محطات في تاريخ الرعاية الصحية للنساء في عُمان
تاريخ النشر: 22nd, July 2025 GMT
أنور الخنجري
alkhanjarianwar@gmail.com
استكمالًا لمقالنا السابق عن مستشفى نوكس التذكاري في مطرح، نسلّط الضوء هنا على صرحٍ آخر من مشاريع البنية الطبية الحديثة في عُمان، ألا وهو مستشفى النساء في مسقط. كان هذا المستشفى في الأصل عيادة أسستها إليزابيث كانتين، زوجة المبشر جيم كانتين الذي أُرسل إلى مسقط ليتولى إدارة مدرسة أولاد (الرقيق المحررين) خلفًا لبيتر، شقيق المبشر المعروف سامويل زويمر.
في عام 1913، انضمت الطبيبة سارة هوسمون إلى العمل في المستشفى، تلتها في عام 1917 الممرضة الهندية ماري بالاسوندرام، المعروفة محليًا بـ"مس ميري"، إلى جانب الناشطة الاجتماعية الأسترالية فاني لوتون. شكّلت هؤلاء النساء الثلاث جوهر العمل الطبي بين النساء في عُمان آنذاك، وكرّسن حياتهن لخدمة المجتمع لمآرب تبشيرية معروفة. كانت فاني تتمتع بشخصية ديناميكية وشبكة علاقات واسعة بين النساء في مسقط، وكانت سارة طبيبة كفؤة رغم إصابتها بإعاقة في ساقها (طرف صناعي)، مما جعلها عزيزة على النساء اللواتي خدمتهن، لكن بدورها كانت تتمتع بروح لا تقهر وتعرب عن حبها واهتمامها الكبيرين لهن، بينما كانت مس ميري تُعرف بتفانيها وإخلاصها لعملها، وكانت الوحيدة التي تزور المنازل لتوليد النساء عند الضرورة.
وفي ظل تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929، توقفت الكنيسة الإصلاحية الأمريكية عن تمويل البعثات الطبية، مما أدى إلى استقالة سارة هوسمون وعودة مس ميري إلى الهند، ثم تبعهم الطبيب بول هاريسون، المسؤول عن مستشفى مطرح. وهكذا أُغلقت مستشفيات البعثة مؤقتًا حتى عام 1939، حين وصل الطبيب وليم (ويلز) طوماس إلى مسقط. عمل الطبيب ويلز طوماس على افتتاح المستشفيين، حيث بدأ أولًا على إعادة تشغيل المستشفى الرئيسي في مطرح، وأثناء قضاء إجازته السنوية في جنوب الهند في خريف 1940، التقى مجددًا بالممرضة ماري بالاسوندرام، التي أعربت عن رغبتها في العودة إلى عُمان، فعادت بالفعل لتصبح من جديد شخصية محورية في مستشفى النساء بمسقط، حتى أن الناس أطلقوا على المستشفى اسمها، وسمّت الكثير من الأمهات بناتهن باسم "مريم" تيمنًا بها. ويشير الطبيب ويلز طوماس في مذكراته أن الممرضة ماري محبوبة للغاية، ويبدو أن النساء يلتمسن المساعدة منها أولاً إذا كانت قريبة وقادرة على رعاية الأم، وتعتبرها النساء في مسقط ومطرح قابلةً حنونة تُجيد عملها جيدًا، رغم أنها تمارس مهنة التوليد كما تعلمتها خلال فترة الحرب العالمية الأولى، إلا أنها لا تزال تُمثل خيارًا مفضلًا جدًا مقارنةً بالقابلات المحليات.
