عبد السلام فاروق يكتب: محدش يجرب مصر.. رسالة إلى نتنياهو والعالم
تاريخ النشر: 6th, September 2025 GMT
لا أعرف إن كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد نسي تاريخ هذه المنطقة حقاً، أم أنه يتعامى عنه، أم أنه ببساطة يختبر ذاكرتنا الجماعية ليرى إلى أي مدى يمكن أن تمحى. لكني أرى أن رسالة واضحة قد التبست عليه، أو ربما أراد أن يمررها على استحياء ليرى رد فعلنا: فكرة تهجير الفلسطينيين من معبر رفح.
الرد المصري، من وجهة نظري، جاء كالصاعقة.
ما يفعله نتنياهو ليس جديداً. إنها نفس اللعبة القديمة التي نعرفها جميعاً: خلق واقع جديد على الأرض، ثم فرضه على العالم كأمر واقع. لقد حاولوا ذلك في 1948 و1967، وها هم يحاولون اليوم تحت غطاء الحرب على "حماس". الفكرة من وجهة نظري بسيطة ومعقدة في آن واحد: تصفية القضية الفلسطينية ليس بإنهائها، بل بنقلها. تحويل الصراع من صراع على الأرض إلى أزمة لاجئين تتحملها الدول المجاورة، وتحديداً مصر والأردن.
لكن الجديد اليوم، برأيي، هو الوضوح المصري المطلق في رفض هذه اللعبة. لم يعد هناك مجال للتعامل الدبلوماسي المبهم أو المرن. لقد رسمت مصر خطاً أحمراً واضحاً للعالم أجمع: أي محاولة لتهجير الفلسطينيين خارج غزة تعني الحرب. هذا الموقف لا يعكس فقط التزاماً أخلاقياً بقضية عادلة، بل إدراكاً استراتيجياً عميقاً لمخاطر هذا التهجير على أمننا القومي.
هنا يجب أن أسأل: لماذا هذا الموقف الحازم من القاهرة؟
أولاً، الأمن القومي المصري ليس شعاراً نرفعه؛ إنه خط دفاعنا الأول. استقبال ملايين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، كما يتمنى نتنياهو، لن يكون عملاً إنسانياً مؤقتاً. سيحول شبه الجزيرة إلى قاعدة دائمة للصراع والفوضى، ستكون برميل بارود على حدودنا مباشرة، وستستخدم كذريعة دائمة للتدخل الإسرائيلي تحت مسمى "ملاحقة الإرهابيين". إنها إستراتيجية "تصدير الأزمة" التي تتبعها إسرائيل، ونحن نرفض أن نكون سلة المهملات لها.
ثانياً، البعد العربي والإسلامي. مصر لم، ولن، تتخلى عن دورها القيادي في المنطقة. قبول التهجير هو خيانة لتاريخنا كحاضنة للقضايا العربية، وتخلي عن دورنا كقلب للأمة. إنه سيقوض مصداقيتنا إلى الأبد، ويحولنا من دولة قائدة إلى دولة تابعة، تفرض عليها الشروط.
ثالثاً، الرسالة إلى الداخل الإسرائيلي والعالم. أرى أن مصر تريد أن تقول للغرب، وخاصة للداعمين الأقوياء لإسرائيل في واشنطن: "كفاكم". لقد بلغ السيل الزبى. هناك حد للصمت على إنشاء "كانتونات" في الضفة، وحصار غزة، ومصادرة الأراضي، والآن محاولة طرد شعب بكامله. مصر تضع نفسها، في تقديري، كحائط الصد الأخير ضد سياسة "الأرض المحروقة" الديموغرافية.
أعتقد أن أي مواجهة، إن حصلت، ستكون زلزالاً إقليمياً سيدخل الجميع في دوامة لا يعرف أحد عواقبها. إسرائيل تدرك هذا جيداً. والقوى الدولية تدركه. لذلك فإن التصريح المصري هو في جوهره استباق لهذه المغامرة الخطيرة. هو محاولة لوضع النقاط فوق الحروف قبل فوات الأوان.
من وجهة نظري، تحول معبر رفح من معبر حدودي إلى رمز. رمز للسيادة المصرية، وللإرادة المصرية، وللالتزام الأخلاقي والسياسي تجاه القضية الفلسطينية. التلاعب بهذا المعبر هو تلاعب بكرامتنا نحن.
إن رفضنا لتصريحات نتنياهو هو إعلان للعالم أن حقبة جديدة قد بدأت، حقبة لن تسمح فيها القوى الإقليمية بتغيير الخرائط الديموغرافية بالقوة. إنها صيحة مدوية بأن على المجتمع الدولي أن يفيق من سباته، وأن على اللاعبين في هذه المسرحية أن يعيدوا حساباتهم.
