زيارة مهمة لرئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس للقاهرة، في أول محطة خارجية يزورها بعد توليه مهام منصبه وتشكيل حكومته الجديدة.

برامج تعاون
وصل إدريس مطار القاهرة صباح “الخميس”، وكان في استقباله رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، وبعدها التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأصدرالجانبان المصري والسوداني بيانًا مشتركًا أكدا فيه تعزيز العلاقات التاريخية وفتح آفاق جديدة للتعاون، وعقد رئيسا وزراء البلدين جلسة مباحثات رسمية تناولت أطر ومشاريع التعاون بينهما في المرحلة المقبلة، كما عقد الوزراء من الجانبين اجتماعات ثنائية لبحث المقترحات والبرامج التفصيلية للتعاون بين الوزارات النظيرة.

بيان مشترك
وبحث الجانبان قضايا الأمن الإقليمي وسبل تعزيزه واستدامته، حيث أمن الجانبان على ضرورة استدامة التنسيق والتشاور حول مختلف القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي لا سيما في منطقة البحر الأحمر، وجدد الجانبان رفضهما للنهج الأحادي الأثيوبي على النيل الأزرق الذي لا يتسق مع مبادئ القانون الدولي ذات الصلة، ومع روح التعاون التي يجب أن تسود اتصالاً باستخدام نهر النيل، شريان الحياة لجميع دول الحوض، كما أكدا على تنسيقهما المشترك من خلال الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل وهي الجهة المنوطة بدراسة وصياغة الرأي الموحد للبلدين في الشئون المتعلقة بمياه النيل بموجب اتفاقية عام 1959، واتفق البلدان على ضرورة منح الفرصة الكافية للآلية التشاورية لمبادرة حوض النيل لتسوية الخلافات وتعزيز التعاون بين دول الحوض، بما يحافظ على استدامة نهر النيل العظيم، وعلى المصالح المائية لدولتي المصب.

مباحثات ثنائية
وجدد الجانب المصري تأكيده على دعمه الكامل لحكومة السودان، وكافة المساعي الرامية للحفاظ على مؤسساته الوطنية ورفض أي تهديد لوحدة السودان وسلامة أراضيه، والوقوف إلى جانب تطلعات الشعب السوداني في التقدم والازدهار وتحقيق أهدافه في إعادة الإعمار والتنمية، كما جدد الجانب السوداني تقديره للروابط والقواسم المشتركة التي تجمع بين الشعبين، وتطلعه واستعداد الدولة السودانية بمؤسساتها الوطنية المختلفة للعمل المشترك بما يخدم أهداف تعزيز تلك العلاقة والوصول بها إلى آفاق أرحب، وأكد الجانبان، خلال المباحثات الثنائية، على أهمية النظر في عقد اللجان المشتركة، على أن تقوم الجهات المعنية في البلدين بتحديد التوقيتات المناسبة في هذا الشأن، وناقش الجانبان تطوير التعاون في مجال الاستثمار والفرص المتاحة للشركات المصرية للاستثمار في عدد من المجالات ذات الأهمية الاستراتيجية للسودان، لا سيما مع استشرافه مرحلة إعادة الإعمار.

مرحلة مفصلية
وتأتي زيارة إدريس إلى القاهرة في توقيت دقيق، يشهد فيه السودان تحولات جذرية على كافة المستويات، وفي مرحلة مفصلية يعاد فيها تثبيت دعائم الدولة السودانية الوطنية، رغم العديد من التحديات التي تجابه هذه المرحلة أهمها أن الحرب مازالت مستمرة، وأن المليشيا مازالت تهدد أجزاء مهمة من التراب الوطني، في وقت شكلت فيه الدعم السريع حكومة موازية، وسط أوضاع عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية بالغة السوء وتحتاج إلى مزيد من التحركات على كافة الأصعدة، لضمان بقاء الدولة السودانية.

الظهير والسند
وسط كل هذه الظروف البالغة التعقيد، يزور رئيس الوزراء القاهرة التي أثبتت أنها الظهير والسند للسودان في أوقات الشدة والمحن، ويبدو أن إدريس جاء إلى مصر لمزيد من التشاور مع القيادة المصرية، كما حرصت مصر على الاستماع إلى إدريس ورؤيته في المرحلة المقبلة، وعكس الوفد المرافق لرئيس الوزراء أن هذه الزيارة هي للتشاور والاستماع وأنها ضربة بداية للإنطلاق بعد ذلك إلى آفاق أرحب، ورأى المراقبون أن عدم وجود وفد كبير ومتنوع من الوزراء في الحكومة الجديدة، ربما عكس أنها بداية للتعارف وبداية للإنطلاق، كما ترسل الزيارة عدة رسائل في البريد المحلي والإقليمي والدولي.

أهمية متبادلة
المتابع للعلاقات المصرية السودانية، يلاحظ أن القاهرة مهمة جدا للسودان، وأن قضايا إعادة الإعمار والحوار السوداني السوداني والتنسيق في المحافل الإقليمية والدولية، ورفع تجميد عضوية السودان في الإتحاد الأفريقي، كلها قضايا ينبغي أن يزداد التواصل والتشاور حولها بين الطرفين، كما أن الخرطوم مهمة جدا لمصر، فهي عمقها القومي في المقام الأول، ويمثل البلدان معا ثقلا إقليميا لا يستهان به، علاوة على استفادة الطرفان الإقتصادية وتبادل الخبرات فيما بينهما، فماذا تعني زيارة رئيس الوزراء السوداني إلى القاهرة في هذه التوقيت وماهي الرسائل التي تطلقها وماهي النتائج المترتبة عليها.

تقدير كبير
من جانبه رأى السفير السوداني بالقاهرة عماد عدوي أن الزيارة تعكس التقدير الكبير الذي يوليه رئيس الوزراء الإنتقالي إلى مصر وقيادتها الحكيمة، وذلك تأكيدا على إنزال توجيهات رئيسا البلدين المتعلقة بإستمرارية تنسيق المواقف حيال مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وضرورة التشاور المستمر بين حكومتيهما، وقال عدوي في تعميم صحفي إن الزيارة سانحة للتأكيد على توجهات ثابتة لدى حكومة السودان بأن مصر شريك استراتيجي موثوق في كافة المجالات بما في ذلك اعادة الإعمار في ضوء التجربة المصرية المتميزة في البناء والتعمير، مشيرا إلى أن الزيارة شهدت استعراضاً لمجمل العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، وقال إنها ناقشت كافة أوجه الفرص والممكنات بما يؤمن الانتقال بتلك العلاقة إلى آفاق جديدة تلبي تطلعات شعبي وادي النيل، بجانب موضوعات أخرى في مقدمتها استمرار الرعاية المصرية للمواطنين السودانيين المقيمين في مصر ومواصلة تقديم التسهيلات اللازمة.

توقيت مهم
من جهته أكد مساعد وزير الخارجية ومسؤول ملف السودان بالخارجية المصرية السابق السفير حسام عيسى أن الزيارة مهمة وتأتي في توقيت مهم. وقال عيسى لـ “المحقق” إنه وفقا للتقليد الدبلوماسي بين البلدين في أوقات المراحل المتميزة للعلاقات بينهما، تكون الزيارة الأولى للرؤساء والمسؤولين الكبار فيهما إلى عاصمة للأخرى، مشيرا إلى زيارة الرئيس السيسي للخرطوم بعد ولايته الجديدة مباشرة، وإلى زيارة الفريق البرهان بعد توليه رئاسة مجلس السيادة للقاهرة، مضيفا أن الزيارة تحمل رسائل واضحة، أهمها الدعم المصري الكامل لحكومة كامل إدريس، وعدم الإعتراف بأي حكومة موازية في السودان وهي ظاهرة لم يشهد مثلها منذ الاستقلال، وتابع أن الزيارة تأتي أيضا في توقيت العودة الطوعية للسودانيين من مصر إلى المدن التي تم تحريرها في البلاد، مع بدء إعادة الإعمار في هذه المدن.

إعادة الإعمار
ولفت عيسى إلى الاتفاق بين البلدين في الفترة القادمة على مشاركة مصر في إعادة الإعمار بالسودان، وقال إن مصر ستقوم بإعادة تطوير ميناء وادي حلفا، وكذلك إعادة بناء كوبري شمبات وغيرها من المشاريع المهمة، مشددا على ضرورة التنسيق الكامل بين البلدين في المحافل الإقليمية والدولية، ودعوة كل الأطراف بعدم الإعتراف والتعامل مع الحكومة الموازية، وقال في الفترة المقبلة ستعلن إثيوبيا الإنتهاء من سد النهضة وبدء العمل فيه بقرار أحادي من جانبها، مايستوجب موقفاً موحداً بين دولتي المصب مصر والسودان.

الطرف المساند
وأكد عيسى سفير السودان السابق بالخرطوم أن مصر هي الطرف الأول المساند للقوات المسلحة السودانية وجهودها لتحقيق المزيد من الإنتصارات وإعادة كامل التراب الوطني السوداني، مشيرا إلى التطورات العسكرية المهمة على أرض المعركة وإنتصار الجيش السوداني فيها في مناطق مختلفة بكردفان، وقال إن التوافق بين البلدين مهم للغاية في ضوء العلاقات التاريخية والاستراتيجية المهمة بين مصر والسودان.

القاهرة – المحقق – صباح موسى

إنضم لقناة النيلين على واتساب

المصدر

المصدر: موقع النيلين

كلمات دلالية: إعادة الإعمار رئیس الوزراء بین البلدین أن الزیارة

إقرأ أيضاً:

نتمنى الموت.. صرخات سكان غزة تحت الركام في انتظار الإعمار

مع دخول الحرب على قطاع غزة عامها الثالث، لا تزال آلاف العائلات تعيش بين ركام منازلها أو داخل مبان متصدعة تهدد حياتها في كل لحظة، بينما تتعثر جهود إعادة الإعمار بفعل استمرار القيود الإسرائيلية، لتتحول معاناة النزوح المؤقت إلى واقع دائم يثقل كاهل السكان.

وينقل تقرير أعده مراسل الجزيرة شادي شامية من مدينة غزة مشاهد تختزل أزمة السكن المتفاقمة، حيث تنتظر عائلات فقدت منازلها انطلاق إعادة الإعمار، في وقت تتزايد فيه العقبات المرتبطة بإدخال المواد اللازمة وإزالة ملايين الأطنان من الركام، وسط استمرار الظروف الإنسانية القاسية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2بعد شهرين من الحصار.. عائلة الطوباسي تخلي قسريا منزلها في “جالود”list 2 of 2ما تفاصيل وفرص نجاح مقترح هدنة الـ10 أيام بين واشنطن وطهران؟end of list

ولم تغادر عائلة أبو رزق الغول موقع منزلها المدمر، واختارت البقاء إلى جوار الأنقاض بعدما نصبت خيمة أصبحت مأواها الوحيد، وبين الركام، تمضي الأيام دون مؤشرات على اقتراب إعادة الإعمار، في صورة تعكس واقع آلاف الأسر التي فقدت مساكنها.

وتقول أم رزق إنهم ينتظرون منذ 3 سنوات أي تحسن يفتح الباب أمام الإعمار، لكن الأوضاع تزداد سوءا مع انتشار الأمراض والقوارض واستمرار آثار الحرب، مؤكدة أن قسوة الحياة دفعت كثيرين إلى تمني الموت بعدما فقدوا أبسط مقومات العيش.

