من بين كلّ مناطق القطاع، كيف وقع الاختيار على المدينة الأم «غزة»؟ ولماذا قرَّر المجلس الأمني الإسرائيلي المصغَّر (الكابينيت) أن يضع قلب الجغرافيا تحت أقدامه، رغم علمه أن كل شارع فيها حكاية، وكل بيت فيها ذاكرة؟
وسط المأساة الفلسطينية (سياسيًا، وعسكريًا، وإنسانيًا) جاء قرار «الكابينيت» الإسرائيلي باحتلال مدينة غزة كعلامة فارقة في مسار الصراع، خطوة تحمل في طياتها رسائل تتجاوز حدود الخرائط، وقد تمتد آثارها لسنوات، وربما لعقود.
قرار المجلس الوزاري المصغَّر للشئون السياسية والأمنية في إسرائيل يؤسس لفصل جديد في معركة مفتوحة منذ عقود، لكن الخطة هذه المرة مُعلَنة: السيطرة على أكبر مدن القطاع، ضمن رؤية استراتيجية لإعادة ترتيب جغرافيا غزة.
مدينة غزة، رغم ضيق مساحتها (تقارب 45- 50 كم²)، ظلت عقدة جيوسياسية في مواجهة الاحتلال، تشكل نحو 15% من مساحة القطاع، هي أكبر من مجرد أرض أو أحياء سكنية، كونها رمزًا ومركز ثقل سياسي وعسكري.
اختيار المدينة هدفًا للاحتلال لم يكن اعتباطيًا، بل ثمرة حسابات دقيقة ومخاطر محسوبة، تستدعي قراءة هادئة لا تقع في فخ التبسيط أو الانحياز، في غزة، لا تُقاس الحياة فقط بعدد المواليد أو الراحلين، بل بقدرة المدينة على التنفس تحت سماء مثقلة بالدخان.
أرقام الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تقول إن سكانها، عام 2023، كانوا حوالي 677799 نسمة، لكن تقديرات أخرى ترفع العدد إلى 713488، حتى وإن كانت الأرقام تبدو جامدة، فإن وراءها وجوهًا وأسماءً وحكايات.
تشكل مدينة غزة البقعة الأكثر ازدحامًا في القطاع الذي يضم نحو 2.1 مليون إنسان، تتقاطع الحسابات مع النزوح القسري، وتتشظى تحت ضغط المواجهات والسياسة والحصار، حتى يصبح تعداد الأرواح لعبة تقديرات، يغيّرها صاروخ في لحظة أو هدنة قصيرة العمر.
في قيادة المنطقة الجنوبية، وقف رئيس أركان جيش الاحتلال يطيل النظر إلى خرائط ملوَّنة، لم تكن الألوان مجرد تظليل جغرافي، بل حدود دم محتمل، حوله ضباط يعرفون أن كل خط على الورق قد يصبح في الميدان جدارًا أو قبرًا.
اجتماع إيال زامير لم يكن مناسبة بيروقراطية عابرة، تم في أجواء مشدودة، من دون مجاملات ولا شعارات، كان هناك تركيز كامل على خطة محددة، أشبه بغرفة عمليات مصغَّرة تحبس أنفاسها قبل انطلاق العدّ التنازلي.
الخرائط على مائدة الاجتماع، والعيون معلقة بخطوط حمراء تشق قلب غزة، بينما «زامير» يرسم، بعين الضابط الميداني القديم والهاجس السياسي المستجد، هدفين لا يقبلان المساومة: استعادة الأسرى، وتفكيك ما تبقى من بنية المقاومة الشعبية الفلسطينية.
الأول، عملية تزن كل خطوة بميزان الجرّاح الذي يعرف أن خطأ واحدًا قد يحوِّل المهمة إلى كارثة، وأن حياة الأسرى معلقة بخيط أدق من شعرة، بينما الثاني، طموح يثقل الهواء في القاعة، إذ يتجاوز المعارك إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي لمدينة أنهكتها الحروب.
المهمة المكلف بها رئيس الأركان من المستوى السياسي (حكومة الاحتلال)، تتجاوز القدرة على التخطيط، لأن مدينة غزة ليست مجرد جغرافيا محاصَرة، بل ذاكرة مثقلة بالدم، ومجتمع لا ينسى، وحصار يعرف كيف يحوِّل الجدران إلى دروع، والخراب إلى صلابة لا تنكسر بسهولة.
من يختصر قرار «الكابينيت» الإسرائيلي في استجابة لضغوط داخلية أو تحسين موقع تفاوضي، يقع في خطأ التقدير، فهذه ليست مناورة ولا ورقة ضغط، ولا انعكاسًا لانقسامات عميقة داخل الكيان المحتل، كما تروِّج حماس، وترقص جوقة الإخوان وإعلامهم التغيِيبي.
في «الكابينيت»، كانت الكفة واضحة: أغلبية مع قرار السطو الجغرافي على مدينة غزة، وصوت واحد يعارض، بتسلئيل سموتريتش، لا يرفض القرار رحمةً بأهل غزة، بل لأنه يريد ما هو أكثر، إذ يرى أن احتلال مدينة واحدة «نصف الحل»، ومطلبه السيطرة على كامل القطاع.
إذن، قرار «الكابينيت»، كما تكشف النقاشات، لا يعكس انقسامًا جذريًا، بل اختلافًا في حجم الطموح. سموتريتش يرى أن السيطرة الجزئية غير كافية لتحقيق الهزيمة الكاملة للمقاومة، بينما المستوى العسكري يفضل التنفيذ على مراحل، لا دفعة واحدة.
عسكريًا، التركيز على مدينة غزة كمرحلة أولى له منطق واضح، فالمدينة، بكثافتها السكانية العالية وتضاريسها المعقدة، تمثل تحديًا كبيرًا لجيش الاحتلال، وأي عملية فيها مغامرة محفوفة بالمخاطر، كما يقول زامير بخبرته الطويلة، فنصح الحكومة باتباع نهج «النفس الطويل». «النفس الطويل» ليس تعبيرًا بلاغيًا، بل عنوان لاستراتيجية تقوم على استنزاف قدرات المقاومة الشعبية تدريجيًا، بدل المواجهة المباشرة التي قد تؤدي إلى خسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، ورغم التفوق التكنولوجي، يدرك زامير أن القتال في بيئة حضرية معقدة سيواجه مقاومة شرسة.
ميدانيًا، احتلال مدينة غزة يتطلب تهجير سكانها، خطوة ستكون مثيرة للجدل إنسانيًا ودوليًا، البيانات الرسمية لـ«الكابينيت» ستحاول تبريرها بمحاولة تقليل الخسائر المدنية وضمان حرية حركة القوات، لكن مئات الآلاف سينزحون إلى خيام متخمة بقاطنيها، وأحياء فقيرة كالمقابر.
النازحون المحتملون من مدينة غزة يدركون أن أزمات الماء والغذاء والإقامة تكاد تسبقهم، والمخطط الإسرائيلي يثير أسئلة حول نتائجه على المدى البعيد، فتهجير سكان المدينة إلى مناطق كالمواصي أو خان يونس سيفاقم الأزمة الإنسانية، وربما يعزز المقاومة الشعبية.
نقص المساعدات الإنسانية، وتدمير البنية التحتية، والاكتظاظ في مناطق النزوح، سيخلق واقعًا كارثيًا. في مثل هذه الظروف، قد تتحول المعاناة إلى وقود سياسي وميداني للمقاومة الشعبية، لكن ستتذكر الأغلبية أن حركة حماس سحبت الأسلحة من المواطنين قبل سنوات لتأمين حكمها.
سياسيًا، قرار الاحتلال يعكس رهان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على قلب موازين اللعبة، إذ يواجه ضغوطًا داخلية وخارجية، ويرى في هذه الخطوة فرصة لإعادة تأكيد قوة الردع الإسرائيلية في اتجاهات عدة، اختبرها عسكريًا خلال العامين الأخيرين.
رسالته: إسرائيل مستعدة لخطوات جذرية، لكنه يتحدث من موقع الضعف لا القوة، ويعرف أن الرهان محفوف بالمخاطر، حتى مع الدعم الضمني الذي تحصل عليه حكومة الاحتلال من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى إنه صار شريكًا لإسرائيل لا وسيطًا لحل أزماتها.
اجتماعيًا، الاحتلال وما يتبعه من تهجير وتدمير سيترك آثارًا عميقة على المجتمع الفلسطيني. غزة، التي كانت عبر تاريخها مركزًا للحياة الثقافية والاقتصادية في القطاع، قد تتحول إلى أنقاض. الخسارة ليست مادية فقط، بل مساس بالهوية.
التهجير القسري سيخلق جيلًا جديدًا من اللاجئين داخل القطاع نفسه. الصورة التي تحاول إسرائيل تقديمها لعمليتها أنها مدروسة ومحدودة، تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية دون التورط في مستنقع طويل الأجل، لكن الواقع الميداني يقول العكس.
