كيف أطال نتنياهو بقاءه السياسي عبر المماطلة في إنهاء العدوان على غزة؟
تاريخ النشر: 11th, July 2025 GMT
يسعى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى إطالة أمد الحرب في غزة للحفاظ على منصبة السياسي وحكومته لأطول مدة ممكنة بطرق متعددة.
ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا طرحت خلاله الطريقة التي أطال فيها رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي الحرب في غزة كي يبقى في الحكم وكشف التحقيق عن اللقاءات السرية وتجاهل المعلومات السرية.
وقدمت الصحيفة التحقيق بأنه القصة الداخلية لحسابات رئيس الوزراء الاحتلال الإسرائيلي بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، فبعد 6 أشهر من بدء الحرب في قطاع غزة، كان نتنياهو يستعد لإيقافها وكانت المفاوضات جارية مع حماس من أجل وقف إطلاق نار ممتد، وكان مستعدا للموافقة على تسوية، وقد أرسل مبعوثا لنقل موقف إسرائيل الجديد إلى الوسطاء المصريين، وفي اجتماع في نيسان/أبريل 2024 بوزارة الدفاع في تل أبيب، كان عليه إقناع حكومته بالموافقة.
وأضاف التحقيق أن نتنياهو أبقى الخطة خارج جدول أعمال الاجتماع المكتوب، وكانت الفكرة هي الكشف عنها فجأة، مما يمنع الوزراء المعارضين من تنسيق ردهم.
وكشف التحقيق أن الاقتراح المطروح كان يهدف إلى وقف حرب غزة لستة أسابيع على الأقل، وأن يتيح فرصةً للتفاوض مع حماس بشأن هدنة دائمة، وكان من الممكن إطلاق سراح أكثر من 30 أسيرا لدى حماس خلال أسابيع. وإطلاق سراح المزيد حال امددت الهدنة.
وأشار التحقيق أنه كان من الممكن أن يتوقف دمار غزة، حيث كان نحو مليوني شخص يحاولون النجاة من الهجمات اليومية، وكان إنهاء الحرب سيزيد من فرص التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع السعودية، أقوى دولة في العالم العربي.
وتابع التحقيق أن القيادة السعودية أبدت سرا استعدادها لتسريع محادثات السلام مع إسرائيل، شريطة توقف الحرب في غزة، كان من شأن تطبيع العلاقات بين الحكومتين السعودية والإسرائيلية، وهو إنجاز استعصى على كل زعيم إسرائيلي منذ تأسيس دولة الاحتلال عام 1948، أن يضمن مكانة إسرائيل في المنطقة، ويضمن إرث نتنياهو على المدى الطويل.
وأردف التحقيق أنه في المقابل فالهدنة كانت ستأني بثمن باهظ على نتنياهو، وهو انهيار ائتلافه المتطرف الذي يطالب بإدامة الحرب حتى يتم احتلال غزة وإعادة الاستيطان، وهدد هذا الائتلاف بإسقاط الحكومة، مما يعني انتخابات جديدة لا يضمن نتنياهو الفوز بها، إلى جانب اتهامات الفساد التي تلاحقه.
وأضاف التحقيق أنه رغم استعداد نتنياهو للمضي في الهدنة إلا أن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قاطع الجلسة قائلا: "أريدك أن تعلم أنه إذا طُرح اتفاق استسلام كهذا، فلن يكون لديك حكومة"، "لقد انتهت الحكومة"، وفي تلك اللحظة، اضطر رئيس الوزراء للاختيار بين فرصة الهدنة وبقائه السياسي، فاختار نتنياهو البقاء، ووعد سموتريتش بأنه لا توجد خطة لوقف إطلاق النار، ومع تقدم نقاش مجلس الوزراء، انحنى نتنياهو بهدوء على مستشاريه الأمنيين وهمس بما بدا جليا لهم حينها: "لا تعرضوا الخطة".
ومن ناحية أخري أكد التحقيق أنه رغم ما حققه نتنياهو في حرب الـ 12 يوما ضد إيران، إلا أن ما ينتظر نتنياهو في أعقاب هذا هو قرار مصيريٌ أكثر بشأن حرب غزة، ولقد سوى الصراع معظم الأراضي بالأرض وأسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 55,000 شخصا، بالإضافة إلى العديد من المدنيين، منهم ما يقرب من 10,000 طفلا دون سن الحادية عشرة.
وقال معدوا التحقيق أنه حتى وإن نجحت المفاوضات أخيرا في إيقاف الغارات الإسرائيلية خلال الأيام المقبلة، فإنها بالفعل أطول حرب شديدة الشدة في تاريخ إسرائيل - أطول من الحروب التي أحاطت بتأسيسها عام 1948، وأطول من حرب يوم الغفران التي دافعت عن حدودها عام 1973، وأطول بكثير، بالطبع، من حرب الأيام الستة بين العرب وإسرائيل عام 1967.
وتابع التحقيق أنه مع استمرار الحرب تراجع التعاطف الدولي مع الاحتلال الإسرائيل حيث تواجه إسرائيل اتهامات إبادة جماعية في غزة أمام محكمة العدل الدولية، وفي أمريكا أدى فشل الرئيس جو بايدن في إنهاء الحرب إلى انقسام الحزب الديمقراطي، وساهم في إثارة الاضطرابات التي أعادت الرئيس ترامب إلى السلطة، أما في إسرائيل، فاقمت الحرب المطولة الخلافات الحادة حول أولويات البلاد، وطبيعة ديمقراطيتها، وشرعية نتنياهو كزعيم.
وتساءلت الصحيفة: "لماذا، بعد مرور ما يقرب من عامين لم تصل الحرب إلى نهاية حاسمة بعد؟ لماذا رفضت إسرائيل مرارا فرص خفض التصعيد، وبدلا من ذلك وسعت طموحاتها العسكرية إلى لبنان وسوريا والآن إلى إيران؟ لماذا استمرت الحرب، حتى مع استهداف قيادة حماس ودعوة المزيد من الإسرائيليين إلى وقف إطلاق النار؟" ومع أن الكثير من الإسرائيليين يتهمون حماس بأنها أطالت الحرب ورفضت الاستسلام، لكن يعتقد الكثيرون بشكل متزايد أن إسرائيل كان بإمكانها إبرام صفقة مبكرة لإنهاء الحرب، ويتهمون نتنياهو، الذي يتمتع بالسلطة المطلقة على الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، بمنع التوصل إلى تلك الصفقة.
ولفهم دور نتنياهو في إطالة أمد الحرب، تحدثت الصحيفة مع أكثر من 110 مسؤولا في إسرائيل والولايات المتحدة والعالم العربي، وقد التقى جميع هؤلاء المسؤولين، من مؤيدين ومنتقدين، برئيس الوزراء أو راقبوه أو عملوا معه منذ بداية الحرب، كما راجعت الصحيفة عشرات الوثائق، بما في ذلك محاضر اجتماعات الحكومة، والاتصالات بين المسؤولي وسجلات المفاوضات وخطط الحرب وتقييمات الاستخبارات وبروتوكولات حماس السرية ووثائق المحاكم، وللأسباب الواضحة، فقد أطال نتنياهو الحرب خدمة لمصلحته السياسية الشخصية.
وأضاف الصحيفة أنه سواء اعتقدوا ذلك أم لا، فقد اتفق كل من تحدثت إليهم على أمر واحد: إن امتداد الحرب وتوسعها كانا في صالح نتنياهو، وعندما بدأت الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بدا أنها ستنهي مسيرة نتنياهو السياسية، وكان التوقع العام أن الحرب ستهدأ في أوائل عام 2024، وأن ائتلاف نتنياهو سينهار، وسيحاسب قريبا على الفشل الأمني الذريع.
وأشارت الصحفية إلى أن نتنياهو استغل الحرب لتحسين حظوظه السياسية، في البداية لمجرد البقاء، ثم لتحقيق النصر بشروطه الخاصة، بعد ما يقرب من عامين، لا يزال يواجه اتهامات خطيرة بالفساد، لكن لديه فرصة جيدة لحكم إسرائيل حتى الانتخابات العامة المقرر إجراؤها بحلول تشرين الأول/أكتوبر 2026، عندما سيكون عمره 77 عاما - ومن المرجح أن يفوز بها.
ومهما كانت دوافع نتنياهو الأخرى غير البقاء في السلطة إلا أن تحليل الصحيفة قاد إلى ثلاثة استنتاجات حتمية، ففي السنوات التي سبقت الحرب، ساهم نهج نتنياهو تجاه حماس في تقوية الحركة، مما أتاح لها المجال للاستعداد سرا للحرب. في الأشهر التي سبقت تلك الحرب، أدى سعي نتنياهو لتقويض القضاء الإسرائيلي إلى تعميق الانقسامات العميقة أصلا داخل المجتمع الإسرائيلي وإضعاف جيشه، مما جعل إسرائيل تبدو ضعيفة وشجع حماس على الاستعداد لهجومها.
وتابع التحقيق أنه بمجرد بدء الحرب، غلبت على قرارات نتنياهو أحيانا الحاجة السياسية والشخصية بدلًا من الضرورة العسكرية أو الوطنية فحسب، وكشف تحقيق الصحيفة أن قرارات نتنياهو أثناء الحرب، أمد القتال في غزة أكثر مما رأته القيادة العسكرية الإسرائيلية العليا ضروريا.
وأكد التحقيقي أن ذلك يعود جزئيا إلى رفض نتنياهو، قبل سنوات من 7 تشرين الأول/أكتوبر، الاستقالة عند اتهامه بالفساد، وهو قرار أفقده دعم المعتدلين في إسرائيل، بل وحتى بعض اليمين الإسرائيلي، وفي السنوات التي تلت محاكمته التي لا تزال جارية، والتي بدأت عام 2020، بنى نتنياهو أغلبية هشة في البرلمان الإسرائيلي من خلال تحالفاته مع أحزاب اليمين المتطرف.
وكشف التحقيق أن ذلك أبقاه في السلطة، لكنه ربط مصيره بمواقفها المتطرفة، سواء قبل الحرب أو بعدها، وقد أبطأ نتنياهو، وتحت ضغوط من حلفائه في الائتلاف، مفاوضات وقف إطلاق النار في لحظات حاسمة، مضيعا نوافذ كانت حماس أقل معارضة فيها للاتفاق، لقد تجنب التخطيط لانتقال السلطة بعد الحرب، مما جعل من الصعب توجيه الحرب نحو نهاية اللعبة، ولقد واصل الحرب في نيسان/ أبريل وتموز/يوليو 2024، حتى عندما أخبره كبار الجنرالات أنه لا توجد ميزة عسكرية أخرى للاستمرار.
وقال كاتبوا التحقيق أنه عندما بدا أن الزخم نحو وقف إطلاق النار ينمو، نسب نتنياهو أهمية مفاجئة إلى الأهداف العسكرية التي بدا في السابق أقل اهتماما بالسعي إليها، مثل الاستيلاء على مدينة رفح الجنوبية واحتلال الحدود بين غزة ومصر لاحقا، وعندما تم التوصل أخيرا إلى وقف إطلاق نار ممتد في كانون الثاني/يناير، انتهك الهدنة في آذار/مارس جزئيا للحفاظ على سلامة ائتلافه.
وتابع التحقيق أن ثمن التأخير كان باهظا: فمع مرور كل أسبوع كان التأخير يعني موت مئات الفلسطينيين ورعب آلاف آخرين، كما أدى إلى وفاة ثمانية أسرى آخرين على الأقل في الأسر، مما عمق الانقسامات في إسرائيل بين من سعوا إلى صفقة لإطلاق سراح الأسرى قبل كل شيء، ومن اعتقدوا أن الحرب يجب أن تستمر حتى تدمير حماس.
وقد أدى ذلك إلى تأخير الصفقة السعودية، وشوه صورة إسرائيل في الخارج، ودفع المدعين العامين في المحكمة الجنائية الدولية إلى المطالبة باعتقال نتنياهو، لكن بالنسبة لنتنياهو، كانت المكافآت الفورية مهمة، فقد عزز سيطرة على الدولة الإسرائيلية أكثر من أي وقت مضى خلال فترة ولايته التي استمرت 18 عاما كرئيس للوزراء، ونجح في منع تحقيق حكومي كان من شأنه أن ينظر في مسؤوليته، قائلاً إن التداعيات يجب أن تنتظر حتى تنتهي حرب غزة، حتى مع إقالة أو استقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس جهاز المخابرات الداخلية وعدد من كبار الجنرالات.
وبحسب التحقيق وبينما يحضر المحكمة ثلاث مرات أسبوعيا لمحاكمته بتهم الفساد، تتجه حكومته الآن لإقالة النائب العام التي تشرف على هذه المحاكمة كما عزز استمرار الحرب ائتلافه، ومنحه الوقت للتخطيط لهجومه على إيران وتنفيذه. والأهم من ذلك، كما يشير حتى أقوى مؤيديه، أنه أبقاه في منصبه. يقول سروليك إينهورن، الخبير الاستراتيجي السياسي وأحد أفراد الدائرة المقربة من نتنياهو: "حقق نتنياهو عودة سياسية لم يظن أحد، ولا حتى أقرب حلفائه، أنها ممكنة".
وكشف التحقيق أن قيادة نتنياهو أعادت، خلال حرب مطولة مع حماس وهجوم جريء على إيران، رسم الخريطة السياسية، وهو الآن في وضع قوي للفوز بالانتخابات مجددا، وأشارت الصحيفة إلى تقارير أمنية عن المخاطر التي تواجه إسرائيل قبل هجمات 2023، وهي تعود إلى تموز/يوليو من ذلك العام.
وعندما شعر هرتسي هاليفي، القائد العام للجيش الإسرائيلي، بالكارثة، حاول التواصل مع نتنياهو، في محاولة لم تعلن عنها سابقا لحث رئيس الوزراء على قراءة نتائج التقرير الأمني. وكان هاليفي ومسؤولون كبار آخرون، بمن فيهم وزير الدفاع، قد قدموا نتائج مماثلة لنتنياهو في الأشهر والأسابيع السابقة، دون جدوى.
ومن ناحية أخرى كشف التحقيق أن نتنياهو علم بهجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر لأول مرة في ذلك الصباح الساعة 6:29 صباحا، عندما أيقظته مكالمة واتساب من جيل، كبير مستشاريه العسكريين وكانت محادثة قصيرة، وبينما دوّت صفارات الإنذار في الخلفية، أخبر جيل نتنياهو أن حماس شنت للتو هجوما، وطلب من رئيس الوزراء أن يهز نفسه ويستيقظ، ووعده بمعاودة الاتصال بعد بضع دقائق - هذه المرة من هاتف نتنياهو المشفر.
وأضاف أنه بعد دقائق من بدء الحرب، كانت هذه أول إشارة إلى كيفية سعي نتنياهو لإطالة أمد بقائه السياسي، كان رؤساء الأجهزة الأمنية قد وجهوا له تحذيرا استراتيجيا للحرب، لكن نتنياهو حرص على التأكيد في هذه المكالمة المسجلة على أنها لا تتعلق تحديدًا بغزو مباشر من غزة، ولاحقًا في الحرب، اشتكى نتنياهو علنا من أنه استيقظ متأخرا جدا، وأنه لو كان قد تم تنبيهه في وقت أبكر، لكانت الكارثة قد تفادت.
والحقيقة هي أنه بمجرد استيقاظه، لم يكن له تأثير يذكر في ذلك الصباح على رد الفعل الأولي لإسرائيل. أدار غالانت، وزير الدفاع، وهاليفي، قائد الجيش، ترتيب المعركة الفوري على بعد عدة طوابق تحت مقر القيادة العسكرية في تل أبيب، في مركز قيادة تحت الأرض يُعرف باسم "الحفرة" والتي زارها نتنياهو بشكل وجيز في الساعة 10:00 صباحا. وكان أول قرار مهم لنتنياهو كهو إصدار أمر للجنرالات بقصف غزة بمستوى جديد من القوة.
وتقول الصحيفة إن من بين أسباب تردد الحكومة في الرد هي أن وزراء الحكومة أمضوا تسعة أشهر وهم يتجاهلون التهديدات الخارجية سعيا وراء أهداف داخلية مثيرة للجدل، واجه بعض الوزراء رعب اللحظة الراهنة حتى مع بروز عواقبها السياسية.
وجلس ياريف ليفين، وزير العدل ومهندس الإصلاح القضائي، على الدرج يبكي، وفقاً لشاهدين. فيما لخص سموتريتش الوضع قائلاً: "خلال 48 ساعة، سيطالبوننا بالاستقالة بسبب هذه الفوضى، وسيكونون على حق". وحتى في أسوأ أيامه السياسية، كان نتنياهو يرسم طريقه نحو البقاء السياسي، خلال الأيام الفوضوية التالية، صد الجيش هجوم حماس، وتعامل مع من تبقى من عناصرها، وبدأ التخطيط لغزو غزة.
وفي الخلفية بدأ نتنياهو يخطط لضم حلفاء جدد من المعارضة، مثل بيني غانتس. خلال الأشهر الأولى من الحرب، كان بقاء نتنياهو مرهونا بتحقيق توازن شبه مستحيل، كان عليه أن يفعل ما يكفي لتهدئة بايدن، الذي كان دعمه الدبلوماسي ومساعدته العسكرية أساسيين لإطالة أمد المجهود الحربي الإسرائيلي، مع عدم بذل جهد يذكر لعزل اليمين المتطرف، الذي اعتمد عليه نتنياهو في مسيرته السياسية.
اتضح تحدي إرضاء الطرفين بعد منتصف ليل 17 تشرين الأول/اكتوبر، أي بعد عشرة أيام من الهجوم. في الطابق الرابع تحت مقر القيادة العسكرية في تل أبيب، كان نتنياهو عاجزا عن الاختيار بين رغبات وفد أمريكي، جالسا في غرفة تحت الأرض، ورغبات وزراء حكومته، الجالسين في غرفة أخرى قريبة.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة إسرائيلية نتنياهو الحرب في غزة حماس الحكومة حماس نتنياهو الحكومة الحرب في غزة صحافة صحافة صحافة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تشرین الأول أکتوبر وقف إطلاق النار رئیس الوزراء وکشف التحقیق التحقیق أنه فی إسرائیل نتنیاهو فی الحرب فی فی غزة کان من
إقرأ أيضاً:
العراق: الأوهام والسياق السياسي!
في أيلول/ سبتمبر 2004 زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق أياد علاوي واشنطن، وألقى كلمة أمام الكونغرس الأمريكي، شكرهم فيها «بالنيابة عن الشعب العراقي» على احتلالهم العراق، ثم ختم كلمته بالقول: «لا توجد تعابير تصف امتنان الأجيال المقبلة من العراقيين تجاه الأمريكيين»! وفي تموز 2006، زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق نوري المالكي واشنطن أيضا، وألقى كلمته أمام جلسة مشتركة بين مجلسي الشيوخ والنواب، عبر فيها عن شكره وامتنانه لجهود الإدارة الأمريكية في العراق، قال فيها «إن مصير بلادنا وبلادكم مترابط»!
وبعيدا عن خطابات الشكر والامتنان، كانت الأخبار تتوالى عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم تُوقع بين العراق وشركات أمريكية، بينها اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين البلدين في 2008 التي نصت على علاقة «صداقة وتعاون طويلة الأمد» بين البلدين، وكانت الفقرة المتعلقة بـ «التعاون في مجالي الاقتصاد والطاقة» هي الفقرة الأطول في الاتفاقية، وتحدثت عن «تسهيل انسياب الاستثمار المباشر إلى العراق»!
وفي نيسان 2015 زار رئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي واشنطن والتقى مجموعة من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى في مختلف القطاعات المالية والمصرفية والتجارية والنفطية والتقنية، كما قال بيان صادر عن مكتبه يومها، وأبدى لهم رغبة العراق «بدخول الشركات العالمية للاستثمار في البلد»! وكان من بين رؤساء الشركات الذين التقاهم العبادي حينها، رئيسا شركتي أوكسدنتال بتروليوم واكسون موبيل الذين عبروا للعبادي عن «رغبتهم في الاستمرار في العمل في العراق». لكن الشركة الأولى انسحبت من العراق في العام نفسه وتخلت عن حصتها في حقل الزبير النفطي، فيما أتمت الشركة الثانية انسحابها الكامل من حقل غرب القرنة عام 2024!
في نيسان 2024، زار رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني واشنطن، والتقى عددا من رؤساء وممثلي الشركات الأمريكية الكبرى في غرفة التجارة الأمريكية، ووقع خلالها 18 مذكرة تفاهم مع شركات أمريكية كبرى لتنفيذ مشاريع في قطاعات الكهرباء والنفط والدواء والاقتصاد، وفقا لبيان المكتب الإعلامي للسوداني.
كما حضر السوداني في شباط 2026 ، وبحضور المبعوث الأمريكي توم براك، مراسيم توقيع اتفاق مبادئ أولية مع شركة شيفرون الأمريكية بشأن حقلي غرب القرنة/ 2 وحقل الناصرية وحقل بلد في صلاح الدين!
بعد هذا يطرحُ السؤال؛ لماذا لم تتحول هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى واقع على الأرض؟
فمنذ 2004 والعراق يوقع دوريا على اتفاقات وعقود مثلا مع شركة جنرال أليكتريك الأمريكية بشكل رئيسي، ومع شركة سيمنز الألمانية أحيانا أخرى، لكن قطاع الكهرباء في العراق يعاني من مشكلات عميقة على مستوى الإنتاج والتجهيز!
أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية
ورغم توقيع اتفاقيات مع شركات نفطية كبرى، كانت هذه الشركات تنسحب الواحدة تلو الأخرى من العراق (انسحبت شركات واكسون موبيل وأوكسدنتال بتروليوم الأمريكية كما انسحبت شركات شيل وبريتش بتروليوم ولوك اويل، وأخيرا أعلنت شركتا، بعد توقيع اتفاقيات الزيدي مباشرة، HKN Energy و Gulf Keystone العاملتان في إقليم كردستان وقف جميع عملياتهما في العراق بسبب الوضع الأمني)!
لا يمكن التعاطي مع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدى في زيارته الأخيرة لواشنطن بجدية دون، تقديم إجابة على السؤال أعلاه. خاصة أن الغالبية العظمى من مذكرات التفاهم هذه مجرد إعلان نوايا، بحاجة إلى كثير من الدراسة والعمل قبل أن تتحول إلى واقع حقيقي.
وأذكر في هذا السياق، الحديث المتفائل عن مد خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية، أو عن إحياء خط كركوك بانياس القديم، وهو تفاؤل ساذج سذاجة ما طرحه توم براك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، حين تحدث عن «برنامج إقليمي» العراق طرف فيه، «يجعل مضيق هرمز أمرا ثانويا وغير ذي أهمية» خلال عامين، وكأن المسألة مجرد مسألة «فنية» بحت!
لا يمكن بهذه البساطة القفز على تاريخ طويل من الصراع بين العراق وسوريا، كان سببا في إيقاف العمل بخط كركوك بانياس عام 1982 في سياق الحرب العراقية الإيرانية! وهو ما أجبر العراق على بناء خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع عبر المملكة العربية السعودية في العام 1986، وهذا الخط تمت مصادرته، واستخدام الأنابيب المارة في الجانب السعودي ليربط بين المنطقة الشرقية وميناء ينبع! كما لا يمكن القفز على حقيقة الخلافات العراقية التركية حول خط الأنابيب الرابط بين كركوك وميناء جيهان، وهو ما منع تصدير النفط عبره في السنوات الأخيرة!
أنابيب النفط ليست مسائل فنية وحسب، بل هي على تماس مباشر مع الجيوسياسة والجيواقتصاد، وهي أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، وبالتالي من السذاجة التوهم بأن مجرد توقيع مذكرة تفاهم بهذا الشأن، يعني أن الخطة قابلة للتحقق! فلن تسمح إيران، ما دامت لم تخسر حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وما دامت محافظة على تغولها السياسي في العراق عبر الفاعلين السياسيين الشيعة الموالين لها، بأي تحرك بهذا الاتجاه، تماما كما وقفت ضد فكرة طريق التنمية وأجهضته! هذا فضلا عن موقف الفاعلين السياسيين الجماعي ضد التغيير في سوريا، فهم لا يزالون يعتقدون أن هذا التغيير يشكِل خطرا وجوديا يمكنه أن يقوِض احتكارهم للدولة العراقية، ولا يمكن أن يتغير موقفهم هذا باتجاه مزيد من الترابط مع سوريا!
لا يمكن التعويل على أية اتفاقيات أو مذكرات تفاهم توقع في واشنطن أو في بغداد، مادام العراق لم يحسم خياراته كدولة، ومادام الفاعل السياسي الشيعي مصرّ على عدم فك الارتباط مع إيران، بسبب شعوره أنها تشكل الضامن الوحيد لاحتكاره الدولة والسلطة في العراق، ومادامت الولايات المتحدة نفسها لا تزال إلى اليوم، تمارس لعبتها المزدوجة (بين خطاب رافض لأي دور إيراني في العراق وبين ممارسة براغماتية تتعامل معها كشريك في العراق)
فإيران غير مستعدة للتخلي عن غنيمتها / العراق، والأمريكان غير جادين في حسم موقفهم من العراق، والطبقة السياسية العراقية لا تملك الإرادة لتجاوز دور التابع، ما دامت ضمنت استمرارها في السلطة، وبالتالي استمرار استثماراتها في المال العام، لأجل ذلك كلّه ليس ثمة مؤشر على أن العراق سيخرج من حلقة الفشل هذه قريبا!
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.