صناعة الجهل في الأردن…من يغلق العقول ويفتح الأزمات؟
تاريخ النشر: 23rd, October 2025 GMT
صراحة نيوز-
مركز حزب عزم للدراسات الاستراتيجية
في كل أمةٍ لحظةٌ صامتة أخطر من أي حربٍ تُخاض بالسلاح، لحظةُ القبولبالجهل كقدرٍ جماعي. حين يُطفأ النور في العقول لا نحتاج إلى قوى خارجية لتهديدنا، فالعقول المطفأة تكفي لتصنع تهديداً لنفسها. من هنا يبدأ الخطر،لا من عدوٍ خارجي، بل من عقلٍ داخليٍّ تآكلت فيه القدرة على السؤال.
اليوم، حيث الذي تتسارع فيه المعرفة كما تتسارع الموجات الضوئية، يقف العالم العربي، أمام ظاهرة مقلقة وخطيرة، وهي صناعة التجهيل. حيث تبدو المفارقة أكثر فداحة حين تُصنع عمدًا، وحين تتحول إلى سياسة غير معلنة تتغلغل في تفاصيل التعليم، والإعلام، والخطاب العام.
فالجهل لم يعد مجرد غياب للمعرفة، بل بات منظومة متكاملة تحافظ على السكون، وتمنع الأسئلة، وتعيد إنتاج التبعية الفكرية والاجتماعية.
في منطقة الشرق الأوسط، تُستخدم سياسة التجهيل كأداة سياسية ناعمة لإبقاء الشعوب في دائرة الحاجة، والتبعية، والعجز عن التفكير النقدي. فحين يغيب الوعي، يسهل تمرير القرارات، وتُختزل الوطنية في الشعارات، ويُخضع المواطن لثقافة الخوف بدلاً من ثقافة السؤال.
في الأردن، كما في كثير من الدول العربية، لم تعد أزمة الجهل ناتجة عن ضعف الموارد أو قلة الكفاءات، بل عن غياب المشروع الثقافي الوطني القادر على توجيه التعليم نحو بناء الإنسان لا مجرد إعداد الموظف. فحين تُختزل المدرسة في امتحان، والجامعة في شهادة، والمعرفة في وظيفة، يصبح الجهل حالة مؤسساتية تُغلفها الشعارات.
لقد أفرزت هذه المنظومة ما يمكن تسميته بـسياسة التجهيل المقنّع، التي تُفرغ التعليم من محتواه النقدي، وتُشجع على النقل بدل الإبداع، وتحاصر العقل بين الولاء والخوف. وبدل أن تكون الجامعات فضاءً للحوار والتنوير، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ساحة للصراعات المختلفة، حيث تُدار الخلافات بعقلية الغلبة لا بعقلية الفكرة. ومن هنا، تبرز العلاقة الخطيرة بين سياسة التجهيل والعنف الجامعي، ويغيب الوعي، وتتراجع القيم الجامعة، وتتفكك الروابط الاجتماعية لحساب الانتماءات الضيقة التي تُضعف الدولة والمجتمع معًا.
إنها ليست صدفة ولا نتيجة تراجع عابر، بل نتاج سياسات ممنهجة، وتواطؤ صامت، وتراكم طويل من الإهمال والتهميش، حتى أصبحت المعرفة رفاهية، والجهل سلطة غير معلنة.
في بداية القرن الحادي والعشرين، قال الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا “حين تُختزل المعرفة بالشهادات الورقية، يتحول التعليم إلى وسيلة للسيطرة لا للتحرير“. وهذا بالضبط ما نعيشه اليوم، حيث تحوّل التعليم من وسيلة للنهوض الاجتماعي إلى أداة لإعادة إنتاج التبعية والامتثال، لا التفكير الحر والإبداع.
في الأردن، تتكاثر الشواهد على أن الجهل لم يعد مجرد حالة اجتماعية، بلأصبح منظومة إنتاجٍ ناعمة تتخفى خلف الشعارات التربوية والدينية والإعلامية. نُعلّم أبناءنا القراءة من دون أن نُعلّمهم التفكير، ونُشيد بالمبدعين ثم نحاصرهمبالصمت، ونرفع شعار الإصلاح ونحن نخشى أول خطوة فيه. الى ان اتسعت دائرة التجهيل حتى صارت بنية شبه مؤسسية. هكذا تُصنع الأمم التي تعرفكل شيء إلا ذاتها، وتتكلم كثيرًا ولا تُصغي إلى عقلها.
فمن مناهج جامدة لا تواكب العصر، إلى جامعات تكرّر ذات الفكر والطرق، إلى ضعف في التفكير النقدي، وغياب ثقافة البحث العلمي، وتراجع في مكانة المعلم والجامعة معًا، حتى وصلنا إلى ما يشبه الحلقة المغلقة، تعليم بلا فكر، وطلاب بلا أفق، ووطن يدفع الثمن من مستقبله.
الجهل هنا لا يعني غياب القراءة والكتابة، بل غياب القدرة على التمييز، على التفكير المستقل، على طرح الأسئلة الجريئة التي تبني الأمم، وكما قال الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي “الجهل السياسي أخطر من الأمية، لأنه يُنتج مواطنًا قابلاً للتلاعب“.
إنّ وقف صناعة الجهل يتطلب الاعتراف أولًا بأنها قائمة فعلًا، وأنها تجد في بعض المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية أدواتها المباشرة وغير المباشرة. فالمناهج المكرّرة التي تقتل روح الإبداع، والخطاب الإعلامي الذي يكتفي بالسطحيات، واللغة السياسية التي تزرع الخوف بدل الأمل، جميعها مكونات لصناعة الجهل الحديثة.
ولعل الخطر الأكبر يكمن في تطبيع الجهل، أي جعله مقبولًا أو حتى مرغوبًا، حين تُكافأ اللامبالاة ويُهمَّش التفكير النقدي، وحين يصبح الطالب الذي يسأل مزعجًا، والمثقف الذي يختلف مهددًا، والمعلم الذي يبدع محاصرًا بالقيود البيروقراطية، فإننا نكون أمام منظومة تُعيد إنتاج ذاتها دون أن تشعر بالخطر الذي تخلقه.
إن من يقف وراء سياسة التجهيل هم أولئك الذين يرون في الجهل ضمانًا لاستمرار نفوذهم. فالمجتمعات الواعية تُحاسب، والمثقفة تُطالب، والمستنيرة تُغيّر. ولذلك، يتم أحيانًا إضعاف التعليم العام والجامعي، وإغراق المؤسسات بالقرارات غير المدروسة، وإشغال الأكاديميين في التفاصيل بدل الأفكار.
فالجهل ليس مجرد خلل في النظام، بل نتيجة لإرادة خفية تبقي المواطن في مستوى وعي محدد، لا يهدد بنية المصالح القائمة.
إن من يتحمل المسؤولية عن هذا المشهد ليس شخصًا بعينه، بل حكومات، ومجالس التربية والتعليم العالي وهيئة الاعتماد ومجالس الأمناء ورؤساء الجامعات المتعاقبة جميعها. حيث جميعهم، أصبحوا، في حالات كثيرة، جزءًا من المشكلة لا من الحل. فتحولت الجامعات إلى ساحات للمحاصصة، وتوزيع للمواقع، لا لإنتاج الفكر والمعرفة. أما هيئة الاعتماد، التي يفترض أن تكون حارس الجودة، فقد انشغلت أحيانًا بالأرقام والنماذج الورقية أكثر من جوهر ضبط جودة المخرج الأكاديمي، وقد يكون السبب الى وجود خطاء في القانون الذي منح رئيس الهيئة حق وجودة عضو في مجلس التعليم، فأصبح بذلك جزء من التشريع، بدلاً من يكون الجهة الرقابية بالكامل، وبذلك تحولت رقابة ضبط الجودة، مع الوقت إلى حاجز بيروقراطي يمنع التميز بدلاً من أن يصونه.
كل الحكومات المتعاقبة، والمجالس المختلفة، تناغمت، حتى وصلت الى ان شكلت منظومة كاملة تداخلت فيها المصالح السياسية مع المصالح الأكاديمية والبيروقراطية.
