مفتي الجمهورية: خطورة التكفير تمتد إلى آثار خطيرة ويترتب عليه سقوط الحقوق
تاريخ النشر: 24th, October 2025 GMT
أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن التراث الإسلامي يشكّل أساسًا راسخًا للاجتهاد في إصدار الفتاوى، وأن الإفادة منه ضرورة لتحقيق مصالح الأمة في ظل التحديات المعاصرة، موضحًا أن التعامل مع التراث يجب أن يكون بمنهج علمي يقوم على التوازن والاعتدال دون إفراط ولا تفريط، إذ يمثل حصيلة فكرية ضخمة خلفها الأئمة والعلماء والمفكرون عبر العصور.
جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها فضيلته بكلية الشريعة والقانون، بجامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا، تحت عنوان «التراث كأساس للاجتهاد في إصدار الفتاوى .. التحديات وأهمية الحفاظ على مصلحة الأمة».
وأوضح مفتي الجمهورية، أن الموقف من التراث الإسلامي في زماننا قد تباين على ثلاثة اتجاهات رئيسة؛ فهناك من غلا في التمسك به حتى جعل منه مرادفًا لصحيح الدين، ودعا إلى الالتزام بكل ما ورد فيه من أقوال ومذاهب دون نظر في تغير الزمان والمكان، معتبرًا أن هذا الموقف قاصر لا يعبر عن روح الإسلام.
وأكد أن السلف رحمهم الله لو عادوا مرةً أخرى للحياة لتغيرت مواقفهم وآراؤهم بما يتناسب وواقع الحياة اليوم، بينما ذهب آخرون إلى نقيض ذلك فأنكروا التراث وعدّوا الرجوع إليه تخلفًا ودعوا إلى القطيعة معه والانجرار خلف النظريات المادية حتى ولو خالفت الدين، منوها بأن هذا الموقف يجانب المنهج العلمي السليم ويتجاهل القيمة الحضارية والفكرية للتراث الإسلامي، بينما الاتجاه الثالث يتمثل في الموقف الوسط بين هذا وذاك، وهو ما عليه منهج الأزهر الشريف جامعًا وجامعةً، فيأخذون منه ما يتناسب وواقع الناس اليوم، ويرفضون الأخذ بالأقوال والآراء التي قيلت في سياقات تاريخية معينة.
وبيّن المفتي أن المنهجية المثلى للتعامل مع التراث تقوم على أربعة أركان أساسية هي نفي صفة العصمة عنه، لأنه جهد بشري قابل للخطأ والصواب، وأن التعامل معه ينبغي أن يكون وفق المنهجية التي أشار إليها الفيلسوف ابن رشد رحمه الله «ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم؛ فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منهم وسُررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبَّهْنَا عليه وحذرناهم منه وعذرناهم».
وتابع بين ابن رشد أن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع لمن يمتلك ذكاء الفطرة والعدالة الشرعية والفضيلة العلمية والخلقية، الأمر الثاني الاستثمار، ونقصد به استثمار الصحيح من التراث في خدمة الإنسانية اليوم، وما يمكن أن يسهم في بناء الحضارة الإنسانية، الأمر الثالث، التجاوز، ونقصد به تجاوز الأقوال و الآراء الشاذة والضعيفة والتي لا تتناسب وواقع الناس اليوم، بحيث نتجاوزها إلى الاجتهاد والتجديد وصياغة الأقوال الجديدة التي تتحقق بها مصالح الناس في العاجل والآجل، الأمر الرابع، الاعتبار والدراسة والبحث وهو يتمثل في النظر ـ على سبيل المثال ـ فيما وقع من خلاف في القرن الأول فإنه يجب أن يدرس في إطار البحث العلمي والعبرة التاريخية فقط، وألا يسمح له أن يمتد إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم، بل يجمد من الناحية العملية تجميدًا تاما، ويترك حسابه إلى الله تعالى، مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾.
