في تطورٍ مفاجئٍ وغير محسوب النتائج، جاء انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من مفاوضات التهدئة في غزة، ليفرض إشكالية سياسية جديدة على المشهد الإقليمي والدولي، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع، وتزايد التوترات بين مختلف الأطراف الفاعلة. ورغم التوقعات التي ذهبت إلى أن هذا الانسحاب سيترجم على الأرض بمزيد من التضييق الإسرائيلي على غزة، وبتشدد في المواقف العسكرية تجاه أي مسعى للهدنة، إلا أن الواقع جاء مغايراً بشكل لافت.


خلافاً لما كان متوقعاً، لم تقرن إسرائيل الانسحاب الأمريكي بخنق إضافي للقطاع، بل اتخذت خطوات اعتُبرت من قِبل العديد من المحللين “ليونة غير معتادة”، تمثلت في فتح المعابر الحدودية مع مصر، والسماح بمرور شاحنات المساعدات الإنسانية وذلك بعد أشهر من الضغوط الدولية وتحذيرات وكالات الإغاثة من انتشار المجاعة في القطاع، بل والتنسيق مع مؤسسات دولية للسماح بدخول مساعدات عبر الجو ولإنشاء "ممرات إنسانية" لضمان حركة آمنة لقوافل الأمم المتحدة التي تقدم المساعدات لأهالي غزة. هذا التحوّل المفاجئ في سلوك تل أبيب يثير تساؤلات عميقة حول التحولات التكتيكية وربما الاستراتيجية في مقاربتها للملف الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة


ومع قراءة في معطيات اللحظة وبالنظر إلي ان انسحاب ترامب لا يمكن قراءته في معزل عن تغيرات أوسع في البيئة الإقليمية والدولية. إذ يبدو أن المرحلة الراهنة تفرض نوعًا جديدًا من التوازنات وتبديل لقواعد اللعبة ، أولا،  لم يعد فيها نتنياهو قادر على تجاهل الضغوط الدولية المتصاعدة، في ضوء تنامي الانتقادات الدولية لإسرائيل بسبب سياسات التجويع التي مارستها في غزة للضغط على أهالي القطاع في محاولة لدفعهم للهجرة الطوعية، إلي جانب محاولة التخفيف من الزخم المتوقع بعد إعلان فرنسا اعتزامها الاعتراف بدولة فلسطينية في شهر سبتمبر, وهو ما مثّل رسالة مباشرة إلى إسرائيل بأنها تخسر أوراق دعمها التقليدي في أوروبا، وأن سياسة التعنت لم تعد مقبولة حتى من الحلفاء الكلاسيكيين وبالتالي استمرار سياسات التجويع قد يدفع دولاً أخرى إلى الاعتراف بدولة فلسطينية للضغط على إسرائيل


وفي هذا السياق، يصبح فتح المعابر وتسهيل دخول المساعدات جزءاً من سياسة احتواء الضغوط أكثر منها تحولاً إنسانياً صرفاً. فتل أبيب، التي تجد نفسها بين فكيّ كماشة: ضغط الجبهة الداخلية، والانتقادات الخارجية، لم تعد تملك رفاهية الاستمرار في سياسة "الصدام المستمر" أو سياسة الردع القصوي. 


ثانياً، من المفارقات اللافتة أيضاً، أن عطلة الكنيست الإسرائيلي، والتي كان يُفترض أن تمثل “انفراجة نسبياً” لرئيس الوزراء الاسرائيلي للتخفف من ضغط حلفائه في اليمين المتطرف، الذين يعارضون بشدة أي اتفاق هدنة، حتى لو مؤقت، لم تؤتِ ثمارها السياسية. فبدلاً من استثمار هذه الفرصة لعقد صفقة تهدئة تحفظ ماء وجه الحكومة وتقدم إنجازاً في ملف الرهائن، بدا نتنياهو وكأنه محاصرٌ أكثر من أي وقت مضى بخطوط حمراء يفرضها حلفاؤه، وبضغوط أمريكية ودولية مستترة تتطلب تحركاً ملموساً في المسار الإنساني.