لم يكن مستشفى النساء في بداياته أكثر من مجرد عيادة صغيرة، بعدد محدود من العاملين، وحين كانت الحاجة تستدعي تدخلًا جراحيًا، كان راعي الكنيسة في مسقط يتولى ترتيب نقل المريضة إلى مستشفى نوكس التذكاري في مطرح. وتشير بيث طوماس -زوجة الطبيب ويلز طوماس- في مذكراتها أنه في عام 1950 تبرع السيد محمود البوسعيدي، أحد أفراد الأسرة الحاكمة، بقطعة أرض مجاورة للمستشفى، عرفانًا لنجاح عملية جراحية لابنته الوحيدة. وعلى مدار العامين التاليين، قام القس جاي كابينجا -راعي الكنيسة في مسقط- بتوسيع المستشفى، حتى أصبح يضم بحلول عام 1952 سبع غرف بأربعة أسرّة لكل منها، أضيفت إليها لاحقًا أربع غرف أخرى وسكن للممرضات. في ذلك العام، 1952، وصلت الممرضة جانيت بورسما (المعروفة محليًا بـ"خاتون نعيمة")، وكانت الممرضة الأجنبية المؤهلة الوحيدة في البلاد لعقدٍ من الزمان، حيث لعبت دورًا محوريًا في تقديم خدمات الولادة والرعاية الصحية في كل من مسقط ومطرح. وفي منتصف الستينيات، انضمت الطبيبة الهولندية أليس فاندر زواغ إلى المستشفى، مما رفع عدد العاملات الطبيات إلى نحو 12 امرأة. ومع تزايد أعداد المراجِعات، كان مستشفى مطرح أيضًا يستقبل نساء حوامل من مناطق الباطنة، تجري فيه العمليات المتعلقة بالولادات المعقدة، بينما بقي مستشفى النساء في مسقط مركزًا رئيسًا لرعاية النساء في مراحل ما قبل وبعد الولادة.
وتشير سجلات البعثة إلى أن عدد المواليد السنوي في الأربعينيات لم يتجاوز 40 مولودًا، لكنه ارتفع إلى 75 في عام 1951 و478 في عام 1958، ثم 815 في عام 1961، حتى تجاوز 1200 في عام 1965، وبنهاية الستينيات، كانت الولادات تتجاوز 2400 سنويًا. كان مستشفى النساء في ذلك الوقت في أوج ازدهاره، وأصبح من أكثر المؤسسات الطبية شعبية في البلاد، بفضل تفاني الطاقم الطبي، وعلى رأسهم الممرضة جانيت بورسما "خاتون نعيمة".
هكذا بدأت الحكاية، من عيادة صغيرة خارج أسوار المدينة إلى مؤسسة تحمل السعادة لأجيال عدة من أبناء عُمان، وبقت كذلك حتى عام 1972 حين نُقلت ملكية المستشفى إلى الحكومة وأُعيدت تسميته بـ"مستشفى السعادة"، ثم أُعيد بناؤه لاحقًا كمركز صحي جديد يُعرف اليوم بـ"مركز مسقط الصحي"، لتُطوى بذلك صفحة أخرى من صفحات تاريخ الطب الحديث في عُمان، لكن ذاكرة هذا المكان، ومن مرّ به من أمهات وقابلات ومريضات وأطباء وممرضات، تبقى محفورة في الذاكرة كواحدة من القصص التي تستحق أن تُروى للأجيال، لا باعتبارها تاريخًا مضى وصفحة طُويت، بل لأنها كانت بداية طريقٍ ما زال يمتد لإرساء نظام صحي أكثر تنظيمًا وحداثة. واليوم، ورغم أن المبنى القديم لم يعد قائمًا، فإن إرثه لا يزال حاضرًا في ذاكرة الناس وفي كل مركز صحي حديث يُعنى بالمرأة والطفل.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: مستشفى النساء فی فی ع مان فی عام
إقرأ أيضاً:
وفرة المعروض لا تنعش المبيعات.. شائعات السلامة الصحية تربك سوق البطيخ بالمغرب
عرفت أسواق الخضر والفواكه بالمغرب خلال شهر يوليوز الجاري تراجعاً ملحوظاً في الإقبال على شراء البطيخ، رغم وفرة المنتوج واستقرار أسعاره خلال ذروة الموسم الصيفي، في ظل تأثير شائعات انتشرت على نطاق واسع بشأن سلامته الصحية، قبل أن تؤكد الجهات المختصة خلوه من أي مخاطر على المستهلكين.
وأكد مهنيون في قطاع تسويق الخضر والفواكه أن مبيعات البطيخ سجلت انخفاضاً مقارنة بالشهر الماضي، مرجعين ذلك إلى تداول أخبار غير موثقة تزعم وجود مشاكل صحية مرتبطة بالمنتوج، وهو ما دفع عدداً من المستهلكين إلى التريث في اقتنائه، رغم غياب أي معطيات علمية أو تقارير رسمية تثبت صحة تلك الادعاءات.