وذكر مفتى الجمهورية، أن النص الذي ثبتت قطعيته وثبتت دلالته على الحكم الشرعي لا مجال للاجتهاد فيه، لأنه لا اجتهاد مع النص، أما الاجتهاد فيكون في آلية تطبيق النصوص القطعية على أرض الواقع بما يتناسب مع قدرة الإنسان واستطاعته، بينما النصوص التي ثبتت بطريق ظني أو كانت دلالتها ظنية فهي ميدان الاجتهاد في الفهم قبل التطبيق، وفيها تتعدد أنظار العلماء وآراؤهم تحقيقًا للتيسير وجلب المصالح، غير أن هذا الفهم لا يعد حكمًا شرعيًا قطعيًا بل هو اجتهاد بشري، ومن ثم فإن وصفه بحكم الشريعة فيه مبالغة لأن الأحكام القطعية لا تتعدد ولا تختلف، لقوله تعالى( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا) مبينًا أن الأمة هي التي تتحمل مسؤولية اختيار ما يناسبها من الآراء الاجتهادية عبر مؤسساتها الدستورية التي توازن بين الآراء وتنتقي ما هو أقرب إلى الصواب أو أنفع للناس، وربما تمزج بين أكثر من رأي، ولها أن تراجع ما أخذت به إذا تغيّرت الظروف، وبذلك تظل الشريعة حية قابلة للتطور بما يواكب المتغيرات ويحقق المصلحة العامة
وانتقل فضيلته إلى بيان أهمية النظر المقاصدي في الاجتهاد والفتوى، مؤكدًا أن مراعاة المقاصد أثناء تكييف الفتوى هي الضمانة الأساسية لتحقيق مصالح الأمة وصيانتها، لأن المقاصد تمثل الغايات العليا للشريعة التي توجه حركة التشريع والاجتهاد نحو ما ينفع الناس، والمقصود بالنظر المقاصدي، أن يجتهد الفقيه في استنباط هذه المقاصد من النصوص ويعمل على تحقيقها في الواقع، موضحًا أن مقاصد الشريعة تنقسم إلى ضرورية وحاجية وتحسينية، وأن حفظ الكليات الخمس، « الدين والنفس والعقل والمال والنسل» يشمل حفظها للأمة قبل الأفراد، فحفظ الدين يعني صيانة العقيدة من الفساد والانحراف، وحفظ النفس هو حماية الأرواح من التلف، وحفظ العقل وقايته من الخلل والجهل، وحفظ المال منع ضياعه واستلابه بغير حق، أما حفظ النسل فهو صيانة النوع الإنساني من الانقطاع والفساد، وكل ذلك يمثل المقاصد الكبرى التي تدور حولها أحكام الشريعة
وأشار فضيلة مفتي الجمهورية، إلى أن بلوغ رتبة الاجتهاد الكامل عند الفقيه لا يتحقق إلا بمراعاة مقاصد الشريعة فهمًا وتطبيقًا، كما قرر الإمام السبكي أن الاجتهاد الحق يقوم على إحاطة المجتهد بالقواعد العامة للشريعة وممارسته للنظر في مقاصدها حتى يدرك مراد الشرع وإن لم يصرح به النص، وبيّن الإمام الشاطبي أن درجة الاجتهاد لا تُنال إلا بفهم المقاصد فهما عميقًا مقرونًا بالقدرة على الاستنباط على ضوئها، ومن ثم فإن إغفال هذه القواعد المنهجية في التعامل مع التراث أدى إلى اضطراب في الفقه والفتوى، فظهرت اتجاهات التشدد المفرط والتساهل المخل وصدرت فتاوى شاذة من غير المؤهلين، فوقع الناس في الحيرة والبلبلة، ونشأت نزعات تكفيرية بين الجماعات المتطرفة استهدفت المسلمين ومؤسساتهم، وهي من أخطر الظواهر التي تهدد المجتمعات الإسلامية لأنها تزرع الصراع والانقسام وتعرقل وحدة الأمة
ونوه فضيلته أن من أبرز أسباب انتشار فكر التكفير الفهم الخاطئ للنصوص الدينية، سواء القرآن أو السنة، بفهمها فهمًا حرفيًا يغاير مقصودها أو بتأويلها تأويلًا غير معتبر، مثل قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وحديث النبي ﷺ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، موضحًا أن التعلق بظواهر النصوص دون فهم مقاصدها ومآلاتها يؤدي إلى الغلو المنهي عنه كما نبّه الشيخ جاد الحق رحمة الله ومن الأسباب كذلك الركون إلى الأقوال الشاذة التي وردت في بعض كتب التراث وخالفت إجماع الأمة وما عليه جمهور العلماء، إذ وجد فيها المتطرفون وسيلة لتسويغ أفكارهم وإضفاء مسحة شرعية عليها، مشيرًا إلى أن الجهل هو السبب المشترك بين هذين المسلكين لأن المبادرة إلى التكفير تغلب على من غلب عليهم الجهل وقصور العلم، كما أشار فضيلته إلى أن خطورة التكفير لا تقف عند حد الفكرة بل تتجاوزها إلى آثار خطيرة تمس الدين والمجتمع، إذ يترتب عليه سقوط الحقوق، واستحلال الدماء والأموال، وتفكك الأسر، وخراب المجتمعات، وقد نبّه العلماء إلى فداحة التساهل فيه، فقال ابن الوزير« إن التسرع في التكفير يفضي إلى مفاسد عظيمة تسقط بها العبادات والحقوق وتضيع بها مقاصد الشريعة»، كما حذر النبي ﷺ من إطلاقه بغير علم بقوله( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)، وأكد الإمام أبو الحسن الأشعري أنه لا يكفر أحدًا من أهل القبلة لأن الجميع يشيرون إلى معبود واحد وإن اختلفت عباراتهم، وهو منهج وسطي راشد يجمع الأمة على كلمة التوحيد ويصونها من الفرقة والغلو
واختتم فضيلة المفتي كلمته بالتأكيد على أن تكفير المسلمين خطر داهم يهدد وحدة الأمة واستقرارها، وأن الواجب على العلماء أن يتصدوا له بالعلم والحكمة، وأن يعملوا على ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، موضحًا أن التسرع في التكفير يفتح أبواب الفتن ويهدم مقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، داعيًا إلى ضرورة التمسك بروح الإسلام السمحة التي تدعو إلى الرحمة والتآلف لا إلى العنف والتناحر، سائلاً الله تعالى أن يوفق العلماء والمفتين لما فيه الخير والرشاد، وأن يجعل الفتوى سبيلًا للهداية ونورًا يبدد ظلمات الجهل والتطرف، وأن يجمع الأمة على كلمة الحق ويؤلف بين قلوب أبنائها، وينشر في العالم قيم السلام والرحمة والعدل.
حضر المحاضرة كل من فضيلة الشيخ أحمد بن فواز علي فاضل، مفتي ماليزيا، و سعادة السفير المصري لدى ماليزيا كريم السادات، وفضيلة الأستاذ الدكتور شريف فودين محمد، رئيس جامعة العلوم الإسلامية، وسعادة الأستاذ الدكتور مشداد حسب الله، نائب رئيس الجامعة، وسعادة الأستاذ محمد عز الدين، مدير مركز معرفة التراث الإسلامي بالجامعة، إضافة إلى عدد من القيادات الدينية والعلمية الماليزية وفي ختام اللقاء، تم تكريم فضيلة مفتي الجمهورية ومنحه لقب “أستاذ زائر” بجامعة العلوم الإسلامية الماليزية، تقديرًا لجهوده المخلصة في نشر الفكر الوسطي، وتعزيز الحوار الحضاري، ودعم العلاقات العلمية والدينية بين مصر وماليزيا.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: مفتي الجمهورية الدكتور نظير عياد التراث الإسلامي الإفتاء التراث الإسلامی مفتی الجمهوریة مقاصد الشریعة موضح ا أن
إقرأ أيضاً:
فتاوى وأحكام| هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها.. هل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟..إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟..هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟
فتاوى وأحكامهل من ترك رمي الجمرات في الحج عليه فدية؟
إيه السبب إن ربنا مش بيستجيب دعائي؟
هل دعاء العائد من الحج مستجاب 40 يومًا؟
هل ارتكاب المعاصي تسقط ثواب الطاعات؟
نشر موقع صدى البلد خلال الساعات الماضية عددا من الفتاوى والأحكام التى تشغل أذهان كثيرا من المسلمين نستعرض أبرزها فى التقرير التالى.
