نادية صبرة تكتب: نتنياهو بين الحلم والجنون السياسي
تاريخ النشر: 15th, August 2025 GMT
فى خطوة أثارت عاصفة من الجدل الإقليمي والدولي، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات غير مسبوقة خلال مقابلة مع قناة i24 أعلن فيها أنه يشعر بأنه فى (مهمة تاريخية وروحية) مرتبطة برؤية إسرائيل الكبري رؤية لا تقتصر على حدود فلسطين المحتلة بل تمتد وفقا للمفهوم الصهيوني المتشدد لتشمل اجزاء من الأردن ومصر وسوريا ولبنان!!
المقابلة اكتسبت بعدا رمزيا لافتاً حين أهدى المذيع (شارون غال) وهو عضو كنيست سابق لنتنياهو تميمة تحتوي على خريطة (الأرض الموعودة) وسأله إن كان يوافق على هذه الرؤية فجاء الرد مؤكداً وبحماسة : جدا واضاف نتنياهو: (أنا فى مهمة تمتد عبر الأجيال؛ هناك أجيال من من اليهود حلمت بالقدوم إلي هنا وستأتي اجيال أخري بعدنا) مؤكدا أن مهمته تحمل طابعا تاريخيا وروحيا في آن واحد!! بهذه الكلمات أطلق نتنياهو ما يمكن وصفه بـ(قنبلة سياسية) أعادت إلي الواجهة اخطر مشاريع اليمين الصهيوني وربما مهدت لمرحلة أكثر توتراً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
ورغم أن فكرة (إسرائيل الكبري) كانت دائما حاضرة في أدبيات التيار الصهيوني اليميني المتطرف إلا أن تبنيها علنا وعلى لسان رئيس الوزراء يمثل تحولا خطيراً في الخطاب الرسمي الإسرائيلي فبدلاً من الاكتفاء بالسياسات التوسعية على الأرض بات الحديث عن هذا المشروع يتم أمام الإعلام وبوضوح بما يعكس انتقاله من خانة (الطموح الايديولوجي) إلي خانة (الإعلان السياسي)..
ويبدو أن نتنياهو يدرك جيداً طبيعة الظرف التاريخي الصعب الذي يمر به الشرق الأوسط من حروب وانقسامات وأزمات داخلية فيسعى لاستغلاله لتمرير أجندته التوسعية، كما يجد أمامه شخصية استثنائية في دعم إسرائيل هي الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) الذي صرح سابقاً بأن مساحة إسرائيل صغيرة ويجب أن تتوسع في تشبيه لافت بأنها مثل قلم على منضدة كبيرة ! ! فى إشارة واضحة إلى أن هذا التوسع سيكون على حساب دول المنطقة.
ولعل تصريح نتنياهو يفتح الباب أمام قراءات متعددة حول الهدف منه:
أولا رسالة للداخل الإسرائيلي في محاولة لاستنهاض القاعدة اليمينية المتطرفة وإعادة إنتاج الخطاب التوراتي الذي يربط الصراع بجذور دينية وتاريخية
ثانيا رسالة للخارج في تحدي مباشر للعرب والمجتمع الدولي مفاده أن إسرائيل لا تري فى حدود ١٩٦٧ نهاية للصراع بل بداية لمرحلة جديدة من التوسع
وقوبلت تصريحات نتنياهو بإدانات عربية واسعة، حيث وصفتها مصر والسعودية والأردن بأنها تمثل تصعيدا خطيراً وتهديدا للأمن القومي العربي ويسجل لهذه المواقف قوتها وسرعة صدورها لكن الموقف الحالي يتطلب ما هو أبعد من بيانات الإدانة إذ يجب أن تتحول إلى اتحاد عربي فعلي لمواجهة هذه المخططات التي بدأ تنفيذها بالفعل ويكفي أن قرار (الكابينت) الإسرائيلي باحتلال غزة ليس سوي الشرارة الأولى لمرحلة التطبيق العملي لرؤية (الأرض الموعودة) فالخطر إذا ترك لن يقف عند حدود فلسطين بل سيمتد ليهدد كل الدول العربية بلا استثناء.. وفي زمن الفوضى يخطئ من يظن أن الخرائط تكتب بالرصاص وان التاريخ يعاد رسمه بدم الآخرين لذا فرسالتي للسيد نتنياهو هي:- اعلم انك تحب قراءة التاريخ لكن يبدو انك تفضل قصص الخيال أكثر.. احلامك التوسعية لن تتحقق إلا في خرائطك المعلقة على الجدران أو في مناماتك بعد عشاء ثقيل.. تذكر أن كل من حاول ابتلاع الشرق الأوسط من قبلك ابتلعته رماله أولا وانك مهما رسمت حدوداً على الورق فإنها ستذوب مع أول مطر من إرادة الشعوب.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: نتنياهو غزة فلسطين
إقرأ أيضاً:
الجار الذي لا يخالط جيرانه
أصبح الناس لا يهتمون كثيرًا بتوطيد علاقاتهم بجيرانهم، بل يحاولون وضع الحواجز المرتفعة التي تحجب عنهم الاحتكاك بمن حولهم، على الرغم من أننا ندرك بأن ليس كل الجيران "سيئين"، فالأغلب قد يكونون سندًا وعونًا لمن يستنجد بهم، لكن السؤال: لماذا لا يختلط البعض بجيرانهم كعلاقة اجتماعية بناءة؟
منذ أيام كان يتحدث لي أحد الزملاء عن سر القطيعة التي تغلب على بعض علاقته بجيرانه، سرد لي بعض المواقف التي حاول فيها إقامة علاقة ود معهم، لكن كل محاولاته باءت بـ"الفشل".
