اندماج المؤسسات المصرفية تعزيز للخدمات والاقتصاد الوطني أم وسيلة للاحتكار والسيطرة؟
تاريخ النشر: 5th, July 2025 GMT
◄ الهاشمي: التشريعات تخلق فرص الاندماج بعد توفر البيئة المناسبة لها
◄ محللون: هناك توجه واضح نحو تشجيع الاندماجات وتعزيز قوة المؤسسات المالية
◄ التشريعات تنظر في مدى السيطرة بعد الاندماج منعا للاحتكار أو السيطرة المفرطة للسوق
◄ الفروقات في الهياكل الإدارية من أبرز التحديات التي تواجه الاندماج
الرؤية- سارة العبرية
في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي إقليمياً ودولياً، تبرز عمليات اندماج البنوك كإحدى الاستراتيجيات المحورية التي تلجأ إليها المؤسسات المالية لتعزيز قدرتها التنافسية وضمان استدامتها على المدى الطويل.
ومع التوجه المتزايد نحو بناء كيانات مصرفية أكثر قوة ومرونة، يطرح موضوع الاندماجات في السوق العُمانية نفسه كخيار استراتيجي يتطلب فهماً دقيقاً لمختلف أبعاده، سواء التشريعية أو الإدارية أو التقنية، ولا يقتصر الأمر على دمج الهياكل والعمليات؛ بل يمتد ليشمل توافق الرؤى والثقافات المؤسسية، ومدى قدرة الكيان الجديد على تحقيق قيمة مضافة للقطاع ككل. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري تحليل البيئة المحيطة بهذه الاندماجات، واستكشاف فرصها وتحدياتها، وأثرها المحتمل على مستقبل العمل المصرفي في السلطنة.
ويقول محمد بن حمد الهاشمي مساعد مدير عام الالتزام والحوكمة في بنك نزوى، إن الاندماج بشكل عام هو ظاهرة غير اعتيادية وتأتي بعد إجراء دراسات استراتيجية معمقة بين المؤسسات الراغبة في الاندماج، مضيفاً: "نرى أن الجهات الرقابية والتنظيمية قد احتوت هذا الجانب وهو أن يُترك الأمر لها للتقييم والمراجعة بعد القيام بدراسة الجدوى الاقتصادية للاندماج، ونخص بالذكر هنا المصارف لما لها من تأثير كبير على الاقتصاد الوطني فهو مورد مالي حيوي لجميع القطاعات الأخرى وفشله قد يسبب خللاً في منظومة تدفقات روافد الاقتصاد المحلي وقد يؤخر عجلة النمو في القطاعات الأخرى المُعتمدة على دعم القطاع المصرفي من التمويلات والقروض والودائع والاستثمارات والعمليات المصرفية الأخرى كالتحويلات والمدفوعات وغيرها من الخدمات".
وأوضح الهاشمي "يعتبر حجم السوق المصرفي العُماني متوسطاً نسبيا مقارنة بالأسواق الإقليمية في المنطقة؛ حيث تتوزع البنوك بين بنوك كبيرة الحجم وبنوك متوسطة الحجم وبنوك صغيرة بحسب قاعدة الأصول بمعدل 20 بنكا محليا وأجنبيا وهو عدد بسيط، لذلك ترتئي الجهات التنظيمية الإبقاء على عدد كافٍ من المصارف بمختلف أحجامها وذلك لضمان توفر خدمات مصرفية تنافسية وخيارات متعددة للعملاء".
وذكر "لتقليل مخاطر التركز في مصارف محددة يمكن أن تلعب التشريعات دورا فعّالا في خلق فرص الاندماج بعد توفر بيئة مناسبة لها مع ضمان اتزان واستمرار توفير الخدمات المصرفية بين البنوك بصورة عادلة".