فى البداية، تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا عبر موقعها الرسمي مضمونة:"ما الحكم لو نسي الحاج رمي الجمار في بعض أيام الرمي أو لم يتمكن منه؟ هل يجوز له أن يتداركه في يوم آخر؟".
وأجاب الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، موضحًا:" أن وقت رمي الجمار للحاج يبدأ من يوم النحر وينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، بحيث يرمي الحاج في يوم النحر جمرة العقبة بسبع حصيات، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث -الصغرى والوسطى والكبرى- كل واحدة بسبع حصيات، فإن لم يرم حتى خرج وقت الرمي وجبت عليه فدية.
وتابع المفتي: أمَّا إن فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار فإنه يجوز أن يتداركه فيما بقي من أيام التشريق، مع وجوب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك بأن يبدأ بما فاته أولًا، ويقع ما تداركه أداءً لا قضاءً.
وتابع: تركُ الرمي بالكُلِّية بدون عذر حتى يخرج وقته يُوجِب على صاحبه فدية، ويخرج وقت الرمي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق، قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (17/ 255، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية): [أجمع العلماء على أن من فاته رمي ما أُمر برميه من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها وذلك اليوم الرابع من يوم النحر وهو الثالث من أيام التشريق، فقد فاته وقت الرمي ولا سبيل له إلى الرمي أبدًا، ولكن يجبره بالدم أو بالطعام على حسب ما للعلماء في ذلك من الأقاويل] اهـ.
وأجاب الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد من سيدة، بشأن قيام والدها بالتوكيل لرمي الجمرات عنه وعن والدتها، لكنه نسي الرمي لهما، وما الحكم في هذه الحالة.
ما حكم نسيان رمي الجمرات؟وأوضح أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، خلال تصريحات تلفزيونية، اليوم الثلاثاء، أن نسيان رمي الجمرات لا يترتب عليه إثم، لأنه وقع عن غير عمد، ولكن يلزم فيه فدية.
وأشار أمين الفتوى بدار الإفتاء إلى أن الحكم في هذه الحالة هو ذبح شاة عن كل من لم يتم الرمي عنه، سواء كان عن نفسه أو عن زوجته، لافتًا إلى أن الفدية واجبة في حال ترك هذا النسك.
وأضاف أمين الفتوى بدار الإفتاء أنه في حال عدم القدرة على الذبح أو توكيل من يقوم به، يجوز الصيام بدلًا من ذلك، حيث يصوم كل واحد عشرة أيام.
وأكد أمين الفتوى بدار الإفتاء أن هذه الأحكام تأتي في إطار التيسير، مع الحفاظ على أداء المناسك بشكل صحيح، مشددًا على أهمية الحرص والانتباه أثناء أداء مناسك الحج.
قال الشيخ محمد متولي الشعراوي، إمام الدعاة، رحمة الله عليه، إن الله تعالى لا يرد دعاء المضطر فكثير من الناس يظنون أن دعاءهم غير مستجاب، والسبب فى ذلك أنهم يدعون وأنهم ليس في حالة اضطرار.