وفي غياب الرؤية الوطنية الحقيقية، التي أدت الى تُعيَّن بعض القيادات الأكاديمية، التي لا تمتلك الكفاءة أو الجرأة الفكرية، بينما يُبعد أصحاب الفكر والرؤية، ويُقصى من يجرؤ على النقد أو التجديد. فاستقرت قيادات سياسية وأكاديمية غير كفؤة في مواقعها، تدير ولا تقود، تُنفّذ ولا تُفكّر، لتتوسع فجوة التراجع وتُخنق الجامعات والمؤسسات من الداخل.
النتيجة، شهادات بلا مهارات، وضعف في المخرجات، وانتشار العنف الجامعي كأحد تجليات الانهيار القيمي، وتراجع في التصنيفات، كلها تعكس صورة مأساوية عما وصل إليه التعليم من فراغ قيمي وفكري.
الكثير منا يسأل، لماذا فشلنا؟ فشلنا لأننا لم نفهم أن التعليم ليس مشروعًا وزاريًا، بل مشروع وطني حضاري طويل الأمد. كل استراتيجية تُولد منفصلة عن رؤية شمولية، تُدفن بعد تغيير وزير أو حكومة. المناهج تُكتب بعقل إداري لا بفكر تربوي، ومشاريع الإصلاح تُقاس بالموازنات لا بالأثر. حتى البحث العلمي، الذي يفترض أن يكون عقل الأمة، أصبح في كثير من الحالات وسيلة للترقي لا للإبداع، فانتشرت ظاهرة شراء البحوث او استلالها، وغابت النزاهة الاكاديمية، والرسائل الجامعية تُكتب لتملأ الرفوف لا لتبني الوطن.
لقد نجحت دول مثل سنغافورة وفنلندا وكوريا الجنوبية حين جعلت التعليم مشروعًا وطنيًا يقوده أفضل العقول، لا السياسيون ولا البيروقراطيون، فحولت مدارسها وجامعاتها إلى مصانع للفكر، لا مكاتب لإصدار الشهادات.
ومن هنا، فان حزب عزم، يؤكد على ما جاء في توجيهات جلالة الملك عبد اللهالثاني حين قال “لا يمكن للأردن أن يحقق رؤيته المستقبلية من دون تعليم نوعي يواكب التطورات العالمية“. فالتعليم بالنسبة للملك ليس قطاعًا إداريًا، بل معركة وعي لبناء الإنسان الأردني القادر على قيادة المستقبل.
إنّ الخروج من دائرة صناعة الجهل في الأردن لا يتحقق بالشعارات، بل ببدء مشروع وطني شامل لـصناعة التنوير، يضع التعليم والمعرفة في قلب السياسات العامة لا على هامشها. فالأردن الذي قدّم للعالم عقولًا لامعة في الطب والهندسة والعلوم، لا يجوز أن يُترك التعليم رهينة للتراجع الممنهج، وتسيسه، وهيمنة اللامبالاة على روح الجيل الجديد. فالتنوير ليس ترفًا فكريًا، بل هو أمن وطني طويل المدى.
ومن هنا فان حزب عزم، يرى ان وقف صناعة الجهل يتطلب أولًا الاعتراف بوجودها، وثانيًا تفكيك البنية التي تغذيها، ونحتاج إلى إعادة بناء مفهوم التعليم من الجذر، ليصبح مشروع دولة لا مشروع حكومة، وُمنح الجامعات استقلالها الحقيقي، وأن يُعاد النظر في آليات تعيين رؤسائها ومجالس أمنائها على أساس الكفاءة لا الولاء، ويجب ُفتح نوافذ الحرية الأكاديمية، لأن العقل لا يُبدع تحت القيد، ولا ينتج وهو خائف.
حين ننتقل من تبرير الجهل إلى مساءلته، ومن الخوف من الوعي إلى الاستثمار فيه، يمكن للأردن أن يتحول من بلد يستهلك المعرفة إلى بلد يُنتجها، ومن مجتمع يواجه الأزمات بالانفعال إلى مجتمع يصوغ الحلول بالعقل. هكذا فقط ننتقل من صناعة الجهل إلى التنوير.
