حضرتُ قبل عام ملتقى للذكاء الاصطناعي، وأُفرِدت جلسةٌ من جلساته؛ لمناقشة جدلية مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي ومن يملك حقوق ملكيتها: هل الإنسان الذي أطلق شرارة فكره، فدفعت بيده إلى نقر أزرار الحروف على حاسوبه ليعطي أمرَ الكتابة إلى الكائن الرقمي، أم أن النموذجَ صاحبُ هذه الملكية؟ وما زال الجدل قائما؛ فللقضية أبعاد أخلاقية تتعلق بآلية استعمالات نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية مثل «شات جي بي تي»، وخصومه الآخرين.

وتركّزت مؤخرا مواضعُ النقدِ وجدلياته في حيّز التوليد النصي - نثرا وشعرا-؛ فلم تعد النماذج الذكية محصورة في حدود صناعة النص النثري وتوليده، وإنما تعدى الأمر إلى قرض الشعر، ونظم بحوره، وضبط قوافيه بأسلوب يدهش الشعراء، ونراه فنانا ومبرمجا مبدعًا لا يشق له غبار. وحال عدنا بالزمن 5 سنوات أو أكثر؛ سيعدّ كثيرٌ منا مثلَ هذا التفوقَ الرقمي تجاوزا لمعايير الدهشة، وقوانين العلم السائدة. ولا عجب أن نقول: إن هذه المتسارعات الرقمية لا يمكن التنبؤ بحدود إبداعاتها القادمة إلا في حدود التوقعات العلمية الظنيّة الأقرب إلى الخيال العلمي، وأدبه الروائي، ومصادفاته المتحققة كما استشهدنا في غير موضع ومقال بما جاء في رواية «1984» لجورج أوريل. وفي خضّم موضوعنا الحالي الساخن سبق لي الحديث بسرد علمي مبسّط عن آلية صناعة النص والصورة بواسطة خوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، وبيّنتُ أن عمليةَ التوليد اللغوي والمرئي عبر هذه النماذج أقربُ أن نصفها بعملية التنبؤ وليس الصناعة الذاتية والتوليد الناتج من بنات أفكار كائننا الرقمي، وحينها ينبغي أن نتساءل: أيكون النموذج المالك الحصري للنص المُنتَج أم أن النموذج نفسه يستقي أفكاره من خارج دائرته الرقمية ولا يملك حينها حقوقَ ملكية الأفكار بما فيها النص المُنتَج؟

قبل أن نجيب بنعم أو لا سنوجّه دفةَ الأذهانِ نحو حقيقةٍ مُدركة لدى الغالبية مفادها أن النماذجَ الذكية بما فيه التوليدية - مثل صاحبنا «شات جي بي تي»- تعتمد بشكل رئيس على وقودِ البيانات التي كلما زادت كميتها وتنوعّها زادت كفاءة النموذج وسرعته التنبؤية. ولا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن ننكر أن الإنسانَ مصدرُ هذه البيانات وصانعُها الأول فتأتي متراكمةً بصبغتها الجمعية؛ فلا يسهل تحديد صانع أو صنّاع بعينهم لهذه البيانات «النصية» التي تعكس في أصلها إبداع الإنسان وتراكماته اللغوية عبر التاريخ البشري المُسجّل. فنجد النثرَ بأسلوبه القصصي والخطابي والمسجوع بما يتخلله من انعكاساتٍ نفسيةٍ تترجم حالة كاتبها «الإنسان»، وكذلك حال الشعر بمراتبه وبحوره المتعددة؛ لتشكّل بمجموعِها الكلّي ما نسمّيه بالبيانات، فيتغذّى عليها النموذجُ التوليدي بدايةً عبر عملية التدرّب، وبعدها المحاولة الجادة لعملية التنبؤ، فتكون عمليةً تنبؤيةً بامتياز يمكن أن تتفوق على الإنسان في سرعة تنبؤها للنص الآتي، فنكتب -مثلا-: سلطنة عُمان ذات تاريخ ...، ونترك بقية الكلام للنموذج، فسيسهب في ضخ النص تلو النص مشكلا نصوصا وفقرات تسرد الكثير عن التاريخ العُماني، وقسْ على ذلك أيّ موضوع آخر؛ لامتلاكه ملَكَة التوليد الاصطناعي وفقَ قانون «التنبؤ النصي».

يمكن أن نستنتجَ عبر ما سقناه من شرحٍ مبسّط لآلية التنبؤ النصي عند النموذج، واعتماده الكلّي على البيانات المتدفقة إليه، وتدرّبه عليها بواسطة خوارزمية التعلّم «Learning Algorithm» أن النموذج لا يملك حقوقَ النصِ وملكيته، وإنما تعود الملكية الفكرية إلى الإنسان نفسه بصبغته الجمعية التراكمية. ويقودنا هذا إلى سؤال آخر: هل يمكن حينها أن نقول: إن الخوارزمية تسرق أفكارنا، وتعيد توليدها؟ بكل تأكيد لا يحق لنا أن نصفَ الخوارزمية بالسارقة؛ فالخوارزمية بنية رياضية ليست عقلا، أو وعيا مستقلا، وإنما أقربُ صبغةً إلى ماهية الدماغ الرقمي ذي الشبكات العصبية المتشابكة المتصلة ببيانات خارجية مصدرها العقل البشري، ووعيه الجمعي، ومجموع تجاربه المعرفية والثقافية؛ ولهذا يمكن أن يحدث العكس بأن يعيد الإنسانُ «الفرد» استعمالَ هذه النصوص بكليّتها ذات الملكية العامة التي تمثّل المنظومة البشرية الجمعية؛ فينسبها إلى نفسه المفردة دون أيّ اعتبارات أخلاقية، فيعدّ سارقًا.

تجرّنا مجريات حديثنا في السطور السابقة إلى تحديد مفهوم «الاستعمال الأخلاقي» للنماذج التوليدية فيما يتعلق بصناعة النص. ولنختصر المسألة سنعود إلى سنوات منصرمة حين لم تكن النماذجُ الذكيةُ شيئًا مذكورا، فكانت أسيرة لمحابسِها المختبرية وسطورها البرمجية أو لاستعمالاتها الأمنية والعسكرية السرّية؛ لنسترجع بذاكرتنا صاحبنا القديم «جوجل» الذي تزعّم لردهة من الزمن المشهدَ البحثي، ومخازنه النصيّة التقليدية، فخاض الأكاديميون ومحاربو الانتحال النصي معاركَ حاميةَ الوطيسِ -تفوق معارك العقّاد الأدبية- انتصر فيها الإنسانُ، فأسفرت عن ولادة برامجَ كاشفة للانتحال ومصادر النص الأصلية، فوُضِعت لأجل هذا ضوابطُ أخلاقية حددت أساليبَ تفاعلنا مع «جوجل» وصفحات الإنترنت بعمومها؛ لتكفلَ الحق الخاص والعام. ولكن مع حالة النماذج التوليدية بات الأمرُ مختلفًا؛ فلا تملك النماذجُ الذكية بتوليدها النصي التنبؤي -في معظم حالاتها- قدرةً على تحديد منبع النص الأول، وإن طُلبَ منها ذلك فأغلب ما ستدّعيه يكون باطلا ومضللا لا يعكس مكامن الحق وأصحابه، وهذا ما يجعل مفهومنا بـ«الاستعمال الأخلاقي» مع النماذج التوليدية معقّدا؛ فنبتدع بدعةً حسنةً في تحديد أُطرٍ للاستعمال الأخلاقي للنماذج التوليدية منها: يمكن الاستفادة من قدرة النماذج التوليدية على الحوار المنطقي؛ لتوليد الأفكار ومفاصلها التفرعيّة في ذهن الإنسان «الكاتب أو الباحث»، فيكون النموذج اللغوي مستشارا في مهام استنهاض الأفكار، ومراجعة النص البشري وتحسينه -ولإضفاء طابع الأمانة العلمية يُذكر: رُوجِعَ النصُ وحُسِّنَ بواسطة الذكاء الاصطناعي- دون السماح بتجاوز هذه الممارسة بأن يُكتبَ النصُ بواسطة الذكاء الاصطناعي، فينسبه الإنسانُ إلى نفسه، فيكون حينها سارقًا. كذلك ننبّه أثناء عملية تقصّي المعلومات واستدعائها عن طريق النماذج التوليدية أنها بظاهرتها «الهلوسيّة» والمغايرة للحقائق نتيجة آليتها التنبؤية للنص؛ لا تكون -أحيانا كثيرة- معلوماتها أو على الأقل مصادرها مطابقةً للواقع، وحينها يتطلب أن نتحقق من هذه المعلومات بواسطة وسائلنا التقليدية.

نأتي إلى قضية طرق كشفنا لحالات السرقة النصية من النماذج التوليدية؛ فأجدها طرقًا نسبيةً -من حيثُ أحكامها- تعتمد الحدس الذاتي، وشكّه المنهجي، والحكم العقلي الموضوعي الظني من قبل إنسان آخر. ولا أعرفُ أداةً أو وسيلةً رقمية تملك قدرةَ التحقق القطعي لمصدر النص المكتوب إن كان من توليد الخوارزمية أم الإنسان مثل التي نستعملها مع المنظومات التقليدية؛ ولهذا يمكن -حتى وقتنا الحالي- اعتماد الجهد البشري عبر آلية التمييز والمقارنة. فالنص البشري الصميم ينبض بمشاعر كاتبه؛ فيعكس السريان الوجداني للكاتب دون تغييب لبصمته الخاصة. لعلّنا مع تقادم تجربتنا بهذا الكائن الرقمي ستقلّ مخاوفُنا بتلاشي الدهشة، وقدرتنا على مواجهة التحديات؛ فكل ما نحتاج إليه أن نغيّر من سلوكيات ممارساتنا مع هذا الكائن الرقمي، فنجعله حليفًا معينًا لنا في مهامنا المهنية والمعرفية، لا كابحًا لثورة عقولنا وساحقًا لإبداعنا البشري ومهمّشًا له. فليس معيبا أن نقرّه مرشدا للكاتب والشاعر -المبتدئ وليس الحصيف- عبر تعدينه للكلمات والأفكار واستخراجها دون منحه فرصةَ تقمّصِ شخصيةِ الكاتب والشاعر، وهذا ما يحق للباحث أن يمارسه عبر استدعائه السريع للمعلومات، وتلخيصه للدراسات. وليس معيبا أن يمدّ المبرمجَ بمكنونات لغات البرمجة وأسرارها الرياضية المعقّدة؛ لإضفاء سرعةٍ برمجيةٍ ترفد أنظمتنا الرقمية الخاملة، وليس معيبا أن نراه موجّهًا للأستاذ والطالب والمحاسب والرئيس التنفيذي. كل ما في الأمر أن نشكّل «تعاقدية أخلاقية» مع صاحبنا الجديد الذي لا يُنكرُ فضله الذي تجاوز حدودَ النص؛ فأعانَ في تطوير البرمجة -بشهادتي وشهادة من أعرف-، وبات مرجعًا في القضايا القانونية -بشهادة أرباب القانون ومستشاريه-، ولكن لنتذكرَ أن الخوارزميةَ أسيرةُ الإنسان وأفكاره كما أن الإنسانَ أسيرُ معارفه وأدواتها.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته

تشير دراسات طبية حديثة إلى أن اضطرابات النوم باتت تُعد “وباءً صامتًا” يؤثر في صحة الإنسان والمجتمع، إذ يعاني نحو ثلث سكان العالم من مشكلات نوم مزمنة تشمل الأرق، وصعوبة الخلود إلى النوم، أو الاستيقاظ المتكرر أثناء الليل، وما يترتب عليها من آثار صحية واقتصادية واسعة النطاق.
وفي الدراسات الحديثة استنبط العلماء أن النوم يُمثّل حاجة بيولوجية أساسية، يقوم خلالها الدماغ بتنظيم التنفس وضغط الدم والهرمونات، إضافة إلى معالجة المعلومات وتكوين الذكريات، مشيرين إلى أن الحصول على نومٍ كافٍ يُسهم في تحسين صحة القلب، وتقليل التوتر، ودعم الذاكرة والانتباه، والحد من مخاطر الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والسكتة الدماغية.
وفي الأوساط الطبية يبرز اهتمام الدراسات الحديثة بطب النوم بوصفه تخصصًا حديثًا يُعنى بتشخيص اضطرابات النوم وعلاجها وفهم أثرها المباشر على صحة الإنسان، إذ تشير هذه الدراسات إلى أن النوم ضرورة حيوية لا تقل أهمية عن الغذاء والهواء، حيث يقضي الإنسان نحو ثلث حياته نائمًا وهي الفترة التي يُعيد فيها الجسم ضبط وظائفه الحيوية، ويعمل الدماغ خلال الليل على تثبيت ما اكتسبه الشخص من معلومات جديدة ومعالجتها، كما يحافظ النوم الكافي على صحة القلب والأوعية الدموية ويضبط عملية التمثيل الغذائي.
واعتمدت هيئة الصحة العامة السعودية (وقاية) عام 2021، إرشادات وطنية لمدة النوم المُثلى، بُنيت على أحدث الأدلة العلمية بمشاركة فريق من المختصين، حيث خلصت إلى أن حديثي الولادة يحتاجون إلى 14 إلى 17 ساعة نوم في اليوم، بينما الرضع أقل من عام ينامون من 12 إلى 16 ساعة، في حين ينام أطفال السنة والسنتين من 11 إلى 14 ساعة، أما الأطفال من عمر 3 إلى 5 سنوات فينامون بمعدل 10 إلى 13 ساعة، والأطفال من عمر 6 إلى 12 عامًا فينامون من 9 إلى 12 ساعة، والمراهقون من 13 إلى 17 عامًا فتكفيهم من 8 إلى 10 ساعات، في حين ينام البالغون مابين عمر 18 إلى 64 عامًا من 7 إلى 9 ساعات، وأخيرًا ينام كبار السن من هم فوق 65 عامًا من 7 إلى 8 ساعات يوميًا.