ثالثأً، تصريحات نتنياهو الأخيرة عن السعي لحل أزمة الرهائن، بالتوازي مع فتح المجال أمام إدخال المساعدات للفلسطينيين، تعكس محاولة للتوفيق بين متناقضات داخلية وخارجية. فمن جهة، يسعى لإظهار حرصه على ملف الأسرى والرهائن، بما يحافظ على صورته أمام الشارع الإسرائيلي، ومن جهة أخرى، يراعي الموقف الدولي المتعاطف مع الوضع الإنساني الكارثي في غزة، دون الظهور بمظهر المتراجع أمام المقاومة أو أمام الضغوط الدولية.

هذا التوازن الدقيق، وإن بدا هشًّا، يشير إلى أن قواعد اللعبة السياسية قد تغيرت فعلاً، وأن إسرائيل لم تعد قادرة على المضيّ قُدُماً في سياسة الغلبة العسكرية فقط دون أن تدفع ثمناً دبلوماسياً باهظاً.


رابعاً، النظر إلى الولايات المتحدة من قبل العديد من حلفائها على أنها مسئولة عن هذا الوضع إلي جانب اسرائيل ، ومع تدقيق تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو خلال الاجتماع الذي عقد الجمعة 25 يوليو2025  إن ادارة ترامب كانت غير داعمة لتنسيق يتعلق بالاتفاق المرحلي في عهد بايدن، والذي تضمن هدن قصيرة مقابل إطلاق سراح بعض الرهائن، لاسيما ان السياق الحالي يفرض استكشاف نهج أكثر شمولية لإنهاء الحرب وإطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين.


هذا علي الرغم من أن تصريحات ترامب التي أطلقها أمس بشأن "التخلص" من حماس وإنهاء المهمة"، ربما تفسر كونها "ضوء أخضر" لإسرائيل للاستمرار في القتال، فإن تصريحات روبيو تغير من احتمالية هذا التفسير نظراً لا نه علي الرغم من الدعم الامريكي وخاصة بعد وصول ترامب إلي البيت الابيض لنتنياهو في العديد من المواقف وتشجيعه على استمرار في الحرب، فقد ظلت حماس على وضعها، ولم يستطع الضغط العسكري تحرير الرهائن.


ازاء هذا المشهد المعقد، يمكن القول إننا أمام سيناريوهين محتملين لا ثالث لهما، يحددان ملامح المرحلة المقبلة من الصراع في غزة، ويعكسان في جوهرهما طبيعة التحالفات وتوازنات المصالح بين اللاعبين الرئيسيين، لا سيما الولايات المتحدة واسرائيل


السيناريو الأول: أننا أمام حالة تليين مؤقت تهدف في جوهرها إلى كسب الوقت للمناورة السياسية والميدانية، وذلك في سياق تنسيق غير معلن بين الجانب الأمريكي والإسرائيلي. ويقوم هذا السيناريو على فرضية أن إسرائيل، وبغطاء من واشنطن، تسعى إلى تهدئة الجبهة الإنسانية مؤقتاً، من أجل تشديد الضغط على حركة حماس، سواء عبر تفتيت حاضنتها الشعبية أو بإحداث شرخ داخلي يسبق أي تفاوض محتمل بشأن الرهائن أو التهدئة.


إلا أن هذا السيناريو، رغم وجاهته النظرية، يبدو أقل ترجيحاً عند النظر إلى السلوك العملي على الأرض. فلو كان الغرض هو مجرد المناورة أو الضغط على حماس، لما أقدمت إسرائيل على خطوات ملموسة تمثّلت في فتح المعابر، والتنسيق مع الجانب المصري والمؤسسات الأممية لإدخال المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الجوية منها. بالنظر أن مثل هذه الخطوات، في المنطق الإسرائيلي التقليدي، تُعد مكافأة ضمنية للخصم، لا تُمنح إلا تحت ضغط الضرورة أو التحول في التقدير الاستراتيجي.

