على انتزاع شروط تضمن الحد الأدنى من الكرامة والسيادة.
ربما تكون هذه الهدنة فرصة، لكنها أيضًا اختبار. اختبار للإنسان، قبل أن يكون اختبارًا للسياسة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
حيلة المناشف وقميص ميسي.. تفاصيل العملية التي أطاحت بشبكة الـ 32 مليون دولار
صادرت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أكثر من 445 ألف قطعة مقلدة مرتبطة بكأس العالم 2026، بينها قمصان كرة قدم، خلال عمليات أمنية نُفذت في أنحاء البلاد بالتزامن مع البطولة، فيما قدرت الخسائر التي تكبدتها الصناعة بسبب هذه التجارة غير المشروعة بنحو 32 مليون دولار.
وقبيل المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب "ميتلايف" في نيوجيرسي، أطلقت السلطات الأميركية عملية حملت اسم "صافرة النهاية"، استهدفت بيع وتوزيع المنتجات المقلدة بصورة غير قانونية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2الفيفا يبرئ الجزائر والنمسا في تقرير الـ 104 مبارياتlist 2 of 2لامين جمال وهالاند يتصدران قائمة أغلى لاعبي العالم بعد مونديال 2026end of listوكان قميص النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي الأكثر حضورًا بين المضبوطات.
وقال فرانك روسو، مدير العمليات الميدانية في مكتب الجمارك وحماية الحدود الأميركي بنيويورك، في تصريحات لصحيفة "ذا أتلتيك": "إنه ميسي. لقد شاهدنا الكثير من قمصان ميسي، خصوصًا مع المستوى الرائع الذي قدمه. نضبط قمصان مختلف اللاعبين، لكن الأكثر شعبية هم الأكثر حضورًا".
وفي الأكشاك المؤقتة المنتشرة قرب المناطق السياحية المحيطة بميدان "تايمز سكوير"، كانت قمصان الأرجنتين تُباع مقابل 30 إلى 40 دولارًا، مقارنة بنحو 110 دولارات للنسخ الرسمية من شركة أديداس. ومع تجمع المشجعين الأرجنتينيين في المنطقة قبل النهائي وبعد خسارة منتخب بلادهم، كان قميص ميسي رقم 10 الأكثر رواجًا.
وأقر العديد من المشجعين، عندما سألتهم الصحيفة عن قمصانهم، بأنها نسخ مقلدة منخفضة السعر، اشتروها داخل الولايات المتحدة أو عبر الإنترنت.
وفي نيويورك وحدها، أسفرت عمليات ضبط 2000 طرد وتفتيش 1400 رحلة جوية وشحنة بضائع عن مصادرة 65 ألف قطعة.
وفي المدن الأمريكية الـ11 المستضيفة لمباريات البطولة، نفذت جهات إنفاذ قانون أخرى، بينها المركز الوطني لتنسيق حقوق الملكية الفكرية، مداهمات استهدفت الأكشاك المحيطة بالملاعب ومراكز المدن، ضمن عملية حملت اسم "اللاعب الجماعي".
إعلانوأسفرت العمليات عن ضبط كميات كبيرة، من بينها 16 ألف قطعة في ميامي و12 ألفًا في هيوستن، إضافة إلى 16 ألف قطعة أخرى في تورونتو الكندية، إحدى المدن المستضيفة للبطولة.
وقال روسو: "كما يحدث مع سوبر بول، نشهد دائمًا زيادة هائلة في عدد هذه الشحنات ليس فقط قبل المباراة النهائية، بل حتى بعد نهايتها".
حيلة "المناشف"وفي إحدى الشحنات التي أثارت انتباه المحققين، أظهرت بيانات الحمولة أن محتوياتها لا تتجاوز المناشف، لكن عملية التفتيش كشفت عن حقيقة مختلفة تمامًا، إذ عثر المحققون على أكثر من 2000 قطعة من المنتجات المقلدة، بينها قمصان كرة قدم مرتبطة بالبطولة.
وتكشف هذه الواقعة عن الأساليب التي تلجأ إليها شبكات تهريب المنتجات المقلدة لإخفاء طبيعة بضائعها وتضليل عمليات التفتيش الجمركي، من خلال تسجيل محتويات الشحنات على أنها سلع عادية لا تثير الشبهات.
وتزداد صعوبة التصدي لهذه التجارة بالنظر إلى حجم تدفق هذه المنتجات إلى السوق الأميركية، إذ تشير البيانات إلى أن ما بين 60 و70% من السلع المقلدة التي تصل إلى الولايات المتحدة عبر الشحن الجوي والبحري مصدرها الصين وهونغ كونغ، اللتان تُعدان من أبرز مراكز تصنيع قمصان كرة القدم المقلدة في العالم.
وتستغل هذه الشبكات الطلب الكبير على قمصان المنتخبات والنجوم، خصوصًا خلال البطولات الكبرى، لطرح نسخ أرخص من القمصان الرسمية، مستفيدة من فارق الأسعار لجذب المشجعين، قبل إدخال هذه المنتجات إلى الأسواق عبر شحنات قد تُسجل أحيانًا تحت أوصاف لا تعكس محتوياتها الحقيقية.
وأكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية أن هدفها لا يقتصر على حماية حقوق الملكية الفكرية، بل يشمل أيضًا حماية الأمن الاقتصادي ومنع وصول عائدات هذه التجارة إلى "أيدي المنظمات الإجرامية" أو الجهات المستفيدة من العمل القسري.
وأقر روسو بصعوبة إقناع المشجعين الذين يرون أن أسعار القمصان الرسمية مرتفعة، قائلاً إن السلطات بحاجة إلى بذل جهد أكبر لتوعية الجمهور بالمخاطر، ومنها إمكانية استخدام عائدات تجارة المنتجات المقلدة في تمويل أنشطة تتراوح بين الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم.