في لحظة تبدو فيها البلاد غارقة في أزماتها المتراكمة، يمر كثيرون مرور الكرام أمام تحولات خطيرة تحدث في البنية الاجتماعية، تحولات لا تقع تحت ضوء الإعلام أو في قلب الخطابات الرسمية، لكنها تنمو بهدوء، وتُنبت واقعًا جديدًا بيننا، واقعًا قد يصعب ترميمه إن تُرك بلا تسمية أو فهم. نحن لا نعيش فقط أزمة معيشية، بل نشهد ميلاد طبقة جديدة تعيد رسم الخريطة السكانية والقيمية للمجتمع.

ومن موقع التأمل في هذا التحول الاجتماعي العميق، ومن خلال معاينة دقيقة لما يعتمل في بنية المجتمع المصري من تغيرات صامتة، أجدني بصفتي باحثًا في الجيوسياسة والتحولات الديموغرافية، أقترح مصطلح «الطبقة الجيو-ديمغرافية»، توصيفًا لهذه الشريحة الناشئة التي تنفصل لا بالمكان فقط، بل بالوجدان والانتماء، وبنمط العيش والقيم واللغة الرمزية.

لسنا أمام مجرد أثرياء يملكون المال، بل أمام شريحة سكانية جديدة تتكون داخل «جيتوهات» سكنية مغلقة، لا تكتفي بالعزلة الجغرافية، بل تعزل نفسها نفسيًا وثقافيًا. شريحة لا تشارك الناس مدارسهم ولا مستشفياتهم، ولا حتى متنزهاتهم العامة. فأحياء الأغنياء الجدد، ومصايفهم المحصنة بأسوار عالية، وحفلاتهم الخاصة التي لا يُسمح بتصويرها أو تداولها، كلها تؤسس لجغرافيا اجتماعية موازية، تُمكّن هذه الطبقة من إعادة إنتاج ذاتها بعيدًا عن باقي المجتمع.

حتى الترفيه لم يسلم من هذا الانفصال، فالمتنزهات العامة، والمصايف الشعبية التي كانت يومًا ما مساحة مشتركة لأحلام البسطاء، لم تعد تحتمل وجودهم. صارت مجرد أطلال على هامش الخريطة السياحية الجديدة، بينما يمتلك "الجيو-ديموغرافيون" شواطئهم الخاصة، ومنتجعاتهم المحصّنة، ونمط حياة ترفيهي لا يمر حتى بالقرب من العامة، لا مكانيًا ولا رمزيًا.

ظاهرة «الطبقة الجيو-ديمغرافية» ليست وليدة صدفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات متراكمة، انحازت تدريجيًا لقلة القلة، على حساب الطبقات الوسطى والدنيا. يمكن رؤية ذلك في التعليم الذي انفصل عن النظام العام، وفي الصحة التي أصبحت سلعة، وفي الإسكان الذي تحوّل من خدمة اجتماعية إلى مشروع استثماري محض. كل هذه التحولات دفعت بتلك الشريحة إلى أعلى الهرم، ليس فقط اقتصاديًا، بل خارج سياق الدولة ذاتها.

ثقافيًا، لم يعرف المصريون هذا النوع من الانفصال الرمزي من قبل. حتى في عصور التفاوت الطبقي الحاد، كانت هناك لغة جامعة، ومزاج جمعي، وخطوط تواصل بين الطبقات. أما الآن، فنحن أمام طبقة جديدة تنشئ مدارس تزرع الولاء لثقافات عابرة، وتستهلك إعلامًا لا يُشبه ما يتداوله الناس، وتعيش في بيئة مصطنعة لا تسمح بالتفاعل مع ما هو مشترك، حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

إنها «ديموغرافيا موازية» داخل الدولة، تنمو وتزدهر في عزلة محكمة، وتعيد تعريف النجاح والانتماء والجمال والهوية، ليس وفقًا لمعايير وطنية، بل لمعايير عابرة للجغرافيا، ومتعالية على الواقع المحلي.

الخطير في الأمر أن هذه الجيو-ديمغرافيا لا تهدد فقط العدالة الاجتماعية، بل تُقوّض مفهوم الهوية الوطنية، فحين تصبح مصر مقسمة إلى جغرافيات مغلقة، تتوزع فيها الطبقات لا بالتكافؤ بل بالعزلة، يتحوّل الوطن من مساحة جامعة إلى فسيفساء من المصالح الخاصة والولاءات المتباينة.

والأخطر أن هذه الطبقة، بما تملكه من أدوات النفوذ الناعم، تسعى إلى فرض نمطها القيمي كثقافة معيارية، تُختزل فيها مفاهيم النجاح والتحضّر والتقدم، بينما يُدفع غالبية المواطنين إلى زوايا النسيان، ويُوصفون بالتخلف فقط لأنهم لا يملكون القدرة على شراء عضوية في هذا العالم المغلق.

