"بينما ترمي الدساتير الحديثة والقوانين الوضعية إلى أن تجعل قاعدتها الرئيسة -في وضع الأحكام- فكرة الحقيَّة، أو الامتلاك؛ نرى الشريعة الإسلامية.. ولا سيما وهي بصدد وضع أحكامٍ لتنظيم نشاط الإنسان السياسي، أو تحديد صلة الفرد بالمجتمع؛ تَهدِفُ إلى أن تجعل قاعدتها الأولى فكرة الوجوبية والالتزام، أكثر مما تجعل فكرة الحقيَّة والاستحواذ.
ومن أجل هذا، فإن الذي يتفق مع روح الشريعة أن يُتكلَّم في الإسلام عن واجبات الإنسان أكثر مما يُتكلَّم عن حقوقه؛ إذ إن أساس النظر هو أن مالك الحقوق جميعا هو الله سبحانه وتعالى، وهو الخالق وواهب الحياة للإنسان والمخصص له صفاته، والمنعم عليه بكل النعم التي يتمتَّع بها، وملكيتها تبقى حقّا خالصا لله تعالى الذي أوجدها وأعطاها، وإنما الإنسان مُلَزمٌ ومكلفٌ بالمحافظة على هذه النعم وصيانتها والانتفاع بها في الحدود التي رُسمت لها، واستعمالها فيما خُلقت من أجله، والانتفاع الرشيد بهذه المواهب.. إن هذه الحقوق جميعا هي حقوق الله، وعلى الإنسان دائما أن يستشعر أنه مؤتمنٌ أو وكيلٌ على حيازة هذه الحقوق، عليه أن يتصرَّف فيها تصرُّف الوكيل، في الحدود التي عُينت لوكالته".
وهذا التقرير الماتع الدقيق، الذي أورده العلَّامة الشيخ محمد عبد الله دراز -رحمه الله- في كتابه الأشهر: "الدِّين"؛ هو خير مُنطلقٍ يكشف تبايُن الرؤية بين الإسلام وما عداه، وبين تصور "الخلاص الديني" في روع المكلَّف المكابِد، وتصور "التمكين الطوباوي" المستورَد من السياق البروتستنتي. وإذا كانت الرؤية الكاثوليكيَّة -ومثلها النحل والأديان الشرقيَّة الآسيويَّة- تُرسخ تصورا للخلاص الفردي المجرَّد، وتُخالفها اليهودية والبروتستنتية بانتظارها لـ"تمكين" جمعي أو فردي حتمي؛ فإن الإسلام "وسطٌ" ما بين الرؤيتين، إذ يُرسخ خلاصا فرديّا في إطار خلاص اجتماعي، مع فتح الأفق لإمكان تنزُّل "مِنَّة" إلهيَّة بتمكين للدين على يد بعض دُعاته المجاهدين، كما أسلفنا. ولهذا، فالمكلَّف مسؤول يسعى للخلاص في الدنيا وفي الآخرة، أما صاحب الحقوق الطوباوية فمتألّه لا يرى نفسه إلا مركزا للكون؛ يسعى لبناء فردوس أرضي ليتحصَّل فيه على "حقوقه" المادية اللانهائيَّة.
وكما بيَّنا في مقالنا السابق، فإن إحلال وهم "التمكين" هذا محل تصور الخلاص قد أفضى إلى زُهد أجيال التمكين الهش في "الخلاص الديني"، ونفورهم منه، بل رفضهم التفكُّر فيه ودع عنك التعاطي معه بوصفه غاية الوجود الوحيدة. ذلك أن تحقُّق الخلاص الديني مُرتبطٌ بمكابدة وألم ومُعاناة في أفق دنيوي مفتوح، بغير مآل مُعيَّن في هذه الدار؛ بعكس وهم "التمكين" بوصفه ثمرة جهد وألم يُتوقَّع نيلها في أفقٍ منظور. أضِف إلى ذلك أن شتَّى الخبرات الحياتيَّة التي تُثري الشخصيَّة الإنسانيَّة، وتزيد معرفتها بالذات وبالآخر وبالوجود؛ تُعَدُّ في التصور الخلاصي قسما أساسيّا من رحلة الخلاص لأنها مرحلة اكتشاف المكلَّف لذاته ووجوده، بينما هي في التصور التمكيني مجرد ثمن واجب لـ"النجاح" في داخل الدنيا. واختلاف المنظور والنيَّة، يُفضي إلى اختلافات هائلة في استقبال الخبرات والتعاطي معها، وفي انعكاس أثرها على النفس والوجود.
وهذا المروق "التمكيني" مُطرد مع منطق الفردوس الأرضي، والذي يرفض أية تضحيات أو مكابدات لا يُدرك البصر ثمنها في أفق منظور. ومن ثم؛ فإن "تمكين الدين" لا يهم إلا بتمكين المتدينين من الدنيا! وهذا الاطراد كاشفٌ كذلك عن هشاشة تجعل صاحبها لا ينفر من الابتلاء فقط -وكل الحياة ابتلاء!- وإنما يتجنَّب مُجرَّد التفكُّر في ابتلاءات الآخرين ومآسيهم، وينصرف عن مد يد العون إليهم شفقة ورحمة. ليكون مآل هذه التركيبة الشخصيَّة هو البحث الهلوع الدائم عن اللذائذ الآنيَّة والمتع الوقتيَّة، التي يُحاول أن يُضفي بها المعنى على وجود مشهود، لا يؤمن على الحقيقة بشيء وراءه. ويُحاول إطالة أمد تلك المتع واللذائذ إلى ما لا نهاية، وهذا مستحيل عمليّا؛ لأن المتعة واللذة قد ارتبطت في دار الابتلاء بالمعاناة التي تتلوها وتسبقها، فكل لذَّة مُختَلَسة. وربما كان فعل "الولادة" الذي يُلقَى به ابن آدم في الدنيا مثالا نماذجيّا تأسيسيّا على تجاور اللذة والألم، ولزوم اقترانهما في الدنيا؛ فكأن الفعل الذي تبدأ به الحياة تجسيدٌ لأطوار الحياة نفسها. وهذا هو ما يجعل تحول نظر البشري من الخلاص إلى التمكين، ليس مجرد انحدار من الإيمان إلى الكفر؛ بل هو تدهورٌ أولا من الإنسانية إلى ما دون الحيوانية.
ولهذا، نجد أن أجيال التمكين التي غذَّتها أوهام "التنمية البشرية" وأخواتها، ومقولات تافهة مثل: "أنت تستحق الأفضل"، و"توقَّع الأجمل دوما"، و"دع ما يؤذيك".. إلخ؛ قد صارت أسيرة أوهام نسجتها أمثال تلك الخرافات، والتي تُشكِّل لاهوتا دينيّا حقيقيّا تَشكَّل في بيئة بروتستنتية ترعى الدين المدني؛ لترفع سقف توقُّعات الأجيال الجديدة، وتجعلها تنتظر حياة يسيرة لا عقبات فيها، أو على الأقل حياة يُثابُ فيها كل فاعلٍ في هذه الدنيا بعد تغييب الدار الآخرة. وهو ما يخلف أجيالا شديدة الهشاشة، مُعلَّقة بـ"التمكين" الدنيوي الآني ولا تُبالي بالخلاص بوصفه الغاية الحقيقيَّة في هذه الدنيا. وهذا الوهم شديد الاختلاف عن حُسن الظن بالله، الذي أُمر المؤمنون بالتحلي به. فإن الله تعالى لا يبتلي العبد ويقبض عنه نعمة، ليُعطيه خيرا منها في هذه الدنيا بالضرورة، وإشاعة ذلك كذب على الله، وإلزامه سبحانه وتعالى بما لم يُلزِم به نفسه. فإن ابتلاء المكلَّف -بالخير قبل الشر- لا يُشترط أن يكون امتحانا يُجازى عليه بنعمة في هذه الدنيا، بل قد يكون عقابا لذنوبٍ اجترحها ونسيها، وقد يكون غير ذلك مما لا يعلم حكمته إلا ربنا سبحانه وتعالى. ومن الأدب ألا نتبع الهوى؛ فنلزم حد العبوديَّة، ونعلم أن أقدار الله تعالى لا تجري بأهواء خلقه، بل إن حُسن الظن بالله كله تسليم الأمر له ولحكمه.
ولا يخلو هذا الانحراف من بقايا فطريَّة، إذ يتوهُّم بعضهم في التمكين خلاصا، بالأشياء وبالأدوات؛ في حين يؤدي بهم إلى سجن حقيقي في فردوس أرضي موهوم، يقود حتما إلى جحيم دنيوي حقيقي على المدى الطويل، خصوصا إذا رافقه مسعى لفرضه قهرا على الواقع. وإن الخلاص ليس رغبة في التمكين، وإن لم ينف فطريَّة الطمع في الأخير. لكنَّ نُشدان الخلاص تعلُّق كاملٌ بالغيب، وبخلاصٍ حقيقي للنفس والمجتمع، وقد يؤدي في الإسلام إلى تمكين ما؛ يسمح بتيسير تخليص نفوس ومجتمعات أخرى.
إن مرحلة هيمنة الأفق المحدود للتمكين مرحلة مدمِّرة للتصورات الإسلامية في الوجدان وفي الواقع، إذ يصحبها عدد هائل من الأوهام، مثل الحلم بلحظات "المجد الحضاري الذهبي" و"الأيام الخوالي"؛ التي كانت في الأصل آخر صور التمكين للدين، بعد انحراف المتدينين وانصرافهم إلى الدنيا. وبعبارة أخرى، فإن النظر إلى بقايا التمكين الماضي بوصفها هي نفسها أصول الديانة وتحقُّقها في الوجود؛ محض توهُّم كسول، يُريد العودة إلى ذروة توفيقيَّة قصيرة، دون المرور بعقود الجهاد والمكابدة وآلامها، ورأس ذلك مكابدة النفس لئلا تنجرف بسرعة إلى خيالات هذا "الماضي الذهبي" الذي تدهورت فيه خصائص المكلَّف.
ورغم ذلك، فإن هذه المرحلة تُعيد الأمة مرة أخرى -بإذن الله- إلى أفق أوسع. إذ تُعَدُّ هذه المرحلة آخر المؤثرات الغربية/ الجاهلية/ الماديَّة في أي دورة تاريخيَّة، وبالتالي؛ فهي خاتمة الدورة التاريخية الحالية. ولعلَّ أهم شواهد ذلك هو ما نعيشه من استعادة للبُعد الروحي/ الصوفي للإسلام، ودلالاتها على محاولات الخروج من ضيق أفق التمكين الآني بالأشياء والأدوات -وتصورات أهل الشرك وأنظمتهم- إلى سعة آفاق الخلاص بالتوحيد، وانفتاح الآفاق على كافة الاحتمالات، ومنها انعدام التمكين. فإن "التمكين التوفيقي" ليس مُعلقا بعجلة جيل ولا مهاراته وإمكاناته، وإنما بما يقع من هذا الجيل تحت نظر الله تعالى، والذي لا ينظر إلا إلى القلوب التي يأذن بتمكينها من حمل هذا الدين المرتضى إلى قيام الساعة.
x.com/abouzekryEG
facebook.com/abouzekry
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الخلاص التمكين الانسان اسلام التمكين الخلاص قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی هذه الدنیا التی ت
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.