كيف ستكون رحلة بوتين إلى بودابست؟
تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT
لم يكن اختيار العاصمة المجرية بودابست لعقد القمة الثانية بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين قرارا عشوائيا، فقد وصف ترامب رئيس الوزراء المجري بقوله "أوربان رجل أحبه، ويحبه بوتين أيضا".
ويُعرف فيكتور أوربان بخروجه عن الإجماع الأوروبي فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، ويتمتع بعلاقات جيدة مع كل من ترامب وبوتين، كما اشتهرت حكومته باستضافة قادة مطلوبين للاعتقال من قبل المحكمة الجنائية الدولية مثلما حدث حين استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي استضافه في أبريل/نيسان الماضي.
وعلى الرغم من أن المجر لا تزال عضوة في المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن -رغم إعلان نيتها الانسحاب منها في أبريل/نيسان المقبل- فإنه من المرجح ألا تلتزم بودابست بواجبها القانوني في اعتقال بوتين إذا زارها.
ومع ذلك، تبقى زيارة بوتين إلى المجر الدولة التي لا تملك حدودا بحرية وتحدها بلدان جميعها أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) أو في المحكمة الجنائية الدولية مغامرة محفوفة بمخاطر أمنية وسياسية كبيرة.
بعد مكالمتهما المطولة -والتي استغرقت ساعتين ونصف ساعة حسب المتحدث باسم الكرملين- اتفق بوتين وترامب على عقد قمة جديدة لبحث إمكانية إنهاء الحرب في أوكرانيا، لكن المكان الذي وقع عليه الاختيار كان عاصمة دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي وعضوة في الناتو ومحاطة بدول تتمتع بالمواصفات ذاتها.
وقد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على روسيا عقب الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022 تشمل إغلاق المجال الجوي الأوروبي أمام الطيران الروسي.
فوفقا لوكالة سلامة الطيران الأوروبية يُحظر على الطائرات الروسية التجارية والخاصة دخول أجواء الاتحاد الأوروبي، مع استثناءات محدودة تتعلق بالحالات الإنسانية أو الدبلوماسية بشرط الحصول على استثناءات من الدول المعنية.
إعلانوليست العقوبات الأوروبية العقبة الوحيدة أمام سفر بوتين، فهو يواجه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وذلك على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب، خصوصا الترحيل القسري لعشرات آلاف الأطفال الأوكرانيين من المناطق المحتلة.
وتعتبر جميع دول الاتحاد الأوروبي -بما في ذلك المجر- أعضاء في محكمة الجنايات وموقعة على نظام روما الأساسي الذي ينص في مادته الـ27 على أن القانون يسري على الجميع دون استثناء، بمن في ذلك رؤساء الدول، وهو ما يجعل الدول الأعضاء ملزمة من حيث المبدأ بالتعاون مع المحكمة.
3 مسارات لبوتينأورد تقرير لصحيفة تلغراف البريطانية تحت عنوان "كيف يمكن لبوتين الوصول إلى المجر دون أن تسقط طائرته أو يُعتقل؟" أن الرئيس الروسي يخاطر بالاعتقال أو الهجوم أثناء توجهه جوا للقاء ترامب.
وحدد التقرير الذي أعده محرر الشؤون الأوروبية في الصحيفة جيمس كريسب 3 مسارات يمكن أن يسلكها بوتين للوصول إلى بودابست:
مسار 3 ساعاتكانت الرحلات الجوية المباشرة من موسكو إلى بودابست تستغرق نحو 3 ساعات، مرورا فوق بيلاروسيا وغرب أوكرانيا.
لكن الطيران في المجال الجوي الأوكراني الآن قبل الحرب مستحيل عمليا بالنسبة لبوتين، لأن سماءه منطقة حرب نشطة ومحفوفة بالمخاطر بشكل لا يصدّق، ولا سيما عبر مناطقها الغربية الخارجة عن السيطرة الروسية.
وحتى في حال عدم صدور توجيه رسمي بمحاولة إسقاط طائرة بوتين فإن القوات المارقة التي تمتلك أسلحة ثقيلة قد تحاول شن هجوم.
مسار 5 ساعاتهناك احتمال آخر لبوتين، وهو سلوك طريق مدته 5 ساعات عبر بيلاروسيا وصولا إلى بولندا قبل الانعطاف جنوبا عبر سلوفاكيا إلى المجر.
وسلوفاكيا مثل المجر متعاطفة بشكل ملحوظ مع موسكو على الرغم من عضويتها في الاتحاد الأوروبي.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، استخدم رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو حق النقض (فيتو) لمنع فرض عقوبات أوروبية جديدة على روسيا، كما تحدى الاتحاد الأوروبي في وقت سابق من هذا العام بالسفر إلى موسكو، حيث صافح بوتين وحضر عرض يوم النصر الروسي.
وهذا المسار وإن كان ربما سهلا فيما يتعلق بسلوفاكيا لكنه لن يكون كذلك بالنسبة لبولندا، إذ طالما اشتكت بولندا من اختراق الطائرات المسيرة الروسية أجواءها، وقد أبلغت روسيا سابقا أنه لا ينبغي لها "التذمر" إذا أُسقطت طائراتها أو صواريخها فوق أراضي دول الناتو.
