خبير قانون دولي للجزيرة نت: اتفاق غزة لا يعني هدنة قضائية
تاريخ النشر: 19th, October 2025 GMT
في خضم هذه المرحلة الانتقالية بين الحرب والمحاسبة بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يبرز الملف القانوني الفلسطيني أمام المحكمة الجنائية الدولية كأحد أهم مفاتيح العدالة المؤجلة. واليوم، يعيش القطاع المحاصر لحظة سياسية وقانونية دقيقة حيث يطفو من جديد السؤال الأكبر: ماذا بعد؟
وفي هذا السياق، أجرت الجزيرة نت حوارا مع المحامي عبد المجيد مراري، الخبير في القانون الدولي ومدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة "إف دي" الدولية، للحديث عن مستقبل التحقيقات والعقبات التي تقف أمام تحويل الجرائم الموثقة في العدوان الإسرائيلي على غزة إلى لوائح اتهام حقيقية.
وأكد مراري أن لا هدنة للفريق القانوني أمام المحاكم الدولية رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرا إلى الضغوط التي تواجهها الجنائية الدولية وحدود صلاحياتها التي تستوجب حماية دولية لها، مما يشكل معركة قضائية دولية أخرى شديدة الأهمية.
وكقانوني مترافع أمام "الجنائية" وباقي المحاكم الدولية، رحّب مراري باتفاق وقف إطلاق النار ووصفه بـ"خطوة السلام" التي يستحقها الشعب الفلسطيني بعد كل التضحيات التي قدمها بدمائه وبكل ما يملك.
كما أعرب المحامي عن أمله أن تلتزم إسرائيل بهذا الاتفاق والهدنة من أجل السلام، مؤكدا في الوقت ذاته أن "لا هدنة قانونية بالنسبة للفريق القانوني والحقوقي رغم وقف إطلاق النار ما دامت لم تتحقق العدالة".
وصرح مراري أن "إصدار الشكاوى والدعاوى القضائية والملاحقات ستستمر إلى أن نحقق العدالة للطفل والأم الفلسطينية وأهالي غزة الذين جُوّعوا، وسترتبط الهدنة الحقيقية بوضع الجناة وراء القضبان".
وأشار إلى ما وُصف بـ"الهبة القضائية" على المستوى الأوروبي والدولي، "مثل تحركات المدعي العام الفرنسي والإسباني والبريطاني، فضلا عن القضاء الهولندي الذي حسم مسألة العلاقات الاقتصادية وتصدير السلاح مع إسرائيل".
إعلانوأضاف المحامي "نسير بالاتجاه الصحيح وفي انسجام كامل مع كل إجراءات الجنائية الدولية، كما أن قضاة المحكمة ومكتب المدعي العام بكل معاونيه ونوابه مقتنعون تماما بأن هناك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستحق المعاقبة، وهي أمور لم تكن موجودة قبل عام 2023″.
ورغم قتامة الصورة التي قد تظهر من بعيد، لا يرى مراري أن باب العدالة مغلق تماما، فقد أكد أن الفريق القانوني الذي بدأ عمله منذ عام 2008 مقبل على خطوات مهمة جدا أمام المحكمة الجنائية وسيتم تنظيم أكبر تجمع دولي للمحامين من مختلف الدول أمام مقر المحكمة في لاهاي نهاية أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
ومن المتوقع توجيه شكايات أخرى موضوعات داخل الجنائية الدولية في القريب العاجل تتعلق بتخصصات مهنية، كالأطباء والصحفيين وغيرها، وفق المتحدث.
وبين مسار القضاء وموازين السياسة، يكاد المحامي يجزم أن إسرائيل خسرت المعركة القضائية بكل مراحلها، ليس فقط من خلال رفض ما يزيد على 50 طعنا تقدمت به حتى الآن. ولكن أيضا أوروبيا، حيث بدأت مكاتب الادعاء العام تتحرك من تلقاء نفسها بعد أن اتُهمت عدة مرات بأنها مسيسة ومتواطئة من قبل البعض.