وعن التحديات التنظيمية أو القانونية التي تعيق اندماج البنوك في السلطنة، بيّن الهاشمي: "قانون الشركات التجاري العماني أتاح للشركات الاندماج عن طريق عدة أشكال إما عن طريق الضم وهو اندماج شركة مع شركة قائمة، أوعن طريق المزج بتشكيل شركة أو كيان جديد باندماج شركتين أو أكثر، ويخضع قرار الاندماج لموافقات الجهات التنظيمية والرقابية في القطاع ذي الاختصاص، وتختلف التشريعات الرقابية نوعاً ما من قطاع لآخر، ونخص بالحديث هنا القطاع المصرفي العماني؛ حيث وحسب القانون المصرفي العُماني وجب الحصول على الموافقة المسبقة من قبل البنك المركزي العُماني علي أي تغيير يطرأ في ملكية مصرف بنسبة تتجاوز 10٪ من إجمالي أسهم المصرف، وضرورة الحصول على موافقة البنك المركزي قبل الشروع في أي اندماج بين المصارف".
وتابع قائلاً: "من أهم إجراءات الاندماج بين المصارف أن يتم تقديم طلب الاندماج بعد استيفاء الشروط وشريطة الإفصاح المبكر للجمهور عن تقدم سير إجراءات الاندماج وإبقاء المساهمين والجهات ذات الصلة مطلعين على أي معلومات جوهرية تتعلق بعملية الاندماج".
وأشار الهاشمي إلى تشابه معظم الهياكل الإدارية في المصارف العُمانية فيما بينها بحكم خضوعها لتشريعات رقابية تتعلق بإطار الحوكمة فيها من حيث إلزامية تواجد مجلس إدارة وإدارة تنفيذية ولجان مُنبثقة عن مجلس الإدارة ولجان منبثقة عن الإدارة التنفيذية ووجود دوائر مقسمة بين تلك ذات طابع رقابي داخلي كالتدقيق الداخلي وإدارة المخاطر والالتزام أو دوائر إسناد كالعمليات وتقنية المعلومات والموارد البشرية أو دوائر المبيعات للأفراد والشركات والمؤسسات، مضيفا: "لذلك قد يسهل على البنوك الاندماج في ما بينها من خلال توافق الهياكل الإدارية، ولكن قد يكون هناك اختلافات ثقافية تميز بنكاً عن آخر قد تشكل عائقاً في مضي سير الاندماجات بين البنوك وهو تحد كبير في الدفع بمؤسستين مصرفيتين أو أكثر لهم ثقافات مختلفة للتوافق فيما بينهما تحت مظلة مؤسسية واحدة، مؤكدا أنه يجب تقييم هذا العامل من ضمن دراسة استراتيجية الاندماج لما له من أثر كبير في نجاح المؤسستين ما بعد الاندماج كون الفريق وثقافته هي من يُحرك دقة أعمال المؤسسة".
وحول تقوية الملاءة المالية وتحسين كفاءة التمويل، يرى الهاشمي أن من إيجابيات اندماج المصارف أنه يتيح دمج الخبرات والتجارب المتراكمة لمؤسستين ماليتين تحت مظلة واحدة، ما يُسهم في خلق بيئة مصرفية أكثر كفاءة وقدرة على تقديم خدمات عالية الجودة، كما أن الكيان المصرفي الجديد الناتج عن هذا الاندماج يتمتع بملاءة مالية أقوى، تُمكّنه من تقديم تسهيلات ائتمانية أكبر بفضل زيادة رأس المال.
ويؤكد: "كما أشرنا سابقًا، فإنَّ السوق المصرفي في سلطنة عُمان يُعد متوسط الحجم مقارنة بالأسواق الإقليمية، ويتميز بعدد محدود من البنوك، ولذلك، فإنَّ الحفاظ على عدد كافٍ من المصارف بمختلف أحجامها يُعد أمرًا ضروريًا لضمان وجود بيئة تنافسية، وتوفير خيارات متنوعة للعملاء، بالإضافة إلى الحد من مخاطر التركز في مؤسسات مصرفية محددة.
ويرى أنه لا مانع من دراسة إنشاء كيان مصرفي كبير من خلال الاندماج، على أن يترافق ذلك مع فتح المجال أمام بنوك محلية جديدة لدخول السوق، بهدف تعويض البنوك المندمجة، وضمان استمرار تنوع الخدمات المصرفية المتاحة للعملاء.