وفي هذا السياق أكد مدير المركز الجامعي لطب وأبحاث النوم بكلية الطب والمدينة الطبية بجامعة الملك سعود البروفيسور أحمد سالم باهمام لوكالة الأنباء السعودية، أن صحة النوم لا تقاس بعدد الساعات فقط، بل هي منظومة متعددة الأبعاد تشمل المدة وانتظام المواعيد وتوقيت النوم وكفاءته والرضا عنه ودرجة اليقظة خلال النهار، محذرًا من إهمال أي من هذه الأبعاد.
واستشهد باهمام بدراسة بريطانية واسعة من “بنك المملكة المتحدة الحيوي”، رصدت أنماط نوم أكثر من 80 ألف شخص بأجهزة تُلبس في المعصم، وأظهرت أن من يخلدون إلى النوم بين العاشرة والحادية عشرة مساءً كانوا أقل عرضة للإصابة بأمراض القلب، وأن خطر أمراض القلب يرتفع بنسبة 25% عند النوم بعد منتصف الليل، وبنسبة 12 % عند النوم بين الحادية عشرة ومنتصف الليل.
وفي ورقة بحثية نشرها باهمام بمشاركة فريق بحثي عالمي في يوليو 2026 بدورية “مراجعات طب النوم”، أشار فيها إلى أن صحة النوم ليست مجرد غياب أحد اضطرابات النوم، منوهًا بأن هناك شريحة واسعة من الناس ينامون نومًا متذبذبًا قليل الكفاءة، رغم عدم حملهم تشخيصًا مرضيًا، مثل العاملين بنظام “الورديات”، والوالدين في السنة الأولى بعد الولادة، ومن تفرض عليهم ظروف السكن أو العمل ببيئة نوم غير مناسبة، مؤكدًا أن تحسين النوم على مستوى المجتمع يحتاج إلى سياسات تنظيمية في أماكن العمل ومعايير للبيئة العمرانية لا إلى إرشادات فردية فحسب.
وشدد مدير المركز على أن الجسم البشري مبرمج على النوم ليلًا واليقظة نهارًا، وأن النوم الليلي يمنح جودة أعلى وتناغمًا أفضل مع الإيقاع الطبيعي للجسم، بينما محاولة الاستعاضة عنه بالنوم النهاري الطويل تربك هذا الإيقاع وتضعف جودة النوم، مشيرًا إلى أن القيلولة القصيرة التي لا تتجاوز نصف ساعة حول منتصف النهار، تُنعش المزاج وتنشط القدرات العقلية، لكن إطالتها تُدخل النائم مرحلة النوم العميق فيستيقظ مصابًا بكسل النوم.
وتناول البروفيسور باهمام في حديثه لـ”واس” اضطرابات النوم الشائعة، وفي مقدمتها الأرق، وانقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم الذي يُعد من أكثر الاضطرابات خطورة وأقلها تشخيصًا، ويرتبط بارتفاع ضغط الدم والنوبات القلبية والسكتات الدماغية والسكري، فضلًا عن ارتفاع خطر حوادث الطرق بسبب النعاس، موضحًا أن نسب الإصابة بعد سن الخامسة والستين تصل إلى نحو 28% من الرجال، و24% من النساء، لافتًا النظر إلى اضطرابات فرط النعاس مثل النوم القهري، والنوم المتقطع، وما تسببه من ضعف التركيز وتقلّب في المزاج وتراجع في الإنتاجية.
وبيّن أن الجسم يرسل إشارات واضحة عند قلة النوم، منها ضعف التركيز وتشتيت الانتباه والتوتر وتقلب المزاج وبطء الاستجابة وكثرة الأخطاء، وأن نقص النوم المزمن يرتبط بالسمنة والسكري من النوع الثاني وأمراض القلب وضعف المناعة والاكتئاب، مع وجود دلائل بحثية على احتمال صلة بين نقص النوم بعض أنواع السرطان.