السيناريو الثاني: أننا أمام بداية تحول استراتيجي محسوب في مقاربة إسرائيل للصراع في غزة، نابع من إدراك متأخر بأن المعادلة العسكرية الصرفة فشلت في تحقيق أهدافها، وبأن الإصرار على الخيار الأمني وحده لم يؤدِّ سوى إلى استنزاف داخلي وعزلة دولية متنامية.


ويقوم هذا السيناريو على افتراض أن إسرائيل، تحت وطأة الضغط الأوروبي، والقلق الأمريكي من توسّع رقعة النزاع، وارتفاع كلفة استمرار الحرب على الصعيد الإنساني والدبلوماسي، بدأت إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى فتح باب المساومة بشكل غير معلن، من خلال تهدئة الجبهة الإنسانية وتخفيف الحصار، ما يسمح بتهيئة بيئة تفاوضية مستقبلية من دون الإعلان الرسمي عن ذلك.


ختاماً: ومع تصدر تساؤلات عدة ابرزها، إلى أين تتجه المعادلة، في ضوء إن انسحاب ترامب من مسار التفاوض لا يُعد نهاية للدور الأمريكي، بقدر ما يفتح الباب أمام انخراط قوى دولية وإقليمية أخرى في رسم معالم التهدئة المقبلة. إلي جانب بالطبع لعب دور يختلف طبيعته وملامحه نسبياً،  وفي الوقت ذاته، فإن السلوك الإسرائيلي الذي بدا أكثر انفتاحًا على المسار الإنساني لا يُفهم باعتباره تحوّلاً جذريًا، بل هو انعكاس لمجموعة من الضغوط والتوازنات المؤقتة التي قد تتغير مع أي تطور ميداني أو سياسي.


وبالتالي ، إن ما يجري في غزة اليوم هو أكثر من مجرد استجابة لحالة طارئة؛ إنه فصل جديد من فصول إعادة تعريف معادلة الصراع، حيث لم تعد أدوات القوة وحدها كافية، ولم يعد تجاهل الفلسطينيين خياراً مقبولاً على المستوى الدولي. ويظل السؤال مفتوحًا: هل ينجح هذا التحول – مهما بدا هشاً – في فتح باب حقيقي لتسوية ولو جزئية؟ أم أن اللعبة لا تزال في بدايات إعادة رسم قواعدها؟

طباعة شارك دونالد ترامب ترامب غزة قطاع غزة

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: دونالد ترامب ترامب غزة قطاع غزة لم تعد فی غزة

إقرأ أيضاً:

رئيس حكومة لبنان: سنواصل حشد جهودنا السياسية والدبلوماسية لتأمين انسحاب اسرائيلي كامل من الجنوب

بيروت- أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام الأربعاء من بلدة زوطر الغربية، غداة انتشار الجيش اللبناني فيها، أن بيروت ستواصل "حشد" الجهود كافة من أجل تأمين انسحاب اسرائيلي كامل من جنوب البلاد، بموجب الاتفاق الإطار الذي وقعه البلدان.

وجاء ذلك غداة تشديد رئيس الجمهورية جوزاف عون خلال لقائه نظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، "على الحاجة الملحة إلى انسحاب الاحتلال الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية"، مؤكدا أن ذلك "يشكل خطوة أساسية لترسيخ الاستقرار وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سيادتها الكاملة بقواها الذاتية".

وقال سلام بعد غرسه العلم اللبناني في ساحة زوطر الغربية، التي وصلها صباحا بمواكبة من الجيش، "سنواصل حشد كل جهودنا السياسية والدبلوماسية من أجل تأمين الانسحاب الكامل من كامل الأراضي اللبنانية".

وبدأ الجيش اللبناني الثلاثاء الانتشار في زوطر الغربية، إحدى "المناطق التجريبية"، بموجب الاتفاق الإطار الذي وقعه لبنان واسرائيل برعاية أميركية الشهر الماضي.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي يتمركز في أطراف البلدة الواقعة في منطقة النبطية، ولا يزال يبقي قواته في بلدات عدة مجاورة.