لماذا لا يستجاب الله دعائي؟ وتابع قائلا: "أتحدى أن يكون إنسان قد وصل إلى حال الاضطرار وفقد كل الأسباب ثم دعا الله ولم يستجب له، مستشهدا بقوله تعالى {إِذَا دَعَانِ}.
وأشار إلى أن الاستجابة للدعاء لها شرط ودليلها في ذلك الآية: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي}، أي أن على العبد أن يستجيب لله أولا حتى يستجاب له.
وأشار الى انه لا يليق بالعبد أن يتعامل مع الله وكأنه موظف عنده ينفذ المطلوب في الحال، بل قد يؤخر الله الاستجابة لحكمة، فإذا تأخر الدعاء فليعلم العبد أن الخير في هذا التأخير حتى لو ظن أن المطلوب خير عاجلا.
لماذا لا يستجاب الله دعائي رغم اني اقيم الليل واصلي الفجر حاضر كل يوم ؟
إن الله تعالى لا يقضي على المؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وأنه لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة، وأنه ما من عبد يدعو الله في الأرض بدعوة إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يصرف عنه من الشر مثلها، أو يدخرها له أحوج ما يكون إليها.
فعلى الإنسان منّا أن يحسن الظن بالله عز وجل الذي خلقه ورزقه وهو جنين في بطن أمه، ويثق أنه تكفل برزقه حتى تموت، فإن روح القدس نفث في روع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.
وعلى كل إنسان دعا الله كثيراً أطمئن فدعواتك لم تذهب سدى، وأن الله يؤخر الإجابة لحكمة، ولمصلحة العبد أحياناً، فإن من عباد الله من لا يصلحه إلا الفقر، فلو أغناه لطغى. ولعل الله عوضه بصحة في بدنه، أو دفع بلاء لم تعلمه، وأراد أن يستنبط من قلبه عبوديته من دعاء وخوف ورجاء، فاصبر، وقل خيراً، وظن بالله خيراً، فإنه عند ظن عبده به. وإياك أن تسأم من الدعاء، فإنه لب التوحيد، ولو لم يكن لك من هذه المعاناة إلا تحصيل فضل الدعاء لكفى، فإنه ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، وعليك بتقوى الله، فإنها أوسع أبواب الرزق، (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً).
هل دعاء العائدين من الحج مستجاب؟ سؤال أجابته دار الإفتاء المصرية، حيث أكدت أن زيارة العائدين من أداء فريضة الحج والتماس الدعاء منهم والتبرك به أمرٌ مستحبٌّ شرعًا؛ على ألَّا ينشغل القادم من الحج باستقبال الزائرين والضيوف عن القيام بمهامه وتكليفاته المنوطة به؛ وخاصة أداء الصلاة جماعة في المسجد -كما ورد في السؤال-، بل عليه أن يحافظ على أداء الصلاة جماعة في المسجد، ويحصل فضل الجماعة له بصلاته في بيته مع مَن حَضَر معه.
هل دعاء العائدين من الحج مستجاب؟وقالت الإفتاء إن الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه على كلِّ مسلمٍ مُكَلَّف قادر مستطيعٍ في العمر مرةً واحدةً، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
وأخرج الإمام البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
وقد بينت نصوص الشرع الشريف أجرَ الحج المبرور وثوابه، منها: ما أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ».
حكم استقبال العائدين من الحج وطلب الدعاء منهم، وأوضحت الشخص الذي أكرمه الله تعالى بأداء فريضة الحج، ثم عاد إلى وطنه سالمًا، فإنه يُرجى له أن يكون مُجابَ الدعاء؛ وذلك لما حصله من الأجر العظيم والثواب الجزيل بمغفرة ذنوبه، ورجوعه من الحج كيوم ولدته أمه، لذا فإن عادة بعض الناس في استقبال العائدين من الحج؛ ليسألوهم الدعاء وليتبركوا بقدومهم من بيت الله الحرام -أمر مشروع، ولا حرج فيه؛ فقد بوَّب الإمام البخاري في "صحيحه" بابًا أسماه: "بَابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ"، وأورد فيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مَكَّةَ، اسْتَقْبَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ».
