وتشهد ليبيا حراكا ينادي بعودة الملكية، وخصوصا بين الأجيال الجديدة التي لم تعش فترة السنوسية ولا فترة معمر القذافي، والتي بدأت تتعرف على الشكل الحقيقي للملكية التي تم تشويهها، كما قال الأمير محمد الحسن الرضا، خلال بودكاست "مغارب".

ولا يبدو العمل على إحياء الملكية جديدا، فقد بدأ العمل عليه بعد وفاة ولي العهد السابق الحسن الرضا سنة 1992، حيث كانت الأوضاع متأزمة في ليبيا، حسب المتحدث.

وقد تعالت الأصوات المنادية بعودة الملكية، التي أقيمت في ديسمبر/كانون الأول 1952، لإنقاذ البلاد من المستنقع الآسن الذي وقعت فيه، حسب وصف السنوسي، الذي قال إن الوضع الراهن "لا يليق بليبيا ولا بشعبها، وهو ما وسع رقعة المطالبين بعودة الملكية التي يمثلها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه".

ويجد هذا المطلب رواجا -حسب السنوسي- في أوساط الشباب الذين لن يعاصروا الملكية ولا القذافي، بعد اكتشافهم ما كانت تعيشه ليبيا من استقرار سياسي ودستوري، كما يقول السنوسي.

ليس حنينا وإنما اكتشاف للحقيقة

ولا يعتبر السنوسي هذا نوعا من الحنين إلى أساطير لم تكن موجودة، لكنه يصفه بأنه "حراك مدفوع باكتشافهم لحقيقة أن الملكية لم تكن على هذه الصورة الوحشية التي صبغتها بها آلة القذافي الإعلامية".

ولا يريد السنوسي التنكيل بمن أسقطوا نظام أجداده ولا الثأر منهم، ويقول إن عائلته كانت دائما في خدمة الليبيين والمسلمين، ولم تنتقم لنفسها أبدا رغم ما تعرضت له من تنكيل وصل حد نبش قبور سادتها وعلى رأسهم الإمام محمد بن علي السنوسي، الذي ألقيت رفاته في الصحراء ولم يعرف له مكان حتى اليوم.

وعلى عكس ما رسخته السينما العالمية للدولة السنوسية كمتحالفة مع الاستعمار، يقول السنوسي، إن الحركة السنوسية هي من قادت الجهاد ضد الاستعمار وتنظيم صفوف المجاهدين، وإن عمر المختار كان يعمل تحت إمرة السيد أحمد الشريف والملك إدريس شخصيا.

إعلان

وأسس إدريس السنوسي حركة تعليمية وإصلاحية لتنشئة المواطن الليبي ونشر الإسلام في بعض مناطق أفريقيا، ولم يكن متحالفا مع الاستعمار ولا فاسدا كما يشاع، حتى لو كانت لديه سلبيات ككل الأنظمة الحاكمة.

كما أسس أيضا نظاما برلمانيا ودستوريا وإداريا قويا من لا شيء وفي ظروف صعبة لأنه لم يرث عرشا، كما بنى المدارس والمستشفيات وأسس لدولة حديثة، لكن نظام القذافي دفع أموالا طائلة لتشويه سمعة الملكية السنوسية.

ومع ذلك، يرفض الأمير محمد رضا ممارسة هذا السلوك مع نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، ويقول إن وضعه في المناهج أمر ضروري، حتى يحدد الليبيون بأنفسهم إن كان صالحا أو طالحا.

وحتى من انقلبوا على السنوسي، من جيشه الذي أسسه سنة 1940، تعلموا في المدارس التي أنشأها وفي الكلية العسكرية التي أسسها وأقسموا على الولاء له ثم انقلبوا عليه.

الحل الوحيد

وولد الأمير سنة 1962، في عهد الملكية، وكان أبوه وليا للعهد، ثم سقطت الملكية في 1969، وآنذاك وصلت "فرقة بقيادة أحد الانقلابيين، لكنها غادرت لأنها ظنت البيت خاليا من سكانه.

ثم جاءت فرقة أخرى بقيادة أحمد الحريري فاقتحمت البيت من النوافذ وعندما دخل وجد ولي العهد أمامه فأدى له التحية العسكرية، وعندما تفوه بعض الجنود بكلمات غير لائقة نهرهم الحريري وأمرهم بالانصراف.

وبعد ذلك، أبلغ الحريري ولي العهد أنه مكلف بالقبض عليها، فذهب معه، وبقيت الأسرة في البيت حتى جاء جد الأمير محمد لأمه واصطحبهم معه إلى بيته.

ولم يتطلب الانقلاب كثيرا من الجهد لاعتقال ولي العهد، لأنه لم تكن هناك حراسات كبيرة ولا اتصالات سوى هاتف منزلي تم قطعه، وانتهى الأمر.

ورأى السنوسي أن عودة الملكية ستكون جامعة دون تمييز، وقال إنها ستضم كافة الأطياف، وستعمل على تقريب وجهات النظر وتجنيب لغة السلاح، لأنها ستستمد شرعيتها من الملك السنوسي الذي لم يفرض نفسه ملكا وإنما طُلب للحكم، وجاهد الاستعمار.

ومع اختلاف الزمن وتغير الظروف، فإن الشكل الجديد للملكية التي يريد الأمير محمد حسن الرضا، يقوم على التوافق وعدم الإقصاء، ويقول إنه لم يعد هناك بديل لهذا النظام الذي يخضع فيه الجميع بمن فيهم الملك للدستور، بعدما وصلت البلاد لطريق مسدود، باعتراف الجميع.

Published On 10/9/202510/9/2025|آخر تحديث: 18:43 (توقيت مكة)آخر تحديث: 18:43 (توقيت مكة)انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare2

شارِكْ

facebooktwitterwhatsappcopylink

حفظ

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الأمیر محمد ولی العهد

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي
  • ضبط مواطن مخالف لنظام البيئة في محمية الإمام عبدالعزيز بن محمد الملكية
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • الأمير الحسن يؤكد أهمية مأسسة العمل الاقتصادي وتعزيز دور الصناعة في بناء اقتصاد منتج ومستدام
  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • تحرك مالي ضخم يعيد رسم «سوق العملة» في ليبيا
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