وردا على سؤال هل تأخر الاندماج قد يهدد قدرة البنوك المحلية على المنافسة الإقليمية والدولية، قال الهاشمي: "لا أعتقد أن الاندماجات بين المصارف العُمانية قد تؤثر أو تهدد قدرة البنوك إذا ما كانت الخدمات توفر داخل السلطنة لعملاء محليين؛ حيث لدى البنوك قاعدة من العملاء أفرادا ومؤسسات تربطهم تعاملات دولية سواء للتحويلات أو المدفوعات وحتى التمويلات والقروض والاستثمارات خارج الحدود باستخدام القنوات الرقمية كالتطبيق البنكي عبر الهاتف المتنقل أو الخدمات المصرفية عن طريق الإنترنت، لذلك البنوك تعتبر متقدمة نسبيا في هذا الجانب عن غيرها من القطاعات، ولكن مع الاندماج وعند خلق كيانات مصرفية عملاقة قد يُمكنها من الانتشار عبر الحدود لإيصال خدماتها المصرفية بشهية مخاطر أكبر تنافس البنوك في تلك الدول للوصول إلى عملاء ومستثمرين من خارج الحدود".
وفي السياق، يقول محللون ماليون في تصريحات لـ"الرؤية"، إن البيئة التشريعية في الوقت الراهن لا تمنع الاندماجات، وإنما تتطلب فقط الالتزام ببعض المتطلبات التقليدية مثل نسب التملك، مضيفين: "قد يكون الأمر الوحيد الذي تنظر فيه الجهات التشريعية هو مدى السيطرة التي قد تفرضها المؤسسة الناتجة عن الاندماج، فإذا كان هناك خطر من احتكار أو سيطرة مفرطة على السوق، يمكن حينها مناقشة الأمر، وبخلاف ذلك، هناك توجه واضح نحو تشجيع الاندماجات وتعزيز قوة المؤسسات المالية".
كما يشير المحللون إلى أن الفروقات في الهياكل الإدارية بين المؤسسات الراغبة في الاندماج تعد من أبرز التحديات، إذ تلعب دوراً محورياً في نجاح العملية، فالاندماجات لا تعتمد فقط على الجوانب الفنية أو المالية، بل تحتاج إلى رغبة حقيقية من المساهمين وقدرة إدارية على إدارة العملية بسلاسة تضمن مصالح جميع الأطراف، سواء المساهمين أو الموظفين أو العملاء، ولذلك فإنَّ الأمر لا يقتصر على تشكيل هيكل جديد بقدر ما يتطلب تخطيطاً ورؤية مشتركة.
وبحسب قولهم، فإن الهدف الرئيسي من الاندماجات هو تقوية المؤسسات وزيادة قدرتها التنافسية وتعزيز متانتها المالية، وهو ما يجعلها مؤشراً إيجابياً على صعيد استقرار القطاع المصرفي ونموه، مضيفين: "أما فيما يخص الجانب التقني، فلا يُعتقد أن الاندماجات بحد ذاتها هي العامل المباشر في تحقيق التقدم التكنولوجي، بل إن ذلك يعتمد بشكل أساسي على الرؤية المستقبلية والقدرة والإرادة لدى إدارات المؤسسات ومجالس إداراتها، ومع ذلك، يمكن للاندماجات أن تتيح نقل الخبرات والتقنيات، خصوصاً إذا كانت إحدى المؤسسات تمتلك بنية تقنية متقدمة لا تتوافر لدى الأخرى، مما يسمح بتوسيع نطاق هذه التقنيات لتشمل الكيان الجديد الناتج عن الاندماج".