يعرف المختصون أن أي عملية في مدينة غزة ستكون مكلفة، سواء من حيث الخسائر البشرية أو السياسية. وعليه، تتحول غزة مجددًا إلى مرآة للصراع كله، والقرار الإسرائيلي مقامرة قد تغيّر موازين اللعبة أو تفتح بابًا إلى مستنقع طويل.
من يعرف مدينة غزة، يدرك أن الحرب ليست حدثًا طارئًا في حياتها، بل جزء من تكوينها وذاكرتها الجمعية. لهذا، دخول غزة ليس فقط عملية عسكرية، بل دخول إلى قلب الحكاية نفسها، حكاية بدأت بالنكبة ولم تنتهِ.
ما دام هناك شعب يرى في مدينته أكثر من بيوت وأسواق، بل قطعة من هويته وعنوانًا لوجوده، ستبقى يد القوة عاجزة عن محو العنوان، رغم قرار الكابينيت الذي يعكس رغبة إسرائيل في تغيير الواقع ويفتح الباب أمام سيناريوهات غير متوقعة.
هل سينجح الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه المعلنة، أم أن هذه الخطوة ستكون بداية لمستنقع جديد؟ الإجابة ستتوقف على إدارة إسرائيل للعملية، وردّ فعل المقاومة الشعبية والمجتمع الدولي، لكن المؤكد أن غزة، بكل تعقيداتها، ستبقى ساحة يتشابك فيها العسكري والسياسي والإنساني في عقدة يصعب حلها.
اقرأ أيضاًبعد وقف حرب «إيران وإسرائيل».. مساعد وزير الخارجية الأسبق: لماذا لا يتدخل ترامب لوقف الحرب في غزة؟| خاص
لماذا تخشى إسرائيل أطفال غزة؟.. قراءة من صفحات التاريخ
لماذا تسعى أمريكا للسيطرة على قطاع غزة ( 2 )؟
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: إسرائيل غزة حماس مدينة غزة رئيس أركان جيش الاحتلال الكابينيت الكابينيت الإسرائيلي الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني المقاومة الشعبیة مدینة غزة
إقرأ أيضاً:
"مدينة الابتكار رأس الخيمة" تستقطب شركة Chillblast البريطانية
الشارقة- الرؤية
أعلنت مدينة الابتكار رأس الخيمة عن استقطاب شركة Chillblast، الشركة البريطانية الأكثر حصولاً على الجوائز في تصنيع أجهزة الكمبيوتر، لتأسيس مقرها الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي ضمن المنطقة الحرة الرائدة في دولة الإمارات والمدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وتمثل هذه الخطوة محطة جديدة في مسيرة مدينة الابتكار الرامية إلى استقطاب أكثر شركات التكنولوجيا العالمية طموحاً إلى إمارة رأس الخيمة، وترسيخ منظومة متكاملة تُمكّن الشركات التي تقود مستقبل الذكاء الاصطناعي والألعاب والحوسبة المتقدمة من التأسيس والابتكار والتوسع انطلاقاً من المنطقة.
وفي ظل تسارع استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في مجالات الذكاء الاصطناعي والألعاب والبنية التحتية الرقمية، يعكس قرار Chillblast تحولاً أوسع في توجهات شركات التكنولوجيا العالمية، التي لم تعد تنظر إلى المنطقة باعتبارها سوقاً للتوسع فحسب، بل وجهة استراتيجية لتأسيس عملياتها وبناء أعمالها.
وعلى مدى سنوات، اعتمدت العلامات التجارية العالمية المتخصصة في التكنولوجيا على نماذج التوزيع التقليدية لدخول أسواق دول مجلس التعاون الخليجي. أما اليوم، فتُعيد مدينة الابتكار صياغة هذا النموذج من خلال توفير بيئة متكاملة تتيح للشركات تأسيس عمليات إقليمية ذات أثر مستدام، والاستفادة من بنية تحتية متخصصة، والانضمام إلى منظومة صُممت خصيصاً لخدمة القطاعات التي سترسم ملامح العقد المقبل.
مدينة الابتكار... وجهة للشركات التي تصنع المستقبل
أُسست مدينة الابتكار لتكون الوجهة المفضلة للشركات التي ترسم ملامح المستقبل. وعلى خلاف المناطق الحرة التقليدية، صُممت المدينة منذ البداية لتلبية احتياجات قطاعات الذكاء الاصطناعي والألعاب والروبوتات والتقنيات الناشئة، بما يوفر للشركات البنية التحتية والمنظومة المتكاملة والمرونة التشغيلية اللازمة للعمل في طليعة الابتكار.
وتضم مدينة الابتكار أول مركز بيانات سيادي للذكاء الاصطناعي داخل منطقة حرة في دولة الإمارات، إلى جانب مجتمع متنامٍ من الشركات المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يوفر لقادة قطاع التكنولوجيا البيئة والبنية التحتية اللازمة للابتكار، وتعزيز التعاون، والتوسع انطلاقاً من دولة الإمارات.
وبالنسبة لشركة Chillblast، شكّل هذا التكامل عاملاً حاسماً في اتخاذ قرارها. إذ ستتخذ الشركة من مدينة الابتكار مقراً إقليمياً لعملياتها في دول مجلس التعاون الخليجي، مع تجميع أنظمة الحوسبة عالية الأداء المخصصة للذكاء الاصطناعي والألعاب والتطبيقات الاحترافية بالقرب من عملائها في مختلف أنحاء المنطقة. وستحمل جميع الأنظمة علامة "صُنع في مدينة الابتكار"، بما يعكس عمليات التجميع المحلية ويجسد التزام الشركة طويل الأمد تجاه دولة الإمارات ومنظومة التكنولوجيا في دول مجلس التعاون الخليجي.
وقال بول دواليبي، الرئيس التنفيذي لمدينة الابتكار:
"لن يتحدد مستقبل التكنولوجيا بالمواقع التي اعتادت الشركات العمل منها تاريخياً، بل بالمناطق التي تنجح في بناء المنظومات المناسبة للابتكار. وفي مدينة الابتكار، نعمل على توفير بيئة تمكّن كبرى شركات التكنولوجيا العالمية من التأسيس والابتكار والتوسع انطلاقاً من المنطقة. ويُعد قرار شركة Chillblast بتأسيس عملياتها هنا مثالاً واضحاً على ما يمكن تحقيقه عندما تتوافر للشركات العالمية بنية تحتية متقدمة، وكفاءات متميزة، ورؤية طموحة تسهم في رسم ملامح الجيل القادم من الحوسبة."
علامة تجارية تستند إلى سجلٍ راسخ من الإنجازات
تدخل Chillblast أسواق دول مجلس التعاون الخليجي مستندة إلى سمعة راسخة بُنيت على التميز الهندسي، والتقدير المستقل، وعقود من الخبرة في تطوير أنظمة حوسبة عالية الأداء للمؤسسات التي تُعد الموثوقية فيها عنصراً أساسياً لا يقبل المساومة.
وتُعرف الشركة بأنها الأكثر حصولاً على الجوائز في المملكة المتحدة في مجال تصنيع أجهزة الكمبيوتر، حيث تقوم بتصميم وتجميع أنظمة متطورة يدوياً مخصصة للألعاب والذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى والتطبيقات الاحترافية. وتحظى تقنياتها بثقة مؤسسات مرموقة، من بينها Aston Martin وWilliams Racing وRed Bull وRoyal Air Force، إلى جانب نخبة من مطوري الألعاب والمؤسسات البحثية والشركات التي تتطلب أعلى مستويات الأداء.
وقد تأسست هذه الشراكات على سنوات من الدقة الهندسية وعمليات الاختبار الصارمة. ومن خلال حضورها في مدينة الابتكار، ستوفرChillblast المستوى ذاته من الجودة والتميز لعملائها في مختلف أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي.
وقال سكوت برينشلي، الرئيس التنفيذي لشركة Chillblast: "توفر لنا رأس الخيمة القاعدة المثالية لتقديم أحدث تقنيات الحوسبة البريطانية المتقدمة إلى سوق طال انتظارها لها. ونحن هنا لبناء حضور محلي حقيقي من خلال تجميع أنظمة الحوسبة عالية الأداء التي ستدعم طموحات المنطقة في مجالي الألعاب والذكاء الاصطناعي، وتوفيرها من داخل المنطقة لخدمة الأفراد والمؤسسات الذين يعتمدون عليها."
مرحلة جديدة للحوسبة المتقدمة في دول مجلس التعاون الخليجي
يمثل انضمام Chillblast إلى مدينة الابتكار أكثر من مجرد توسع لعلامة تكنولوجية عالمية، بل يعكس المكانة المتنامية التي ترسخها دول مجلس التعاون الخليجي بوصفها وجهة رائدة لتطوير الحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي.
وستمثل كل منظومة تحمل علامة "صُنع في مدينة الابتكار" أكثر من مجرد عملية تجميع محلية؛ إذ ستجسد المكانة المتنامية لإمارة رأس الخيمة باعتبارها وجهة تستقطب شركات التكنولوجيا العالمية، ليس فقط للوصول إلى أسواق المنطقة، بل للإسهام في رسم مستقبلها من داخلها.