تحدث عن مساعيه، ثم عقد مقارنة بسيطة ما بين الطابع الغالب على الناس في المدينة والمناطق البعيدة، واعترف بأن أغلب القرى، أو لنقل المناطق والولايات، تؤسس معنى العائلة الواحدة بحكم أنهم أقرباء، ولذا فإن جسور التواصل الأسري ممتدة في جذورها، ولكن اختفاء هذا الأمر في المدينة لا بد أن له أسبابًا ومسببات، لكنه عاد ليتساءل عن نشوء حالة من عدم تقبل بعض الجيران الحديث مع جيرانهم.
أكد بأن البعض يعيش حالة الانعزال التام، ليس فقط على مستواه الشخصي، ولكن تمتد حتى إلى أطفاله وأفراد عائلته.
قال بأنه أمضى وقتًا طويلًا منذ أن أتى إلى المدينة في حقبة التسعينيات من القرن الماضي، ثم تنقل في أماكن عيش عديدة، لكنه استقر في مسكنه الحالي منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، وحتى اليوم لا يعرف أسماء الأشخاص الذين يسكنون إلى جانبه، رغم أنها منازل لعائلات وليست شققًا يسكنها الغرباء فترة ويرحلون.
قال بأن الصدف هي من تجمعه ببعض جيرانه، البعض يرد عليه التحية، والبعض الآخر لا يعيره أي اهتمام!
لم أكن مستغربًا مما قاله، فحياة المدن كما أعلمها جيدًا لها طابعها المختلف عن القرى، لكن السؤال: لماذا ينفر الجيران من بعضهم البعض؟
في نظري، بعض الجيران في المدن يدركون بأنهم خليط تجمعوا في نقطة معينة، ولكل منهم ثقافته وسماته وأفكاره التي استمدها من طابع حياته الماضية، لذا يؤثرون عدم الاحتكاك بالآخرين.
أما البعض الآخر فيرى بأن مستواه الاجتماعي لا يسمح له بالتجانس مع الذين يسكنون إلى جانبه، حتى لا يسألوه في خدمة أو يثقلوا عليه في أمر، والنوع الآخر من الجيران يرى بأن من مقتضيات الخصوصية قطع أي علاقة إنسانية مع الجيران، لذا فهو لا يتداخل أو يتواصل معهم نهائيًا.
وسواء كانت النظرة الأولى أو الثانية أو الثالثة صحيحة، فإن الواقع يتحدث عن نظرة بعض الناس إلى بعضهم البعض، ليست بمستوى واحد، وهي ما تجعلهم لا يتقبلون فكرة الاختلاط مع الجيران أو التداخل على المستوى العائلي، وهذه النتيجة التي توصلت إليها ينفيها الكثير ممن تحدثت معهم حول هذه النقطة، والذين يؤكدون بأنه طبع في بعض البشر، يفضلون العزلة دون سواها.
زميل آخر طرح مبررًا مختلفًا، معتبرًا أن القطيعة في العلاقات ما بين الجيران ترجع إلى كثرة المشاغل اليومية لبعض الناس، وعدم وجود فرصة للالتقاء بالجيران أو التواصل معهم، ولكن هذه النظرة لم تقنعني كثيرًا، لأن الواقع الذي أعرفه من زملاء آخرين يؤكد بأنهم يلتقون بجيرانهم بشكل مستمر، حتى ولو على فترات متقطعة، حتى إن بعضهم يحرص على السؤال عن جيرانه إذا افتقد وجودهم في المكان.
من الملاحظ أن المناسبات الدينية لم تعد لها مكانة عند بعض الجيران، فمثلًا في رمضان لا يتبادلون الأطباق الرمضانية، فالكل متقوقع على نفسه، وكأنه يعيش في عالم منعزل، بينما العادات والتقاليد القديمة كانت تؤصل فكرة التزاور، وتبادل الأطعمة، والسؤال عن الجيران والاطمئنان عليهم بشكل دائم.