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة انهيار “الدولة”
*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ “، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل بمن يرويها. فالروايات، مهما بدت متماسكة وموضوعية، تحمل دائما شيئا من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولهذا، لا تبدو قيمة الحوارات التي تُجرى مع مسؤولين من داخل السلطة في كونها تفصح عن وقائع جديدة مرتبطة بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بقدر ما تكشف كيف أصبحت النخبة السياسية نفسها تروي حكاية هذا الانهيار. فليست المشكلة في قدرتها على تفسير أسبابه، فهذه خطوة لا يجوز التقليل من أهميتها. بل المشكلة في التردد في تسمية المسؤولية السياسية عن صناعته.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من الاعتراف بأسباب انهيار الدولة؛ وهذه شجاعة تحسب له، بل يعرض سردية سياسية متماسكة نسبيا، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المؤسسات، وتمر عند الفرص السياسية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على السلطة التوافقية (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقها اليمن بودكاست، لا تكمن فقط فيما تقوله، بل أيضا في الأثر الذي تتركه خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات السياسية ليست فيما تضيفه إلى سجل الوقائع، بل في ما تكشفه عن الطريقة التي تفهم بها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن ضعف التنمية أحد الأسباب الرئيسة للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية ليست قوة تعمل خارج مجال القرارات السياسة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفة رؤيتها للحكم. وحين يقال إن المؤسسات الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضا، غير أن هذه الهشاشة لم تنشأ من تلقاء نفسها، بل كانت حصيلة خيارات سياسية طويلة الأمد، أديرت بها التوازنات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيادية، وقدمت بها حسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك الضعف وتلك الهشاشة قدرا لا يمكن الفكاك منه أو مقاومة تداعياته؟ لمعرفة الإجابة يمكن تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب صيف (1994)، امتلكت السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. وكانت السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما حظيت العملية السياسية الناتجة عن #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجماع إقليمي ودولي نادر. بينما قدم مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) تصورا متكاملا لشكل الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
يستحضر نصر طه؛ وهو صحفي شهير وسياسي بارز، هذه المحطات بوصفها فرصا ضائعة، وهو توصيف يصعب الاعتراض عليه. لكن ما تم نسيانه أن الفرص لا تهدر من تلقاء نفسها. فخلف هذا الضياع قرارات سياسية متهورة، وخلل في الأولويات، ونخب أساءت استخدام السلطة، وأحزاب معارضة فشلت في تقديم البديل. ولذلك، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ ولماذا؟
يبقى حديث المستشار الرئاسي عن مؤتمر الحوار الوطني، ذو أهمية. فالنظر إليه باعتباره آخر مشروع سياسي متكامل لإنقاذ الدولة، يجد ما يدعمه في كثير من الوقائع. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية فحسب، بل استهدف فكرة الدولة الجمهورية نفسها. وعليه لا يجوز هنا وضع #الحوثيين في سلة واحدة تضم الأزمات اليمنية، فهم ليسوا أزمة إضافية، هم مشروع متكامل عقائدي وعسكري وسياسي، يحمل فلسفة خاصة مناهضة لنظام اليمن الجمهوري تعيد تعريف السلطة وشرعيتها. ولهذا، فإن التعامل معهم باعتبارهم مجرد نتيجة يوضح جزءا من الصورة لكنه لا يفسر طبيعة المشروع السلالي الذي نقل الصراع من التنافس على إدارة الدولة إلى النزاع حول هويتها الدستورية ومركزها القانوني.
الأهم، أن الفرصة الحقيقية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي مرحلة ما بعد الانقلاب. فمنذ انطلاق عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف سياسي واسع ودعم إقليمي ودولي كبير، لكن النخب الممثلة لتلك الشرعية لم تستطع تحويل ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني متماسك لاستعادة الدولة. وبدلا من توحيد الصفوف لمواجهة المشروع الحوثي، ظلت الخلافات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد مراكز القرار، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية القانونية إلى شرعية أداء، أو تحويل الدعم الخارجي إلى مؤسسات دولة فاعلة.
ولعل اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تفرض فيها حوارات مع مسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بدا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسية أصبح يدرك طبيعة المشروع الحوثي، بوصفه مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز الشرعية عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر للصورة؛ إذ تبدو النخبة أكثر قدرة على تفسير أسباب انهيار الدولة، لكنها ما تزال أقل استعدادا للانتقال من تفسير الفشل إلى مساءلة الخيارات السياسية التي قادت إليه.
الشهادات السياسية اليمنية التي تشرح أسباب انهيار الدولة أصبحت أكثر حضورا من أي وقت مضى، وبتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو امتلاك النخبة السياسية الشجاعة للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت وساهمت بالبلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف باللغة. فالروايات تبقي ذاكرة الشعوب حية، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية لإصلاح مستقبل الدول، وهو ما يحتاج شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن تأكيده أن هشاشة المؤسسات ليست قدرا يمنيا، كما لم يكن ضعف التنمية لعنة جغرافيا. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، موارد وشرعية داخلية ودعم خارجي كانت تسمح ببناء مؤسسات حقيقية. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا بقيت الدولة قائمة شكليا بينما كانت قدرتها على الصمود تتأكل تدريجيا. ولعل السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف انهارت الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب التاريخ قصة الانهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني