وكالة سوا الإخبارية:
2026-06-03@05:46:47 GMT

بالصور: عندما تحارب الحروف لتصبح ركامًا

تاريخ النشر: 22nd, October 2025 GMT

الحاج جميل مقداد… السبعيني الذي فقد مكتبته، لا ذاكرته فقد مكتبته بسبب القصف، لكنه لم يفقد ذاكرته ولا حبه لرائحة الحبر والكتب

لم يكن يملك ثروة ولا بيتًا عظيما ، لكن كنزه الحقيقي كانت مكتبة ومطبعة تمتلئ برائحة الكتب والحبر والورق.

مطبعته التي بناها بجهده، ورقةً ورقة، طوال أكثر من ثلاثين عامًا.

الحاج جميل محمد محمد مقداد، رجل تجاوز السبعين من عمره مقيم بمعسكر الشاطئ بمدينة غزة ، كان كلّ من يراه يعلم أن قلبه معلّق بين رفوف الكتب وماكينات الطباعة.

كل زاوية في مكتبته كانت تحمل أثر زمن، وكل مجلد يحمل قصة، وفي كل ورقة توقيعٌ من روحه مختوم بنهاية الغلاف: "دار المقداد للطباعة والنشر".

لكن حين أتى القصف، لم يهدم جدران مكتبته فقط، بل طوى حياةً من القراءة والتدوين والتأمل.

تحوّلت مكتبته إلى رماد، وأحلامه إلى ركام.

قال وهو ينظر إلى ما تبقّى بصوتٍ متحشرج بالحزن:

"ما فقدت مكتبتي فقط… فقدت عمري."

لم يكن ذلك مجرد فقدٍ مادي، بل رحيل صامت لذاكرة وطن وصفحاتٍ كانت تنبض بالحياة والحكمة.

بداية الحلم

أسست مطبعة ومكتبة دار المقداد بمدينة غزة بمخيم الشاطئ منذ 1980 رغم صعوبة الظروف ووجود الاحتلال الإسرائيلي في القطاع.

لكن حلم المكتبة والطباعة كان يراوده منذ شبابه، فقد منعه الاحتلال من إنشاء مشروعه الخاص بعد اعتقاله عام 1981 لمدة ست سنوات.

ومع قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، بدأت أول باكورة إنتاج المطبعة.

يستذكر الحاج أبو محمد تلك اللحظات بلوعة واشتياق، وكأن شريطًا سينمائيًا يمر أمام عينيه، ليروي بداية مشروعه الذي بدأ بماكينة تصوير عادية وماكينة سحب من النوع القديم.

استأجر حينها حانوتًا قريبًا من مكان إقامته، وبدأ بالعمل على الطباعة، وجلب الأحبار والورق وكل ما يلزم من مستلزمات الطباعة والكتابة.

شيئًا فشيئًا، بدأ بإنتاج الكتب والدفاتر والملازم الدراسية لطلاب المدارس والجامعات، ومع مرور الوقت تطورت المكتبة نحو الطباعة العامة بدلًا من التصوير اليدوي.

ذاكرة العمل والعائلة

يقول الحاج "مقداد" بصوتٍ صارم وهو يستعيد أجمل الذكريات: "كنت أعمل بالمكتبة والطباعة، وكانت زوجتي شريكة الحياة تساعدني بالعمل، من ترتيب الكتب وقص الورق، لأن أبنائي السبعة كانوا صغارًا. لكن بعدما كبروا، أصبحوا جميعهم يتناوبون على العمل بالمكتبة دون كلل أو ملل."

كانت مكتبة دار مقداد علامة فارقة في غزة، إذ شاركت في إنتاج ورق الانتخابات للسلطة الوطنية عام 1996 كجزء من الدعاية الإعلامية لتلك المرحلة، لتصبح منذ ذلك الوقت أكثر شهرة ومعرفة بين الناس.

يقول أبو محمد: "كنت موظفًا في جامعتي الأزهر والإسلامية، وكنت محبوبًا ومراعيًا لظروف الطلاب، لذلك كنت أنتج الكتب وأطبعها بسعر يناسبهم. كان طموحي أن أتعلم بسرعة كيفية الطباعة، وقد أنجزت ذلك على آلة الطباعة باللغة العربية والإنجليزية والعبرية، فالمطبعة كانت تمثل لي الحياة والأمل، وكنت أتمنى أن تتطور للأفضل."

بين الصمود والتحدي

يجلس اليوم على كرسيه المتواضع، يستذكر المراحل الصعبة التي مرت بها المطبعة.

يقول: "مرت المكتبة بعدة عقبات، كتعطل ماكينات الطباعة، وعدم توفر الورق، فصيانتها مكلفة جدًا، والإمكانيات قليلة جدًا. الماكينات التي تدخل غزة من قبل الاحتلال تكون مستخدمة وبها أعطال كبيرة، وأسعارها باهظة، فضلًا عن احتكار بعض التجار للأسعار."

ورغم كل الصعوبات، كان يختم كل غلاف كتاب بعبارة "دار المقداد"، علامةً للهوية والإصرار.

بين الرماد والذاكرة

بصوتٍ متحشرج، يقول الحاج جميل: "عدت من منطقة نزوح قريبة من مكان مكتبتي، بعد أن داهم الخطر المنطقة، فوجدتها محروقة. وذلك بتاريخ 15 نوفمبر 2023 . كانت تحتوي على 20 لوح طاقة شمسية كلفتني 120 دولارًا، وبطاريات انفيرتر، لا أثر لها. لا أثر للورق، والكتب محروقة، والمخزن الذي كان مليئًا بالأحبار والأقلام والدفاتر اختفى تمامًا. فقدت ماكينتين للطباعة قيمتهما 11 ألف دولار. كانت صدمة وقهرًا أن أرى شقاء عمري أصبح ركامًا، بعد أكثر من 30 سنة من العمل لتطويرها."

جلس يومها على كرسي في الشارع، وبجانبه كوب ماء، يراقب أبناءه وهم يحاولون جمع بقايا المكان من تحت الرماد، بينما هو لم يستطع الوقوف أو لملمة شتات عمره وتعبه.

مكث عامًا كاملًا بلا عمل بسبب انقطاع الكهرباء التي كانت عماد عمله، حتى عاد الجنوب للشمال، فقرر أن يبدأ من جديد.

قام بترميم المكتبة وشراء ماكينة طباعة مستخدمة رغم ارتفاع سعرها، كما اشترى ورقًا مقصوصًا يدويًا بمقص عادي بدلًا من المقص الآلي، بسعر باهظ.

الأمل لا يُقصف

رغم كل ما حدث، لا يزال الحاج جميل مؤمنًا بأن الحروف لا تموت.

يقول بعزمٍ وهدوءٍ يشبه الحبر على الورق: "سنعود، وستعود المكاتب والمطابع، وسيكتب الحبر من جديد، طالما لا يُستنكر علينا الكتابة، رغم غطرسة الاحتلال ومحاولته طمس هويتنا وثقافتنا وعلمنا."

هكذا تحولت مكتبة دار المقداد من صرحٍ ثقافي إلى ركام، لكنها بقيت شاهدة على ذاكرة رجلٍ جعل من الحبر حياة، ومن الورق وطنًا.

المصدر : وكالة سوا - - نسمة الحرازين/ غزة اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من أخبار غزة المحلية شهيد بنيران مسيرة إسرائيلية جنوب قطاع غزة صورة: شهيدان برصاص الجيش الإسرائيلي شرق مدينة غزة ارتفاع حصيلة العدوان على قطاع غزة إلى 68,216 شهيدا الأكثر قراءة الاحتلال يعتقل عدد من المواطنين أثناء تفقد منازلهم شرق رفح وخان يونس عائلات الأسرى الإسرائيليين: جيشنا قتل جنديا في أسر "حماس" استئناف محاكمة نتنياهو: مشروع قانون لإلغاء الجلسات آفاق المرحلة الثانية من خطة ترامب في غزة عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2025

المصدر

المصدر: وكالة سوا الإخبارية

كلمات دلالية: دار المقداد

إقرأ أيضاً:

قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟

تحولت قصة اللاعب الليبي محمد الطبال، نجم فريق السويحلي، إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية تداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا، بعدما ظهرت ضمن سلسلة الأفلام الوثائقية "لهذا نعشق كرة القدم"، التي تسلط الضوء على المواقف الإنسانية الملهمة في عالم الساحرة المستديرة.

بدأت القصة عندما تلقى الطبال رسالة عبر منصات التواصل الاجتماعي من أسرة طفل يعاني مرضًا خطيرًا أجبره على قضاء فترات طويلة داخل المستشفى بعيدًا عن حياته الطبيعية. 

سامي الشيشيني: أحمد فتوح من أفضل اللاعبين لكنه “مزاجنجي”عمرو الحديدي يفتح النار على توروب : دمر اللاعبين نفسياإبراهيم حسن : كأس العالم فرصة استثنائية للاعبينا .. ونستهدف كتابة تاريخ جديد للفراعنةالأهلي يرفع عرضه لتجديد عقد نجم الفريق .. واللاعب يطلب مهلة لحسم موقفهمرموش: المنافسة في السيتي تجعلني لاعبًا أفضل.. وطموح الفراعنة كبير بكأس العالمسباليتي يطلب دياز.. واللاعب يحسم موقفه من يوفنتوس

لم تحمل الرسالة طلبًا تقليديًا يتعلق بالحصول على قميص أو توقيع، بل تضمنت كلمات مؤثرة تكشف مدى تعلق الطفل باللاعب ومتابعته المستمرة لمباريات السويحلي رغم ظروفه الصحية الصعبة.

كان الصغير يقضي ساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون يشاهد مباريات فريقه المفضل ويحلم بلقاء نجمه المحبوب ولو لمرة واحدة. 

ماذا فعل نجم السويحلي الليبي؟

عندما وصلت الرسالة إلى محمد الطبال، لم يتردد في اتخاذ خطوة استثنائية من أجل الطفل، حيث توجه اللاعب في اليوم التالي مباشرة إلى المستشفى بعيدًا عن الأضواء والكاميرات. 

عندما دخل اللاعب غرفة الطفل، لم يتمكن الصغير من إخفاء مشاعره، إذ غلبته الدموع بعدما وجد اللاعب الذي طالما شاهده في المباريات يقف أمامه ويتحدث معه عن قرب.

أمضى الطبال وقتًا طويلًا إلى جانب الطفل، تبادلا الحديث عن كرة القدم والأحلام والطموحات، كما حرص على بث روح التفاؤل داخله، مؤكدًا له أهمية التمسك بالأمل ومواصلة مقاومة المرض، وقبل مغادرته، قدم له قميصه الشخصي موقّعًا باسمه، ووعده بإهداء هدفه المقبل له بطريقة خاصة.

مشهد مؤثر من الملعب

وبالفعل، بعد أيام قليلة، سجل الطبال هدفًا مهمًا مع السويحلي وفي لحظة مؤثرة، توجه نحو الكاميرات ورفع قميصًا يحمل اسم الطفل، في مشهد انتشر بسرعة كبيرة بين الجماهير وأثار موجة واسعة من الإعجاب والتفاعل.

ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، إذ شهدت حالة الطفل الصحية تحسنًا ملحوظًا خلال الأسابيع التالية، وأكد والده أن زيارة اللاعب كان لها أثر نفسي كبير، حيث منحت ابنه قوة إضافية وإصرارًا على مواجهة المرض.

واستمر الطبال في متابعة حالة الطفل والتواصل مع أسرته بشكل دائم، إلى أن جاء اليوم الذي غادر فيه المستشفى، وكانت المفاجأة أن اللاعب استقبله داخل ملعب السويحلي وسط تصفيق الجماهير، في مشهد جسد المعنى الحقيقي لتأثير الرياضة.

طباعة شارك السويحلي الليبي قصة الطبال اللاعب محمد الطبال الدوري الليبي ترند ليبيا

مقالات مشابهة

  • فضل دعاء واستغفار الحاج لأقاربه قبل دخول بيته .. علي جمعة يوضح
  • فرق توقيت!!
  • بالصور: من هي جيلان الجباس زوجة عمر مرموش وكم عمرها؟
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • مربو الأبقار يتهمون الزراعة بعدم الالتزام بخطة التوطين
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • برلماني: المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمتلك مقومات لتصبح مركزًا عالميًا لإدارة سلاسل الإمداد
  • بالصور .. جماهير المصري تخطف الأنظار في مباراة زد وتحتفل ببطاقة النهائي
  • بعد تناول الوجبات الدسمة.. مشروبات تحارب الانتفاخ وتعزز صحة الجهاز الهضمي