كما يرى الحزب، إنّ صناعة التنوير لا تكتمل إلا إذا اصبحت مشروعًا وطنيًا وثقافيًا يستعيد العقل من براثن الخرافة والكسل الفكري. فالتنوير لا يعني مجرد حشو العقول بالمعلومات، بل بناء وعي نقدي قادر على التساؤل، والمراجعة، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المصلحة العامة والنزعة الفردية أو الفئوية. إنّ المجتمعات التي نجحت في تجاوز أزماتها التعليمية لم تفعل ذلك بقرارات فوقية، بل عبر تحالف بين المدرسة والإعلام والجامعة والمثقف، لصوغ بيئة جديدة تُقدّر المعرفة وتمنحها قيمة اجتماعية واقتصادية.
في المقابل، لا يمكن صناعة التنوير في فراغ سياسي أو ثقافي، بل تحتاج إلى إرادة دولة ترى في الإنسان رأس المال الحقيقي، وتؤمن أن حرية التفكير لا تهدد الأمن، بل تحميه. من هنا تبدأ معركة الوعي، وبإعلام يُنير لا يُضلّل، وبخطاب ديني وعام يعيد للإنسان كرامته بوصفه غاية التنمية لا وسيلتها. وهكذا فقط يمكن للأمم أن تتحول من إنتاج الجهل إلى تصدير النور، ومن ثقافة التبرير إلى ثقافة السؤال.
ان صناعة التنوير تبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام والمسجد والمنبر الثقافي، وتقوم على ترسيخ قيم التفكير، والانفتاح، والمسؤولية. فالمجتمع الذي يتصالح مع المعرفة، لا يخشى السؤال، ولا يهاب الاختلاف، ولا يُقصي المختلف. وهنا يأتي دور الدولة في جعل الجامعة منارة للعقل الحر لا ملاذًا للولاءات الضيقة. كما يجب أن يُعاد الاعتبار للمعلم والمثقف بوصفهما ركيزتين في المشروع، لا ضحيتين في معركة التهميش والبيروقراطية.
ان حزب عزم، يطرح رؤية واضحة للخروج من هذه الدوامة، تقوم على تحرير التعليم من البيروقراطية، وربطه بالتنمية الوطنية، وتطوير المناهج لتخدم التفكير النقدي لا الحفظ، وتمكين الجامعات من اختيار قياداتها على أساس الكفاءة والإنجاز، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي الموجه لحل مشاكل المجتمع، وبناء شراكات بين التعليم وسوق العمل لتقليل البطالة بين الخريجين، وإعادة الاعتبار للمعلم والأكاديمي كقوة وطنية في بناء الإنسان، ويجب إشراك المجتمع المدني والأحزاب والمفكرين في صياغة رؤية وطنية للتعليم لا تتغير بتغير الحكومات.
لقد آن الأوان أن نكسر دائرة التجهيل، وأن نعيد الاعتبار للعقل الأردني.فالشعوب لا تنهض بالصدفة، بل حين تختار أن تتعلم لتتحرر، لا لتتأقلم. اننا بأمس الحاجة الى ثورة فكرية هادئة ولكن عميقة وشاملة، تبدأ من الصفوف الدراسية وتنتهي في غرف القرار، مروراً بالقيادات أكاديميين، التي تمتلك الجرأة لا المكاتب، وإلى مؤسسات تحمي الفكر لا تحاصره.
فإذا أدركنا ان الجهل صناعة، فيجب ان ندرك بان الوعي مقاومة، وإذا كان البعض يبني الجهل كجدار، فعلينا أن نحوله إلى جسر نحو نهضة وطنية، يكون عنوانها ” نهضة الأردن الشمولية بالعلم والعمل لا بالشعارات“ وهو الفكر الذي يتبناه حزب عزم بالكامل.
المصدر
المصدر: صراحة نيوز
كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام التفکیر النقدی التعلیم من فی الأردن کثیر من حزب عزم مشروع ا التی ت من هنا
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.