أرى أن الموقف المصري الحازم لا ينفصل عن سياق استراتيجي أوسع، يعيد تشكيل تحالفات المنطقة وتوازنات القوى فيها. ما نشهده اليوم هو فصل جديد من فصول الصراع الطويل، حيث تتحول التصريحات إلى اختبارات إرادة، والحدود إلى خطوط نار، والمواقف إلى استراتيجيات وجود.
لعقود، اضطلعت مصر بدور الوسيط. لكن محاولة إسرائيل فرض واقع التهجير يمثل انتهاكاً فجاً لهذه الوساطة، ويحولنا من وسيط إلى طرف مباشر في المواجهة. هذا التحول ليس خياراً مصرياً، بل هو فرض إسرائيلي. لكننا، بوعي استراتيجي، اخترنا أن نرفض هذا الخيار المفروض، وأن نعيد تعريف دورنا ليس كطرف في الصراع، بل كـ "حام للحدود الديموغرافية للأمة". أي محاولة لعبث إسرائيلي بتركيبة غزة الديموغرافية ستعتبر اعتداء على أمننا القومي، وسيتم الرد عليها ليس كقضية فلسطينية فحسب، بل كقضية مصرية وجودية.
رسائل متعددة:
أعتقد أن خطابنا الحازم لم يوجه فقط لإسرائيل، بل للعديد من اللاعبين: للإدارة الأمريكية والغرب: كشف تناقض خطابهم حول "حقوق الإنسان" بينما يتغاضون عن محاولات التهجير القسري، وهي جريمة حرب. نقول لهم: "كفاكم ازدواجية". ولدول الخليج: تذكير بأن أمنهم مرتبط بأمننا، وأن الاستقرار ليس تجارة فقط، بل قضية أمنية وجودية. ثم للأمة العربية والإسلامية: دعوة غير مباشرة للخروج من الصمت والوقوف في خندق واحد.
سيناريوهات ممكنة:
السيناريو الأول: تصعيد محدود: قد تستمر إسرائيل في استفزازات عند المعبر. ردنا سيكون بحزم وتعزيز وجودنا، وربما تعطيل العمل بالمعبر كرسالة.
والسيناريو الثاني: تصعيد إقليمي: إذا أقدمت إسرائيل على عمل عسكري واسع لفرض التهجير، فسيكون الرد مختلفاً جذرياً وقد يفتح الباب لمواجهة إقليمية أوسع.
أما السيناريو الثالث فهو: التراجع الإسرائيلي: أعتقد أن الضغط المصري الحازم والضغوط الدولية قد يجبران إسرائيل على التراجع عن خطتها علناً. هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً، فإسرائيل تدرك أن مواجهة مصر مختلفة تماماً.
ما نفعله اليوم هو إعادة تعريف قواعد اللعبة. لم تعد القضية الفلسطينية قضية "مفاوضات" فحسب، بل أصبحت قضية "حدود وجودية" لا يمكن تجاوزها. رفضنا هو إعلان أن عصر التهام الأرض وطرد السكان قد ولى.
"محدش يجرب مصر" هي فلسفتنا الجديدة: قوة الردع الاستباقي بالكلمة والحزم قبل الرصاص. ومصر، بحكمتها وتاريخها، تؤكد مرة أخرى أنها حجر الزاوية في استقرار هذه المنطقة. ومن يمس هذا الحجر، يهدم البيت كله.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأردن مصر
إقرأ أيضاً:
منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كان يدور الجدل داخل الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات حول جدوى التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين بوصفها حركة سياسية تتباين فروعها من دولة إلى أخرى، باعتبارها شبكة عابرة للحدود تتشارك الفكر والتمويل والأهداف.
إلا أنّ القرار الأخير الصادر عن وزارة الخزانة الأمريكية أمس الخميس بإدراج محمود الإبياري، أمين عام التنظيم الدولي، إلى جانب أفراد وكيانات أخرى مرتبطة بشبكات دعم مالي لحركة حماس إلى قوائم الإرهاب، يعكس انتقالًا واضحًا من مراقبة التنظيم إلى استهداف بنيته المالية والتنظيمية.
القرار لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً ماليًا معزولًا، بل يمثل حلقة جديدة في سياسة أمريكية بدأت تتبلور بصورة أكثر وضوحًا منذ عودة إدارة الرئيس دونالد ترامب، ففي الثالث عشر من يناير 2026 أعلنت واشنطن إدراج الفروع المصرية والأردنية لجماعة الإخوان على قوائم الإرهاب المالية، كما صنفت الفرع اللبناني، ممثلًا في الجماعة الإسلامية، منظمةً إرهابية أجنبية، مؤكدة أنّ هذه الخطوة ليست نهاية المسار، بل بداية حملة مستمرة ضد الفروع التي ترى أنّها تقدم دعمًا أو تسهيلًا لحركة حماس.
بهذا المعنى، يمكن القول إنّ الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت من سياسة التفريق بين التنظيم الأم وفروعه إلى سياسة ملاحقة الشبكات التي ترى أنّها تؤدي وظائف مالية أو تنظيمية أو لوجستية تصب في خدمة جماعات مصنفة إرهابية.
ولذلك فإنّ إدراج محمود الإبياري يكتسب أهمية خاصة؛ لأنه يستهدف شخصية مرتبطة بالأمانة العامة للتنظيم الدولي، وليس مجرد عضو في فرع محلي، ووفق بيان وزارة الخزانة، فإنّ الاتهامات تُركز على جمع الأموال عبر مؤسسات وواجهات خيرية لصالح شبكات مرتبطة بحماس .
هل جاء هذا التحول نتيجة مباشرة لأحداث السابع من أكتوبر 2023؟ يصعب الجزم بأنّه نتيجة وحيدة، لكن من الصعب أيضًا فصل القرار عن تداعيات ذلك اليوم، فقد أعادت هجمات السابع من أكتوبر ترتيب أولويات الأمن القومي الأمريكي فيما يتعلق بتمويل الجماعات المسلحة، ودفعت المؤسسات الأمنية إلى إعادة فحص الشبكات العابرة للحدود التي يُشتبه في مساهمتها في الدعم المالي أو اللوجستي لحماس، وفي هذا السياق، أصبحت العلاقة الفكرية والتنظيمية بين حماس وبعض دوائر الإخوان محل تدقيق أكبر من أي وقت مضى.
ولا يُعني ذلك أنّ واشنطن تعتبر جميع مكونات الإخوان كيانًا واحدًا من الناحية القانونية؛ فالإدارة الأمريكية ما زالت تستخدم أدوات قانونية مختلفة وفق كل حالة، لكنها في المقابل أصبحت أكثر استعدادًا لربط النشاط المالي والتنظيمي بنتائج أمنية مباشرة، وهو ما يُفسر انتقال العقوبات من استهداف أفراد مرتبطين بحماس إلى استهداف شخصيات وكيانات ترى أنّها تشكل جزءًا من البنية الداعمة لها.
أما تأثير هذه العقوبات على التنظيم الدولي، فمن المرجح أنّه يتجاوز البعد الرمزي، فالعقوبات الأمريكية لا تقتصر على تجميد الأصول داخل الولايات المتحدة، وإنما تمتد آثارها إلى النظام المالي العالمي، حيث تتجنب مؤسسات مصرفية وشركات عديدة التعامل مع الأشخاص والكيانات المدرجة خشية التعرض للعقوبات الثانوية أو المخاطر القانونية.
وهذا يُعني تضييقًا على حركة الأموال، وارتفاعًا في تكلفة إدارة الشبكات العابرة للحدود، وزيادة في صعوبة استخدام المؤسسات والواجهات الخيرية أو التجارية في نقل التمويل.
والأثر السياسي لا يقل أهميةً عن الأثر المالي، فمنح وزارة الخزانة أهمية خاصة للتنظيم الدولي يبعث برسالة إلى الحلفاء الأوروبيين والإقليميين بأنّ واشنطن تتوقع مزيدًا من التعاون في تتبع شبكات التمويل، وربما اتخاذ إجراءات موازية ضد أفراد أو كيانات تعمل داخل ولايات قضائية أخرى، ومن شأن ذلك أنّ يُزيد الضغوط على البيئات التي ظل التنظيم يتحرك فيها مستفيدًا من الفوارق القانونية بين الدول.
مع ذلك، لا ينبغي الافتراض أنّ هذه الإجراءات تُعني نهاية التنظيم الدولي، فالتنظيمات العابرة للحدود غالبًا ما تسعى إلى التكيف مع الضغوط عبر إعادة هيكلة قنوات التمويل، وتغيير الواجهات القانونية، والاعتماد على وسطاء وشبكات أقل ظهورًا، لكن قدرة التنظيم على المناورة تتراجع كلما اتسعت دائرة التنسيق الدولي في مجال مكافحة تمويل الإرهاب.
قد يكون هذا القرار أكثر من مجرد إدراج اسم على قائمة عقوبات؛ فقد يكون مؤشرًا إلى مرحلة جديدة في السياسة الأمريكية، عنوانها الانتقال من ملاحقة الأذرع المسلحة إلى ملاحقة البنى التنظيمية والمالية التي يُعتقد أنّها تُوفر لها الاستمرار.
وإذا استمرت هذه المقاربة، فإنّ التنظيم الدولي للإخوان قد يجد نفسه أمام بيئة دولية أكثر تضييقًا، لا بسبب المواجهة الفكرية وحدها، وإنما بسبب انتقال المعركة إلى المجال الذي يُمثل شريان بقائه، المال، والحركة، والقدرة على العمل عبر الحدود.