عربي21:
2026-07-24@03:13:57 GMT

خوارزميات جنيف والاختفاء القسري

تاريخ النشر: 7th, July 2025 GMT

"أنا ما زلت هنا".. ليست مجرد عبارة قالها أحد الناجين من الاختفاء القسري، بل صدى صرخة تتردد في ذاكرة كل من عايش غياب الأحباب، أو انتظر خبرا يطفئ جمر الشك.

قبل أيام، وضمن مشاركتي في فعالية حقوقية حول العدالة والاختفاء القسري، فوجئت بخوارزمية فيسبوك تقترح عليّ مشاهدة فيلم وثائقي جديد بعنوان "I'm Still Here".

لم أكن أعلم أن هذا الفيلم، الذي انغمست فيه بصمت ودموع، سيفتح بوابة مؤلمة نحو ذاكرتنا الفلسطينية والسورية.

عن الفيلم: "أنا ما زلت هنا"

الفيلم مستوحى من القصة الحقيقية لريبنز بايفا، وهو سياسي برازيلي يساري وعضو في البرلمان "مجلس الشيوخ"، اختُطف عام 1971 من قِبل أجهزة النظام العسكري واختفى دون أثر.

لكن القصة الحقيقية ليست عنه فقط، بل عن زوجته يونييس، التي رفضت الصمت وواجهت المؤسسات العسكرية والذكورية بعزم لا يلين، إلى أن انتزعت بعد عقود اعترافا بأن زوجها قُتل تحت التعذيب.

إنها قصة امرأة تبحث عن الحقيقة في نظام يتقن طمسها، تماما كأمهات وأخوات المختفين في سوريا، أو زوجات المعتقلين الفلسطينيين الذين لم يعودوا، ولا حتى كجثة.

عندما تكشف الخوارزميات الحقيقة دون قصد

الغريب -أو ربما المؤلم- أن خوارزميات فيسبوك، المصمّمة لأغراض تجارية وتسويقية، كانت السبب في تعريفي بهذا الفيلم. هل كانت تعلم أنني أعمل على كلمة حول الاختفاء القسري؟ ربما. هل تعلم أني فلسطيني سوري يحمل على كتفيه ثقل الذاكرة؟ بالتأكيد.. حملت وسأحمل ما حييت هذا الملف حتى انقطاع النفس وتوقف نبض القلب.

لقد قدّمت لي خوارزمية غير إنسانية، فيلما إنسانيا بامتياز. هذا يعيدنا إلى سؤال مرير:

هل يمكن أن تساعد الخوارزميات -تلك المصممة لجني الأرباح- في كشف جرائم الإخفاء القسري؟

وهل يمكن تسخيرها ضمن ما نسمّيه مجازا "خوارزميات جنيف"، أي الأدوات الرقمية التي تدعم القانون الدولي الإنساني وتكشف الجريمة بدل إخفائها؟ مجرد تساؤل خطر لي وأنا صحفي ولست مهندسا تقنيا!

ربما لو كان المهندس العالم والخبير التقني الشهيد المعتقل باسل خرطبيل الصفدي بيننا اليوم لكانت لديه إجابة على مثل هذه التساؤلات!

الملف المنسي: الفلسطينيون المختفون قسرا في سوريا

يبدو ما حصل مع بايفا في السبعينيات مكرر -وربما أفظع- في سوريا اليوم. لقد وثقت مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا أكثر من 6000 معتقل ومفقود ومختفٍ قسرا في سجون النظام السوري، بينهم طلاب، وأطفال، ونساء. هؤلاء ليسوا أرقاما، بل قصصا معطلة، انتُزعت من الحياة، وأُلقي بها في سراديب الأجهزة الأمنية التي تتقن دفن الصوت قبل الجسد.

أحد الأمثلة المفجعة هي قضية "معتقلات المختنقين"، وهي سجون مثل فرع فلسطين وفروع كثيرة نعرف بعضها ولا نعرف الآخر، حيث مات الآلاف تحت التعذيب، أو خنقا، ودفنا جماعيا. عائلات كاملة من الفلسطينيين السوريين خُطفت من مخيم درعا جنوبا حتى مخيم حندرات شمالا في حلب، ولم يُعرف لهم أثر.
أحد الأمثلة المفجعة هي قضية "معتقلات المختنقين"، وهي سجون مثل فرع فلسطين وفروع كثيرة نعرف بعضها ولا نعرف الآخر، حيث مات الآلاف تحت التعذيب، أو خنقا، ودفنا جماعيا
ولكن هنا المفارقة:

بينما نطالب باتفاقيات جنيف للكشف عن مصيرهم، فإن كثيرا من المعلومات التي حصلنا عليها جاءت من صور رقمية، مثل صور "قيصر" الشهيرة، أو شهادات ناجين جمعتها منظمات عبر آليات مختلفة.

بين بايفا وبكراوي: الإنسان هو الهدف

ما الفرق بين ريبنز بايفا الذي اختفى عام 1971 في ريو دي جانيرو، وخالد بكراوي الذي اختُطف من مخيم اليرموك؟ الجواب بمحض إنسانية ووفق معاييرها: لا شيء.. كلاهما:

- اقتيد إلى زنزانة مجهولة.

- تلاشت أخبارهما في أروقة الأجهزة الأمنية.

- بقيت العائلات لسنوات تتجرع الغياب، وتعيش على الأمل.

التقنية في خدمة العدالة.. أو نقيضها

إذا كانت الخوارزميات قد قرّبتني من فيلم "I’m Still Here"، فما الذي يمنع أن تساعدنا هذه الأدوات نفسها على كشف مصير المختفين؟

- الأقمار الصناعية يمكنها رصد المقابر الجماعية.

- الذكاء الاصطناعي يمكنه تحليل تقارير الناجين و"تشبيك" الحوادث المتطابقة.

- أنظمة المقارنة البيومترية قد تُعيد هويات مجهولي المصير.

أيضا هذه جميعها تساؤلات صحفي باحث عن الحقيقة! لكن ما أعرفه يقينا للأسف، أن تقنيات أبسط منها تُستخدم كأدوات غالبا لعكس الغرض: رصد المعارضين، تزييف الروايات، إخفاء الأدلة.

ختاما: من "أنا ما زلت هنا" إلى "هم لا يزالون هناك"

الفيلم قالها بلسان الناجي: "أنا ما زلت هنا" عبر صور وأرشيف وذاكرة لم ولن تجف، لكنني أكتب هذا المقال لأقول: "هم لا يزالون هناك".. في الزنازين، في الذاكرة، في الأحلام، في جدران المخيمات التي تنتظر عودة الغائبين.

قد تُعيد الخوارزميات بعضهم إلى الضوء، وقد تفضح الصور السرية حقيقة المجرمين، لكن الحقيقة الأولى والأخيرة ستبقى في صوت الأم التي لم تكفّ عن القول: "ابني ما مات، هو بس مختفي..".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الاختفاء الفلسطينية المختفين سوريا سوريا فلسطين اختفاء مختفين قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة صحافة سياسة صحافة سياسة مقالات صحافة مقالات صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي

أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.

وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.

وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.

وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.

وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.

وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • الإدارة الأمريكية تفرض رسوما جمركية جديدة مرتبطة بممارسات العمل القسري
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • أبو العينين: خوارزميات الذكاء الاصطناعي ترسم ملامح القوة في العصر الحديث
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • الرفادي: إعلان حكومة من جنيف “بلطجة سياسية”.. والشرعية لا تُصنع من الفنادق
  • دوران: غزة أوضح مثال على التهجير القسري