وإن كانت الصحيفة تستبعد أن تستهدف وارسو طائرة بوتين الرئاسية، لأن ذلك الاستهداف قد يشعل فتيل حرب عالمية ثالثة، لكنها ترى أن وجود هذا الاحتمال الضئيل يجعل هذا المسار غير مناسب سياسيا وعسكريا لبوتين.
مسار 8 ساعاتيستغرق المسار الأكثر منطقية لبوتين 8 ساعات، ويمتد جنوبا إلى تركيا العضوة في الناتو، والتي تجنبت قطع العلاقات مع موسكو.
ويمكن لبوتين عبر المجال الجو التركي أن يتجنب اليونان ويعبر البحر الأبيض المتوسط والبحر الأدرياتيكي قبل التوجه شمالا نحو الجبل الأسود ثم صربيا فالمجر.
ولعل المخاطرة الوحيدة في هذا المسار هي المرور عبر الجبل الأسود العضو في المحكمة الجنائية الدولية وحلف الناتو، أما صربيا فلا تزال أحد حلفاء روسيا الأوروبيين القلائل.
إعلانوهناك سابقة لمثل هذا المسار المعقد حسب التلغراف، ففي وقت سابق من هذا العام غيّر نتنياهو مسار رحلته المعتاد من إسرائيل إلى نيويورك متجنبا أوروبا القارية ومستخدما مضيق جبل طارق بدلا من ذلك.
هل يمر الكرملين الطائر فوق قواعد الناتو؟رجح تقرير لمراسل "بي بي سي" للشؤون الأوروبية بول كيربي بعنوان "هل يمكن "للكرملين الطائر" أن يعبر المجال الجوي للاتحاد الأوروبي إلى بودابست؟" أن يسافر بوتين إلى بودابست على متن طائرته الرئاسية نفسها التي حملته إلى قمة ألاسكا، وهي طائرة ركاب معدلة من طراز "إليوشن إيل-96" تُعرف باسم "الكرملين الطائر" ومزودة بـ4 محركات وأنظمة دفاعية.
وأكد التقرير أن المجر -التي لا تطل على أي بحار- ليست الوجهة الأسهل لرئيس روسي نادرا ما يزور الخارج ولم يزر الاتحاد الأوروبي منذ سنوات.
واعتبر كيربي أنه بما أن سماء الاتحاد الأوروبي محرمة على الطيران الروسي وبما أن بوتين لن يأخذ القطار في رحلته إلى بودابست فسيحتاج إلى تصريح خاص إذا قرر التحليق فوق أي دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي.
ورأى التقرير أن من أهم دول الاتحاد الأوروبي التي تقع في مسار بوتين إلى بودابست رومانيا التي تمتلك ما يُتوقع أن يصبح أكبر قاعدة لحلف الناتو في أوروبا، وبلغاريا التي تبني قاعدة تابعة للناتو في إطار جهودها لتعزيز الجناح الشرقي للحلف الدفاعي.
وفي حين لم تحصل قناة "بي بي سي" على رد من وزارة الخارجية البلغارية للتعليق على الموضوع صرح متحدث باسم الخارجية في بوخارست للقناة بأن هذه القضايا لا تزال مجرد تكهنات في الوقت الحالي، وأن "رومانيا لم تتلق طلبا بالتحليق من الاتحاد الروسي حتى الآن".
لا شك أن رحلة بوتين إلى بودابست تبدو محرجة للاتحاد الأوروبي، سواء باعتبارها تمثل اختراقا رمزيا للعزلة التي فرضها الأوروبيون على بوتين، أو لكون الرئيسين الروسي والأميركي اختارا لقمتهما بشأن أوكرانيا دولة كثيرا ما خالفت الإجماع الأوروبي على دعم أوكرانيا.
ويبدو الإحراج الأوروبي جليا من خلال المواقف المتناقضة من زيارة بوتين إلى المجر، فقد أورد تقرير لموقع يورونيوز بشأن الموضوع أن وزارة الخارجية الألمانية حثت بودابست على اعتقال بوتين إن وصلها.
كما نقل الموقع عن دبلوماسي أوروبي رفيع قوله "إذا هبط بوتين في بودابست فإن اعتقاله سيكون النتيجة المنطقية، لكن لا أحد سيتفاجأ إذا لم تفعل المجر ذلك".
بدورها، نقلت شبكة "يورا أكتيف" الإخبارية عن المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أنور العوني ردا على سؤال بشأن تأثير مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على قمة بودابست المزمع عقدها بأن الاتحاد الأوروبي لا يزال "ملتزما التزاما راسخا بالعدالة الجنائية الدولية".
وأشار العوني إلى أنه على الرغم من أن عملية انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية جارية "فإنها لا تؤثر على واجب الدولة في التعاون فيما يتعلق بالتحقيقات والإجراءات التي بدأت قبل ذلك التاريخ".
في المقابل، نقل تقرير "يورا أكتيف" أيضا عن دبلوماسيين أوروبيين آخرين أن أوروبا لن تعرقل عقد قمة قد تفضي إلى السلام.
ورحب المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أولوف جيل يوم الجمعة الماضي بعقد اجتماع في بودابست بين الرئيس الأميركي ونظيره الروسي إذا كان من شأنه المساعدة في إنهاء الحرب بأوكرانيا.
وقال جيل "نعيش في عالم الواقع، ولا تُعقد الاجتماعات دائما بالترتيب أو الشكل الدقيق الذي نتمناه، ولكن إذا كانت الاجتماعات تدفعنا نحو سلام عادل ودائم لأوكرانيا علينا الترحيب بها".
كما صرحت المتحدثة باسم الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي أنيتا هيبر بأنه يمكن للدول الأعضاء إصدار استثناءات للسماح بالسفر عبر مجالها الجوي الوطني.
View this post on InstagramA post shared by قناة الجزيرة مباشر (@aljazeeramubasher)
أوربان يحذر من جر القارة إلى الحرببعد ساعات من اختيار بودابست كمكان لعقد القمة اتصل رئيس الوزراء المجري ببوتين هاتفيا وأعلن على صفحته على فيسبوك أن "الاستعدادات جارية على قدم وساق".
إعلانوأشاد أوربان ببلاده باعتبارها "المكان الوحيد في أوروبا" الذي يمكن أن يُعقد فيه مثل هذا الاجتماع، مؤكدا أن الاجتماع سيُعقد مهما كانت التحديات.
وفي إشارة ربما إلى احتمال التعرض للرئيس الروسي خلال سفره إلى المجر، أوردت صحيفة نوفوستي الروسية أن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان حذر قادة الاتحاد الأوروبي من خطر جر القارة العجوز إلى الحرب عمدا أو خطأ.
ونقلت الصحيفة الروسية عن أوربان قوله "إن خطر جر أوروبا إلى الحرب -عمدا أو عن طريق الخطأ- وصل الآن إلى أعظم مستوياته منذ بداية الصراع".
وشجب رئيس الوزراء المجري مواقف زعماء الاتحاد الأوروبي باعتبارها تعرقل الجهود الرامية إلى حل الصراع سلميا، مشددا على أنه لولا تدخّل الجانب الأوروبي لكانت المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا قد أفضت بالفعل إلى وقف لإطلاق النار.
ولا يكترث أوربان كثيرا لدعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا، وقد سارع إلى توضيح أن الاتحاد لن تكون له أي علاقة بالمحادثات المرتقبة في بودابست.
وصرح أوربان لإذاعة المجر يوم الجمعة الماضي قائلا "بما أن الاتحاد الأوروبي مؤيد للحرب فمن المنطقي استبعاده من عملية السلام هذه".
بدوره، أكد وزير خارجية المجر بيتر زيجارتو أن بلاده "ستضمن دخول الرئيس الروسي بوتين إليها وإجراء مفاوضات ناجحة هنا، ثم عودته إلى وطنه".
وأضاف زيجارتو -حسب ما نقل عنه تقرير لـ"بي بي سي"- أنه "لا حاجة لأي نوع من التشاور مع أي أحد، فنحن دولة ذات سيادة، سنستقبل بوتين باحترام ونستضيفه، وسنوفر له الظروف المناسبة للتفاوض مع الرئيس الأميركي".
نقلت صحيفة فيدوموستي الروسية عن الباحث في معهد الدراسات الأميركية والكندية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم فلاديمير فاسيلييف قوله إن اختيار بودابست مكانا للقمة المقبلة انتصار رمزي للدبلوماسية الروسية.
واعتبر فاسيلييف أن العاصمة المجرية موقع أكثر ملاءمة لموسكو، مشيرا إلى أن هذا قد يعزز موقف المجر في نزاعها مع الاتحاد الأوروبي.
وأضاف فاسيلييف أن المحادثات المقبلة في بودابست ستمثل رمزيا عودة روسيا إلى أوروبا.
وأوردت شبكة "روسيا اليوم" الإخبارية أن جهات أوروبية وصفت انعقاد القمة المرتقبة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب في العاصمة المجرية بودابست بـ"الكابوس السياسي" للاتحاد الأوروبي.
ونقلت الشبكة عن تلك المصادر -التي لم تكشف عنها- قولها إنها ترى أن انعقاد القمة بين بوتين وترامب يمثل تجاهلا لأوروبا ويضع قادة الاتحاد وحلف "الناتو" في موقف محرج.
وأشارت إلى أن مسؤولين في بروكسل يؤكدون أمام الإعلام أن القمة ستكون مفيدة إذا ساهمت في تقدم عملية تسوية النزاع في أوكرانيا.
لكنها تنقل عن مصادر أوروبية تأكيدها أن القمة المرتقبة ستكون بمثابة "كابوس سياسي" للاتحاد، وأن لقاء بوتين وترامب قد يشكل انتصارا للزعيم الروسي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: غوث حريات دراسات المحکمة الجنائیة الدولیة رئیس الوزراء المجری فی الاتحاد الأوروبی بوتین إلى بودابست هذا المسار فی بودابست إلى الحرب إلى المجر
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.