ولا تبدو معاناة عائلة أبو يوسف أقل قسوة، إذ لم تتمكن حتى من نصب خيمة، فعادت للإقامة داخل منزل متضرر، حيث تحاصرها الجدران المتشققة والسقف المهدد بالانهيار، بينما يلازم أفرادها الخوف مع كل لحظة يقضونها داخله.

وتقول إحدى نساء العائلة إنهم اضطروا للعودة إلى المنزل لعدم وجود أي مكان آخر يؤويهم، رغم إدراكهم أن السقف قد ينهار في أي وقت، مشيرة إلى أنهم يعيشون في حالة خوف وتوتر دائمين بسبب الركام المتراكم فوق المبنى.

إعمار معطل

وتزداد أزمة الإعمار تعقيدا مع استمرار العراقيل الإسرائيلية التي تمنع انطلاق عمليات التعافي المبكر، إضافة إلى التحديات المرتبطة بإزالة كميات هائلة من الأنقاض، فيما يؤكد مسؤولون أن أي تقدم في هذا الملف يبقى رهنا بتطورات سياسية وميدانية.

إعلان

ويقول مسؤول في بلدية غزة إن الواقع بالغ الصعوبة بسبب رفض إسرائيل فتح المعابر وإدخال المعدات والمواد التي تحتاجها البلديات لبدء مرحلة التعافي المبكر، مؤكدا أن المؤسسات المحلية ما تزال تنتظر خطوات عملية يمكن أن تغير الأوضاع القائمة.

وتعزز الأرقام الرسمية حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، إذ تشير بيانات وزارة التنمية الاجتماعية حتى يونيو/حزيران 2026 إلى تسجيل 65 ألفا و279 يتيما في قطاع غزة، بينهم 54 ألفا و468 طفلا فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب.

وتوضح البيانات كذلك انضمام 2039 طفلا إلى سجل الأيتام بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويوليو/تموز 2026، بينما ارتفع عدد الأرامل المسجلات إلى أكثر من 28 ألف أرملة، من بينهن 742 امرأة فقدن أزواجهن خلال الفترة نفسها، بما يعكس اتساع الآثار الاجتماعية للحرب.

وتتزامن هذه المعطيات مع استمرار تدهور أوضاع الإيواء، إذ تعرض أكثر من 20 مركزا ومخيما للاستهداف أو التضرر منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، كما نزحت أكثر من 800 أسرة داخليا نتيجة التوغلات الإسرائيلية وتقلص المساحات المتاحة للمدنيين.

وفي ظل هذه الظروف، تواصل عائلات غزة حياتها بأقل الإمكانيات داخل خيام مهترئة أو بين أنقاض المنازل، بينما يتراجع الأمل بإعادة الإعمار مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع، لتبقى العودة إلى حياة طبيعية هدفا مؤجلا بانتظار تغير الواقع.

مقالات مشابهة

  • بعد الحرب.. أزمة إعادة إعمار قانونية في الجنوب
  • داغي: زيارة رئيس الوزراء العراقي لطهران يجب ألا تبقي العراق تابعا لإيران
  • الخارجية الأمريكية : الجيش السوداني استخدم الكيماوي في العام 2024
  • “دبليو كابيتال”: العقارات التجارية في دبي تسجل أعلى مبيعات نصف سنوية متجاوزة حصيلة عام كامل
  • السودان.. مجلس الوزراء يناقش إنشاء مدينتين طبيتين ومشروع وادي الهواد
  • 1.5 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد السوداني.. تفاصيل صفقة مرتقبة
  • بنك الذهب أم بنك الحرب؟: قراءة نقدية في مشروع “بنك الذهب السوداني” ومقترح بديل تحت حوكمة شرعية
  • الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
  • رئيس حكومة لبنان: سنواصل حشد جهودنا السياسية والدبلوماسية لتأمين انسحاب اسرائيلي كامل من الجنوب
  • نتمنى الموت.. صرخات سكان غزة تحت الركام في انتظار الإعمار