إن ما نحتاجه اليوم ليس فقط توصيف هذه الظاهرة، بل تفكيكها ونزع شرعيتها الرمزية والسياسية. فالوطن لا يُبنى بالجدران العالية ولا بالهويات المنفصلة، بل بروح المشاركة والمصير المشترك، وبالعدالة لا التمييز، وبالذاكرة الواحدة لا الثقافات المتصارعة فوق أرض واحدة.. .!!

اقرأ أيضاًوزيرة التضامن تعلن تبني مصر استحداث منصة دولية رفيعة المستوى للحماية الاجتماعية

أستاذ اقتصاد: الحزمة الاجتماعية تهدف إلى تمكين المواطن اقتصاديا «فيديو»

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الدولة المصرية البنية الاجتماعية

إقرأ أيضاً:

برلماني : الرقمنة والترصد الوبائي يحميان الثروة الحيوانية ويعززان الأمن الغذائي

أثنى النائب رائف تمراز، عضو لجنة الزراعة والري بمجلس النواب، على الجهود التي تبذلها الهيئة العامة للخدمات البيطرية في تنفيذ أعمال الترصد الوبائي والتوسع في الحملات والزيارات الميدانية، مؤكدًا أن إنشاء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة للثروة الحيوانية يمثل خطوة محورية نحو تطوير المنظومة البيطرية وتعزيز كفاءتها.

برلماني : ثورة يوليو صنعت الدولة الوطنية .. وكلمة الرئيس تؤكد أن الجمهورية الجديدة تواصل مسيرة الإنجازبرلماني: خطاب الرئيس السيسي في ذكرى ثورة يوليو يجسد ثوابت الدولة ويؤكد استمرار التنميةبرلماني: تطوير منظومة الرصد البيطري وتحسين السلالات يعززان الإنتاج ويحميان الأمن الغذائيبرلماني: توسيع الشراكة الاقتصادية يرسخ مكانة مصر على خريطة الاستثمار العالمية

وقال تمراز، في تصريحات خاصة، إن الاعتماد على منظومة رقمية متكاملة لحصر أعداد المربين والحيوانات يسهم في سرعة اكتشاف أي بؤر مرضية والتعامل معها بشكل فوري، بما يحد من انتشار الأوبئة ويحافظ على الإنتاج الحيواني.

الكشف المبكر والفحص الدوري

وأكد عضو لجنة الزراعة والري ضرورة تواجد الأطباء البيطريين بصورة مستمرة داخل أسواق الماشية، باعتبارها من أكثر المواقع عرضة لانتقال الأمراض، موضحًا أن الكشف المبكر والفحص الدوري داخل الأسواق يساهمان في السيطرة على أي حالات اشتباه قبل امتدادها إلى المزارع والقرى.

 نجاح منظومة الوقاية

وأشار إلى أن نجاح منظومة الوقاية لا يقتصر على أعمال الترصد فقط، بل يتطلب أيضًا رفع مستوى وعي المربين بأساليب التربية السليمة، وتشجيعهم على الإبلاغ الفوري عن أي أعراض مرضية، مع ضمان توافر اللقاحات والتحصينات بشكل دائم، بما يحافظ على الثروة الحيوانية، ويدعم جهود الدولة في تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز التنمية الزراعية المستدامة.

طباعة شارك رائف تمراز مجلس النواب البرلمان الثروة الحيوانية

مقالات مشابهة

  • برلماني : الرقمنة والترصد الوبائي يحميان الثروة الحيوانية ويعززان الأمن الغذائي
  • وفاة والدة بن إفليك بعد صراع مع سرطان البنكرياس
  • برلماني: ثورة يوليو أرست دعائم الدولة الحديثة ورسخت قيم العدالة الاجتماعية
  • رئيسة وزراء اليابان تبحث مع نظيرها من جزر سليمان الوضع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ
  • سقوط “محتال التحويلات الوهمية”.. يفك لغز عشرات عمليات النصب التي استهدفت تجارًا بمختلف المدن
  • علاقات بيريز أمام تأثير لقجع.. مونديال 2030 يشعل مواجهة مبكرة بين المغرب وإسبانيا
  • محمد صالح: ثورة 30 يونيو امتداد للإرادة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو
  • رأس في الفريزر وأشلاء بالحقائب.. الداخلية المصرية تكشف ملابسات اتهام ابنة بقتل والدتها وتقطيع جثمانها
  • الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
  • أول ظهور لـ نجوى كرم برفقة زوجها عمر الدهماني بعد شائعات الانفصال.. وتستعد للقاء جمهورها في دبي