وأوضح الفاعلون المهنيون أن الأسواق الوطنية تعيش في المقابل وفرة استثنائية في مختلف أصناف الفواكه الموسمية، بفضل الموسم الفلاحي الجيد والظروف المناخية الملائمة التي انعكست إيجاباً على حجم الإنتاج وجودته، ما ساهم في توفير عرض متنوع يلبي الطلب خلال فصل الصيف.
ويرى مهنيون أن انتشار الأخبار غير الدقيقة عبر منصات التواصل الاجتماعي بات يشكل تحدياً حقيقياً أمام استقرار الأسواق، لما يخلفه من تأثير مباشر على سلوك المستهلكين وخسائر يتكبدها المنتجون والتجار، مؤكدين أن استعادة الثقة تقتضي الاعتماد على المعطيات الرسمية وعدم الانجرار وراء الشائعات التي تفتقر إلى أي سند علمي.
الأسعارالأسواق المغربيةالإنتاج الفلاحيالبطيخالخضر والفواكهالسلامة الصحيةالشائعاتالفواكه الموسمية 0 شارك FacebookTwitterWhatsAppالبريد الإلكترونيLinkedinTelegramطباعةالسابق بوست
البنك الدولي: المغرب يسجل أفضل أداء اقتصادي في عشر سنوات
قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف اخر الاخبارالبنك الدولي: المغرب يسجل أفضل أداء اقتصادي في عشر سنوات
اخر الاخباربعد مرور موعد 4 يوليوز…أسر السماعلة بعين الشق هدموا بيوتهم أملاً في الاستقرار…
اخر الاخبارالحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة…
اخر الاخباركازاخستان تختار مراكش مقراً لقنصليتها الشرفية الجديدة بالمغرب
السابق التالي اترك رد إلغاء الردلن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
احفظ اسمي والبريد الإلكتروني وموقع الويب في هذا المتصفح للمرة الأولى التي أعلق فيها.
مملكة tv
الجواهري أمام الملك يكشف الحقيقة… الاقتصاد المغربي ينمو ولكن علاش جيب المواطن ما…
أمريكا تضرب قلب إيران وطهران تشعل الخليج… الاتفاق انهار فهل بدأت…
فوزي لقجع إلى رئاسة الحكومة؟ هل وجدت الأحزاب المنقذ بعدما فشلت في…
وهبي يتحدى المحامين.. هل إصلاح العدالة يخدم المواطن أم الدولة؟
الندوة الصحفية لمحمد وهبي من بعد المونديال… واش اعترف بالأخطاء؟…
السابق التالي 1 من 477حوادث
اخر الاخباربعد مرور موعد 4 يوليوز…أسر السماعلة بعين الشق هدموا بيوتهم أملاً في…
chouayb motawakil يوليو 23, 2026 0 بقلم شعيب متوكل. تعيش ساكنة دوار السماعلة التابع لعمالة عين الشق وضعية صعبة، بعدما وجدت عدداً من الأسر نفسها عالقة…كارثة بكل المقاييس.. حلبة امتحان السياقة بمراكش تفتقر لأبسط شروط…
يوليو 23, 2026انتشال أكثر من 30 جثة قبالة سواحل الداخلة بعد تعلقها في شباك مراكب…
يوليو 23, 2026فتح تحقيق قضائي في مزاعم تسريب أجوبة مباراة ولوج كليات الطب والصيدلة…
يوليو 22, 2026 السابق التالي 1 من 1٬601أخبار ملكية
اخر الاخبارالملك محمد السادس يهنئ السيسي بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليوز ويؤكد متانة الروابط…
مملكة بريس /س يوليو 23, 2026 0الجواهري يستعرض أمام الملك حصيلة الاقتصاد الوطني
يوليو 20, 2026الملك محمد السادس يهنئ ملك إسبانيا بعد تتويج المنتخب الإسباني بكأس…
يوليو 20, 2026جلالة الملك يخص الوزير الأول الفرنسي والوفد المرافق بمأدبة غداء رسمية…
يوليو 16, 2026 السابق التالي 1 من 650 Pollsهل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟
نعم لاعرض النتائج
مملكة بريس من نحن هيئة التحرير سياسة الخصوصية اتفاقية الاستخدام أرسل مقال إتصل بنا تصنيفات سياسة مجتمع الدولية قضايا عامة حوادث ثقافة جميع الحقوق محفوظة لجريدة مملكة بريس 2026