وندد الجيش اللبناني بإطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلية النيران على مقربة من عناصره خلال انتشارهم، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه أطلق "طلقات تحذيرية في الهواء" بعد دخول جنود لبنانيين منطقة لم تكن "جزءا من المنطقة التجريبية".

وبموجب الاتفاق الإطار، يُفترض أن يعمل الجيش اللبناني بعد انتشاره في "المناطق التجريبية" على نزع سلاح حزب الله منها وحظر أي وجود عسكري لأي مجموعة خارج القوى الحكومية، على أن يشكّل ذلك تجربة لانسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق أخرى.

وإثر الحرب التي بدأها حزب الله في الثاني من آذار/مارس، مساندةً لداعمته إيران، ردّت إسرائيل بحملة قصف مدمرة واحتلت مناطق واسعة في جنوب البلاد، تكرر أنها تعتزم إبقاء قواتها فيها وتمنع سكانها من العودة اليها.

وأوضح سلام في كلمته من زوطر الغربية أنه "بالتوازي مع استكمال انتشار الجيش، سنواصل فتح الطرق، وإزالة الركام، وتأمين الخدمات الأساسية، بما يتيح لأهلنا العودة بأمان وكرامة إلى بيوتهم وقراهم".

- "مرفوعو الرأس" -

وأحدثت الحرب دمارا واسعا خصوصا في جنوب لبنان، حيث تراجعت وتيرة العنف بشكل كبير منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران الشهر الماضي، بالتزامن مع استمرار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.

وعاد أكثر من 700 ألف نازح، وفق الأمم المتحدة، الى منازلهم خلال الأسابيع الأخيرة، من إجمالي أكثر من مليون فروا من مناطقهم إثر اندلاع الحرب بين حزب الله واسرائيل.

وصباح الأربعاء، انتظر العشرات من السكان النازحين عند تخوم زوطر الغربية للسماح بدخولهم، وفق ما أفاد مصور لوكالة فرانس برس.

وقال عباس ياغي (73 سنة) "الحمدلله سندخلها مرفوعي الرأس بوجود الجيش اللبناني الذي نفتخر به".

ودعا الجيش الأهالي الثلاثاء لعدم التوجه إليها "ريثما يستقر الوضع الأمني".

ويعمل الجيش على تمشيط البلدة المتداخلة جغرافيا مع زوطر الشرقية، حيث تنتشر قوات اسرائيلية. وتطال غارات إسرائيلية مناطق مجاورة طال آخرها الأربعاء بلدة النبطية الفوقا.

وقال مصطفى عمار (60 سنة) النازح من زوطر الشرقية "نسير خلف الجيش إذا أعطانا إذنا بالدخول"، متمنيا أن يسري تنفيذ الاتفاق الإطار على بلدات اخرى بينها قريته.

جاءت وفاء اسماعيل (64 سنة) منذ الصباح، على أمل الدخول الى زوطر الغربية المواجهة لبلدتها.

وأبدت امتعاضها من دخول رئيس الحكومة بمفرده، مضيفة "كان يُفترض أن يُدخل الناس خلفه حتى يُسجّل انتصارا".

مقالات مشابهة

  • سقوط “محتال التحويلات الوهمية”.. يفك لغز عشرات عمليات النصب التي استهدفت تجارًا بمختلف المدن
  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • ‏ترامب: سداد قيمة أي أضرار تلحق بالسفن باستخدام الأموال الإيرانية التي تحوزها الولايات المتحدة
  • السعودية أمام شرط أمريكي جديد.. ماذا يريد ترامب؟
  • قرار جديد يعيد رسم قواعد «سوق التأمين» ويرفع معايير الرقابة
  • محدث: ترامب: الاتفاق النووي مع السعودية مشروط بالتطبيع مع إسرائيل!
  • هل لعبة كرة القدم هي افيون الشعوب ؟
  • ترامب: أقترب من شن هجوم ضخم على إيران.. إسرائيل ستنضم خلال دقيقتين
  • رئيس حكومة لبنان: سنواصل حشد جهودنا السياسية والدبلوماسية لتأمين انسحاب اسرائيلي كامل من الجنوب