وتطرق مدير مركز طب النوم إلى العوامل المؤثرة في جودة النوم، ومنها العوامل الوراثية التي تجعل بعض الناس أكثر عرضة للأرق أو أصحاب نمط صباحي أو مسائي، والتوتر النفسي الذي يثير فرط الاستثارة ويقف حائلًا دون النوم، والحمل الذي يغير أنماط نوم المرأة، إضافة إلى نمط الحياة من السهر ومواعيد الوجبات وقلة الحركة، ودور الضوء في ضبط الساعة البيولوجية، فالتعرض المفرط لشاشات الأجهزة الإلكترونية قبل النوم يخدع الدماغ ويؤخر إفراز هرمون النوم.
وقدّم باهمام مجموعة من التوصيات العملية لنوم أفضل، أبرزها تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ حتى في العطلات، وتقليل المنبهات كالقهوة والشاي في المساء، والابتعاد عن النيكوتين قبل النوم، وتهيئة غرفة نوم مظلمة هادئة، وحصر استعمال السرير في النوم لا في تصفح الهاتف أو مشاهدة التلفاز، وممارسة الرياضة بانتظام مع تجنّب التمارين العنيفة في وقت متأخر من الليل، محذرًا من اللجوء إلى الأدوية المنومة دون استشارة طبيب، ومؤكدًا أن العلاج المعرفي السلوكي للأرق يُعد الخيار الأول لعلاجه لأنه يعادل فعالية الأدوية دون آثارها الجانبية.
واستعرض باهمام أرقامًا عالمية تكشف خطورة قلة النوم إذ أظهر تحليل شامل جمع 79 دراسة وبيانات أكثر من مليوني شخص أن من ينامون أقل من 7 ساعات في الليلة يرتفع معدل خطر الوفاة لأي سبب بنسبة 14% مقارنة بمن ينامون 7 إلى 8 ساعات، وأن من ينامون 9 ساعات أو أكثر بانتظام يرتفع لديهم الخطر بنسبة 34%، فيما ترتفع مخاطر السكتة الدماغية بنسبة 29% لدى من ينامون 5 إلى 6 ساعات.
وحول نوم الأشخاص ذوي الإعاقة من المكفوفين، أوضح باهمام أن الساعة البيولوجية تقع في الدماغ وتنظم النوم والهرمونات من دون الحاجة إلى رؤية، لكنها تحتاج إلى إشارات زمنية، أهمها الضوء، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المكفوفين يحتفظون بساعة بيولوجية منضبطة ما داموا يدركون الضوء ولو من دون رؤية، بفضل خلايا خاصة في الشبكية تُعرف بالخلايا العقدية الحساسة للضوء، أما من فقدوا الإدراك الضوئي كليًا فيصابون بمتلازمة النوم الحر، أو اضطراب النوم واليقظة غير المتزامن مع اليوم، ما يؤدي إلى دورات متعاقبة من الأرق الليلي والنعاس النهاري واضطرابات المزاج، ويمكن علاجها بالميلاتونين المسائي والانتظام الصارم في المواعيد.
وخلص مدير المركز حديثه بالإشارة إلى نتائج دراسة طولية أجراها المركز على 38 مريضًا مصابًا بالنوم القهري من النوع الأول على مدى 10 أعوام، أظهرت أن 42 % منهم تمكنوا من إيقاف علاج شلل اليقظة دون عودة الأعراض، وأن نسبة من ينعمون بنوم ليلي جيد ارتفعت من 16% إلى 40%، مؤكدًا أن مسار المرض ليس ثابتًا وأن حالة المريض قد تتحسن مع الوقت والمتابعة الصحيحة، كما كشف أن المريض السعودي المصاب بالنوم القهري يقضي في المتوسط نحو 8 سنوات أو أكثر بين ظهور أعراضه الأولى وحصوله على التشخيص الصحيح، ما يعكس فجوة وعي يعمل المركز على سدها، لأن التشخيص المبكر يُغير مجرى حياة المريض، ويُعيد إليه قدرته على الدراسة والعمل والعيش بشكل طبيعي ومنتج.

مقالات مشابهة

  • جوتيريش: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره
  • حسّ الجماد 2
  • نظرية الميزان.. حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (٢)
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • القومي لثقافة الطفل : ارسم حلمك مبادرة تستهدف دراسة رسومات الأطفال للوصول إلى أفكار ورؤى للمستقبل
  • مصطفى بكري: تجربة عبد الناصر جمعت بين الإنجازات والتحديات ولا يمكن اختزالها في الأخطاء
  • حدث فلكي نادر.. هل يمكن مشاهدة اصطدام صاروخ «فالكون 9» بالقمر من الأرض؟
  • تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
  • الأمم المتحدة: الشرق الأوسط على شفير وضع لا يمكن تصوره