الجيش الأمريكي يسعى لجذب صناديق الاستثمار الخاصة لتمويل خطة تطوير عسكرية
تاريخ النشر: 21st, October 2025 GMT
بدأ الجيش الأمريكي مشاورات غير مسبوقة مع كبرى شركات الاستثمار الخاصة في سوق الأسهم الأمريكية، من بينها «أبولو» و«كارلايل» و«كيه كيه آر» و«سيربيروس»، لطرح مشاريع استراتيجية ضخمة ضمن خطة لتحديث البنية التحتية العسكرية الأمريكية بتكلفة تقدر بنحو 150 مليار دولار.
وقال وزير الجيش الأمريكي، دانيال دريسكول، في مقابلة مع صحيفة «فايننشال تايمز»، اليوم الثلاثاء، إنه اجتمع الأسبوع الماضي مع نحو 15 من أكبر شركات الاستثمار في الولايات المتحدة، بحضور وزير الخزانة سكوت بيسنت، لمناقشة فرص التعاون مع القطاع الخاص لتطوير أصول الجيش غير المستغلة، مضيفا «دعوناهم لنقول: لدينا العديد من الأصول في مستودعاتنا وقواعدنا لا نستفيد منها بشكل كاف.
وأوضح دريسكول، وهو أعلى مسؤول مدني في الجيش الأمريكي، أنه طلب من المجموعات الاستثمارية إعداد نماذج تمويل مبتكرة وغير تقليدية للمساهمة في سد فجوة التمويل اللازمة لخطة تحديث البنية التحتية العسكرية، مؤكدا: ما نريده فعلاً هو مشاريع كبيرة وملموسة.
ويمثل هذا التحرك أحدث خطوة في جهود إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوسيع التعاون مع قطاع رأس المال الخاص الذي تبلغ أصوله أكثر من 13 تريليون دولار، في إطار سعيها لإشراك مؤسسات مالية كبرى في دعم الأمن القومي الأمريكي.
وأشار دريسكول إلى أن المشاريع المقترحة يمكن أن تشمل إنشاء مراكز بيانات ومنشآت لمعالجة المعادن النادرة، مضيفا أن الحكومة قد تبرم صفقات مقايضة تتبادل فيها الأراضي مقابل خدمات معالجة البيانات أو إنتاج المعادن الحيوية، لافتا إلى أنه:«بدلا من أن يدفعوا لنا نقدا مقابل الأرض، يمكن أن يدفعوا لنا من خلال توفير قوة حوسبة».
أفاد أحد المشاركين في الاجتماع أن بعض المقترحات تضمنت قيام شركات الاستثمار ببناء مراكز بيانات داخل القواعد العسكرية الأمريكية وإبرام عقود إيجار طويلة الأمد مع الحكومة لتقليل تكاليف التمويل وتسريع تنفيذ المشاريع، بحسب "فاينانشال تايمز".
وتأتي هذه المباحثات بعد قرار ترامب التنفيذي في أغسطس الذي سمح بإدراج الأصول الخاصة ضمن خطط التقاعد الأمريكية، في خطوة جديدة لدعم صناعة رأس المال الاستثماري، وكانت شركة «سيربيروس»، إحدى الجهات المشاركة في الاجتماع، والتي أسسها ستيف فاينبرج، الذي يشغل حاليا منصب نائب وزير الدفاع في إدارة ترامب، وقد تعهد بالتخارج من مصالحه في الشركة بعد توليه المنصب.
ويأتي سعي دريسكول إلى جذب رأس المال الخاص في وقت يعمل فيه على خطة شاملة لتحديث المعدات العسكرية المتقادمة، وقال في تصريحاته للصحيفة إنه يمتلك ميزانية لا تتجاوز 15 مليار دولار لتطوير البنية التحتية خلال العقد المقبل، بينما يحتاج فعليا إلى 10 أضعاف هذا المبلغ، مضيفا: نحن في حفرة عميقة لن نتمكن من الخروج منها دون حلول إبداعية من جهات خارجية.
وأكد أحد الحاضرين أن المنتدى الذي عقد في واشنطن كان جديا وواسع النطاق، وتناول طرق إيجاد مصادر تمويل فعالة لسلسلة إمدادات الجيش الأمريكي، قائلا: تراوحت المناقشات بين تمويل مشاريع لإعادة تأهيل العقارات العسكرية أو حتى إصدار أدوات تمويل مضمونة بتلك العقارات، إلى بحث وسائل تمويل جديدة لاحتياجات الجيش الرأسمالية وسلسلة الإمداد، فيما قال أحد ممثلي الشركات الأخرى: كان واضحا أن بيسنت ودريسكول جادان في العمل مع رؤوس الأموال الخاصة.
ويتبنى دريسكول مبادرة سماها «التحول العسكري للجيش الأمريكي»، تهدف إلى تزويده بتقنيات جديدة بالتعاون مع شركات التكنولوجيا الكبرى وشركات الابتكار الدفاعي الناشئة، وكان قد صرح في كلمته أمام جمعية الجيش الأمريكي الأسبوع الماضي: «أستطيع أن أقول بثقة إن نهج وادي السيليكون هو الأنسب لتطوير الجيش الأمريكي».