وفي هذا السياق، أشار مراري إلى تسجيل "انتصار القضائي" بعد "السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023" من خلال التحرك الذي قامت به الفرق القانونية يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وتقديمها شكوى للجنائية الدولية بشأن الإبادة الجماعية بغزة، معتبرا أن "إسرائيل ربحت معركة قتل الأطفال وتجويعهم وتطهيرهم وتهجيرهم" ووصف ذلك بـ"السقوط الأخلاقي".
وقام المدعي العام في باريس بفتح تحقيق في جرائم إبادة محتملة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية الفترة الأخيرة، بناء على شكاوى قدمتها جدة فرنسية لحفيدين استشهدا من غزة، وعدد من المحامين.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني مع وزيري الخارجية أنطونيو تاياني والدفاع غويدو كروسيتو شكوى أمام الجنائية الدولية تتهمهم بالتواطؤ في الإبادة الجماعية بقطاع غزة.
وتعليقا على ذلك، أوضح مراري أن اتفاقية تجريم الإبادة الجماعية تنص في المادة الثالثة على أن مرتكب الإبادة الجماعية يُعاقب، ومن يحرض عليها في الفقرة الرابعة، وتعاقب الفقرة الخامسة من يشارك فيها أيضا.
وتواجه الجنائية الدولية تحديات كثيرة تختبر سمعتها ومصداقيتها، في ظل الاتهامات التي وجهت للمدعي العام كريم خان بسلوك جنسي غير لائق، مما دفعه إلى الاستقالة مؤقتا من مهامه إلى حين الانتهاء من التحقيق.
وتعليقا على ذلك، قال مراري "نعتمد كمحامين ورجال قانون على قرينة البراءة وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته. وبالنسبة لنا، نرى أن كريم خان بريء على خلفية ما راج قبل الاتهام، حيث قيل له في أحد الاجتماعات أنه سيُلفّق له دعاوى وأنه سيتم تشويه سمعته وتصفيته".
وتجدر الإشارة إلى أن كريم خان بقي مصرا على مواجهة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بالمذكرات، فقبل خروجه بأيام قليلة إلى عطلته وصل الفريق القانوني خبر عن وجود مذكرات اعتقال جديدة وجاهزة باسم وزير المالية الإسرائيلية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن الداخلي الإسرائيلي إيتمار بن غفير.
إعلانوفي تفاصيل المقابلة، ذكر مراري أن خلافا وقع بين الغرفة التمهيدية في المحكمة ومكتب المدعي العام حول مسألة سرية هذه المذكرات، خاصة وأن كريم خان تمسك بضرورة إصدار مذكرات الاعتقال.
ويعتقد المحامي أنه ليس من حق أي رئيس دولة، بما في ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فرض عقوبات على المدعي العام لأن "القضاء يعاقِب ولا يُعاقَب، والقاضي نعاقبه عندما يخالف مهامه أو يخرج عن حياده ونزاهته ومهنيته، وهناك إجراءات لمعاقبة القضاة منصوص عليها في نظام روما والقوانين الإجرائية للمحكمة الدولية".
الجنائية الدولية ترفض طلبا جديدا لتجميد مذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت.. ما القصة؟ pic.twitter.com/QB59zLO3LO
— قناة الجزيرة (@AJArabic) October 18, 2025
حماية العدالة الدوليةوبين التهديدات العلنية بفرض العقوبات على القضاة، والابتزاز السياسي من قبل دول كبرى تخشى أن تمتد يد العدالة إلى حلفائها، تجد المحكمة الجنائية نفسها أمام ضغوط غير مسبوقة.