وفي يوليو الماضي، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها ستستثمر 400 مليون دولار لتصبح أكبر مساهم في شركة «إم بي ماتيريالز»، وهي المنتج الأكبر للمعادن النادرة في الولايات المتحدة، وقال دريسكول إن الجيش يمكن أن يشتري حصصا في شركات أخرى بالطريقة نفسها، مشيرا إلى أن الوزارة تخطط أيضا لتكوين مخزون استراتيجي من المعادن الحيوية في ظل القيود الصينية على تصدير المعادن النادرة، متسائلا: هل ينبغي أن نحتفظ بها ثم نبيعها لموردينا لاستخدامها في الإنتاج قبل أن نشتري المنتج النهائي؟ كل هذه الخيارات مطروحة على الطاولة.
وأوضح الوزير أن الجيش يتوقع تلقي مقترحات استثمارية تفصيلية خلال الأسابيع المقبلة، وسيجري عمليات التحقق اللازمة قبل عقد جولة جديدة من الاجتماعات مع المستثمرين في نيويورك، مؤكداً أنه يسعى إلى إتمام عدة صفقات قبل نهاية العام.
وتدير شركة "سيربيروس" أكثر من 65 مليار دولار من الأصول، وتُعد من أكبر المستثمرين في قطاع الدفاع الأمريكي، حيث خصصت مليارات الدولارات عبر صندوق «سلسلة الإمداد الاستراتيجي» لدعم الشركات التي تعتبرها حيوية للمصالح القومية، كما تُعد شركة «كارلايل»، التي تدير أصولا بقيمة 465 مليار دولار، أحد أبرز المستثمرين في الشركات الدفاعية، وحققت مكاسب كبيرة خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية من تعاقداتها مع وزارة الدفاع.
وشارك في اجتماع دريسكول أيضا ممثلون عن شركات «أبولو» و«أدفنت إنترناشونال» و"بي دي تي آند إم إس دي"، إلى جانب عدد من المكاتب العائلية الكبرى، بحسب مصادر مطلعة على الاجتماع، بينما امتنعت الشركات المشاركة عن التعليق.
اقرأ أيضاًدونالد ترامب يختار دانييل دريسكول لتولي منصب وزير الدفاع
فاينانشيال تايمز: أوروبا تدفع ثمن حرب المعادن بين أمريكا والصين
أمريكا تلوح برسوم تصل لـ 500% على الصين بسبب النفط الروسي
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الولايات المتحدة وزير الدفاع الأمريكي الجيش الأمريكي البنية التحتية العسكرية القواعد العسكرية الأمريكية الجیش الأمریکی ملیار دولار
إقرأ أيضاً:
تعزيز الدور التنموي للبورصة المصرية
شهدت البورصة المصرية في الفترة الأخيرة تطورات ملموسة عكستها مؤشرات الأداء وأحجام التداول، مدفوعة بجهود حكومية لتطوير البنية التكنولوجية وتنشيط برنامج الطروحات. وانطلاقاً من هذا الزخم، تبرز الحاجة إلى رؤية استراتيجية تهدف لتعظيم الاستفادة من سوق المال كقاطرة للتنمية، مع العمل على تحسين مكانة مصر في التصنيفات الدولية للأسواق الناشئة، وهو هدف يتطلب توازناً دقيقاً بين متطلبات الانفتاح على الاستثمار العالمي وبين مقتضيات المصلحة الوطنية الاقتصادية.
وفي مقدمة المقترحات الرامية لتطوير هذا القطاع، تأتي ضرورة العمل علي زيادة حجم الأصول المتداولة والرأسمالية السوقية للبورصة المصرية مقارنة بالأسواق العالمية والإقليمية. فإذا اتخذنا رأس المال السوقي للبورصة المصرية كقاعدة للقياس، والذي يحوم حالياً حول ٧٠ مليار دولار تقريبا، نجد أن السوق السعودي (تداول) يتصدر المشهد الإقليمي برأسمال سوقي يتجاوز 2.6 تريليون دولار (أي ما يعادل نحو 37 ضعف الحجم المصري)، مما يجعله أحد أكبر عشرة أسواق مالية في العالم. أما في الولايات المتحدة، فيتجاوز الرقم 50 تريليون دولار (أكثر من 600 ضعف الحجم المصري)، بينما في كندا يصل إلى نحو 3 تريليونات دولار (حوالي 40 ضعفاً).
أما في أوروبا، فتبرز بريطانيا برأس مال سوقي يبلغ 3.2 تريليونات دولار (نحو 45 ضعفاً)، بينما في ألمانيا يتخطى 2.5 تريليون دولار (نحو 35 ضعفاً). وبالانتقال إلى النماذج الآسيوية الناشئة، نجد أن تركيا استطاعت الوصول برأسمالها السوقي إلى 350 مليار دولار (نحو 5 أضعاف الحجم المصري)، بينما تحقق فيتنام نمواً متسارعاً برأس مال يتجاوز 250 مليار دولار (حوالي 3.5 ضعفاً). إن هذه الأرقام لا تعكس فقط قوة تلك الاقتصادات، بل تشير إلى حجم الإمكانات التمويلية التي يمكن لمصر الاقتراب منها عبر توسيع قاعدة الشركات المقيدة في البورصة، وتعميق السيولة، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية، عبر تقديم حزمة من الحوافز الإيجابية والسلبية لدفع الشركات والمنشٱت للتقييد في البورصة مما ينشط السوق ويعزز الشفافية ويحجم الكثير من المظاهر السلبية في الممارسات الاقتصادية والمالية المعاصرة.
إن توسيع دور البورصة في تمويل المشروعات القومية للدولة من خلال المدخرات الوطنية يمثل أحد أهم البدائل الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على القروض الخارجية وتعزيز التمويل الذاتي للاقتصاد الوطني. إن التوسع غير المدروس في الاقتراض الخارجي غالباً ما يقود إلى ما شاع تسميته بـ "الاغتيال الاقتصادي للأمم"؛ وهو مسار ما يعتقد أنه تنفذه أحياناً كيانات دولية ومخابراتية تهدف لتكبيل سيادة الدول عبر بوابة تراكم الديون الاستهلاكية (وليس القروض الإنتاجية المدروسة). ومن هنا، تبرز البورصة المنظمة كأداة مهمة لتعزيز الأمن الاقتصادي وتوسيع مصادر التمويل الوطني، وتعزيز ملكية الشعب لأدوات والأصول الإنتاجية شريطة تطوير البورصة وصناديق الاستثمار، وتأمين المتعاملين فيها ضد التلاعب النفسي والسعري والتكنولوجي، وحمايتهم من الاختراقات الإلكترونية وأي مخاطر أخري مرتبطة لحفظ الحقوق وتوثيقها وتوريثها.
ولتحقيق هذه القفزة، نقترح تدشين "البوابة الرسمية الموحدة للاستثمار الرقمي" لتكون منصة رسمية حكومية جامعة تربط المستثمرين بكافة شركات السمسرة ومنصات التداول المعتمدة من خلال واجهة رقمية موحدة وآمنة. ولا تهدف هذه البوابة إلى القيام بدور الوسيط المالي أو التدخل في قرارات الاستثمار أو تنفيذ العمليات، وإنما تعمل كممر إلكتروني لحظي لتوثيق البيانات والتحقق من سلامة المعاملات وحماية حقوق المتعاملين.
ويتيح هذا النموذج الحفاظ على استقلالية شركات السمسرة وآليات السوق التنافسية، مع توفير طبقة إضافية من التوثيق والحماية والشفافية وحفظ الحقوق من خلال التحقق الإلكتروني المستمر من هوية المتعاملين وسلامة الأوامر ورصد أي أنماط احتيالية أو أخطاء تشغيلية بصورة فورية قبل شراء أسهم في البورصة أو وثائق في صناديق الإستثمار. كما يساهم وجود سجل رقمي موحد في تعزيز الثقة بالسوق وتيسير إجراءات الرقابة والتنظيم دون إضافة أعباء بيروقراطية أو التأثير على سرعة وكفاءة التداول.
وعلى صعيد الوعي الاستثماري، يمكن أن تشتمل هذه المنصة على منظومة متقدمة للتحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تعمل كمساعد رقمي للمستثمرين، من خلال تحليل البيانات المالية والإفصاحات الرسمية وعرض المؤشرات والمخاطر والسيناريوهات المحتملة بصورة مبسطة، بما يساعد المستثمر على اتخاذ قراره على أسس موضوعية. ولا تحل هذه الأدوات محل المستشارين الماليين المرخص لهم أو القرار الاستثماري الشخصي، وإنما تمثل وسيلة داعمة لتعزيز الثقافة الاستثمارية والحد من تأثير الشائعات والمعلومات غير الموثقة. كما أن حفظ وتحليل البيانات الضخمة للسوق سيمكن الجهات المختصة من إجراء دراسات إحصائية دقيقة تساهم في تطوير مناخ الاستثمار ورفع كفاءة السوق بوجه عام.
ختاماً، تمثل البورصة المصرية أداة حيوية لتعزيز الأمن الاقتصادي عبر تمويل قطاعات الصناعة والأمن الغذائي والبنية التحتية بالتمويل الذاتي الوطني. إن التحرك في هذا المسار سيكفل الحفاظ على التصنيف الدولي للسوق المصرية والعمل على الارتقاء به في ظل التحديات القائمة المتعلقة بهذا التصنيف خلال الفترة القادمة، في إطار رؤية وطنية تهدف لبناء اقتصاد إنتاجي منافس (بتمويل وطني في أغلبه ومنفتخ علي الاستثمار الأجنبي البناء), وفي نفس الوقت إقتصاد يحمي مقدرات الشعب ويصون استقلال قراره الوطني بعيداً عن ضغوط الدائنين الدوليين.
سياسي ونقابي والمستشار الأسبق لوزير البيئة