وبالتالي، يرى الخبير بالقانون الدولي أن الضغوط التي تواجهها المحكمة لا تعطي الطمأنينة على مستقبلها لأنها تأسست بهدف إنجاز العدالة وتحقيقها، "ولم تؤسَّس من أجل معاداة السامية أو استهداف دولة معينة، لأنها غير مسيّسة وتقوم بواجبها، رغم ظهور نوع من ازدواجية المعايير" حسب قوله.
ويرى مراري أن الاحتلال الإسرائيلي يعاقب القضاء والمحكمة وحتى الضحايا الذي يتوجهون للقضاء الدولي من خلال تصفيتهم والانتقام من عائلاتهم، "وبالتالي، يتوجب إرادة دولية لحماية هذا القضاء".
وأكد أن الجنائية الدولية لا تستطيع حماية نفسها لأنها لا تملك القوة الأمنية أو العسكرية، وعلى كل من صادق على هذا النظام أن يحمي هذه العدالة، متسائلا "لماذا لم تتدخل باريس لحماية القاضي الفرنسي الذي تعرض لتهديد بالقتل بسبب مصادقته على مذكرات التوقيف؟".
وأضاف "لا ننسى البلطجة العلنية التي مورِست على الجنائية الدولية منذ مدة، وأكدها مكتب المدعي العام في بلاغ رسمي أشار فيه إلى تعرضه للتهديد ومكتبه، أثناء زيارة رسمية لعضوين من الكونغرس الأميركي".
واعتبر أن إحساس المسؤولية لدى المدعي العام هو الذي دفعه إلى أخذ عطلة مفتوحة لكي لا يؤثر على سير التحقيقات، ويعطي المجال أمام لجنة الأخلاقيات داخل المحكمة لتعمل براحة أكبر.
أما عن مسألة ازدواجية المعايير التي يتم انتقادها بشكل دائم، فقد أشار مراري إلى الدعم الذي استفاد منه المسار القضائي لأوكرانيا من قبل الدول الأوروبية، في وقت تم التخلي عن المسار القضائي للقضية الفلسطينية بشكل واضح.
ففي حالة أوكرانيا، تحركت المحكمة في وقت وجيز "لأنه توفر لديها التمويل الذي غاب في الملف الفلسطيني، فالمحكمة لا يمكنها أن تتحرك بأطقمها وتسافر إلى مختلف دول العالم من أجل التحقيقات، إلا إذا توفرت ميزانية خاصة بذلك".
وفيما يتعلق بحماية الضحايا والشهود، أشار مراري إلى وجود بروتوكول خاص يتم اتباعه للتواصل مع الضحايا لتوفير السلامة وسرية التخابر مع المحكمة داخل قسم التحقيقات، فضلا عن إجراءات تقتضي حماية حقوقهم.
وقال الخبير بالقانون الدولي "يظهر للعالم أن الجنائية الدولية لا تحرك ساكنا رغم الجرائم والإبادة، لكن القضاء لا يتحدث، بل يشتغل رغم كل الضغوط والتهديدات، والتحقيقات جارية تستوجب مبدأ السرية".
وفي إطار مشاركته كمتحدث بالمؤتمر الدولي لحماية الصحفيين في مناطق النزاعات الذي استضافته الدوحة يومي 8 و9 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، قال مراري إن ملف الصحفيين لا يزال متأخرا جدا في مسار العدالة الدولية، مؤكدا عدم وجود أي دعوة خاصة باسم الصحفيين داخل الجنائية الدولية.
إعلانوأوضح أنه من المتوقع الاستماع لشهادات عدد من الصحفيين وجمع التوثيقات للتوجه بها إلى المحكمة لتقديمها في شكاوى إسمية، بما في ذلك شكوى خاصة باسم الصحفي في قناة الجزيرة أنس الشريف الذي استشهد بغزة في أغسطس/آب الماضي، وأخرى عن عائلة مدير مكتب الجزيرة في غزة وائل الدحدوح.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الجنائیة الدولیة الإبادة الجماعیة وقف إطلاق النار المدعی العام کریم خان
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.