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 619): [وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج، ليس بينهما تخالف؛ لاتفاقهما من حيث المعنى، والله أعلم] اهـ.
وقال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (10/ 133، ط. دار إحياء التراث العربي): [وقال صاحب "التوضيح": وفيه: تلقي القادمين من الحج إكرامًا لهم وتعظيمًا؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر تلقيهم، بل سُرَّ به لحمله منهم بين يديه وخلفه.. نعم، يُمكن أَن يُؤْخَذ مِنْهُ تلقي القادمين من الْحَج، وَكَذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ مَن قَدِم مِن جِهَادٍ أَو سفرٍ، لِأَن فِي ذَلِك تأنيسًا لَهُم وتطييبًا لقُلُوبِهِمْ] اهـ.
ومما يؤكد جواز تلك العادة المستحبة -استقبال القادمين من الحج- ما أخرجه الإمام الحاكم في "المستدرك على الصحيحين"، عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ فِي حَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَلَقِيَنَا غِلْمَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ أَهَالِيَهُمْ إِذَا قَدِمُوا».
وقد أخرج الإمام البيهقي في "شعب الإيمان"، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُقِيمُونَ مَا لِلْحُجَّاجِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، لَأَتَوْهُمْ حِينَ يَقْدَمُونَ حَتَّى يُقَبِّلُوا رَوَاحِلَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ وَفْدُ اللهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ».
وهو ما جرت عليه عادة بعض البلاد؛ كما قال الإمام بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري" (10/ 133) في تلقي القادمين من الحج: [وتلك العادة إلى الآن يتلقى المجاورون وأهل مكة القادمين من الركبان] اهـ.
قال الشيخ محمَّد الخَضِر الجكني الشنقيطي في "كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري" (14/ 49، ط. مؤسسة الرسالة): [«لِأَنَّهُمْ وَفْدُ اللهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ»، وما للمنقطع حيلة سوى التعلق بأذيال الواصلين] اهـ.
تلقى الشيخ محمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، سؤالاً عبر الصفحة الرسمية للدار على منصة يوتيوب، يستفسر فيه السائل عن مدى تسبب ارتكاب معصية معينة في إبطال وإحباط أثر باقي العبادات والطاعات التي يقوم بها المسلم.
وأوضح الشيخ محمد وسام في إجابته أن مسألة الثواب والقبول هي أمر بيد الله سبحانه وتعالى وحده، مؤكداً في الوقت ذاته أن العبد المطيع لله يكون عمله دائماً أقرب إلى القبول مقارنة بالمسلم العاصي.
وأشار إلى أن العبد إذا خلط في حياته بين فعل المعاصي وأداء الطاعات، وأتى بمزيج من الحسنات والسيئات، فإن أعماله كافة توزن بميزان العدل يوم القيامة؛ فمن رجحت كفة حسناته على سيئاته فهو من السعداء الناجين، ومن رجحت كفة سيئاته فهو تحت مشيئة الله تعالى وعفوه، إن شاء عذبه بقدر ذنبه وإن شاء غفر له وتجاوز عنه.
وشدد على أهمية الوعي بأن الحسنات يذهبن السيئات، وفي المقابل فإن بعض السيئات الكبيرة لها أثر سلبي في إحباط الطاعات وإذهاب أجرها وثوابها.
وتابع أمين الفتوى أن من أدى فريضة الصلاة على وجهها الصحيح، أو صام كما أُمِر، أو تصدق بصدقة وفق الوجه المشروع، قُبلت منه عبادته وصحت، وكانت مسقطة للفرض والواجب عليه فلا يُطالب بقضائها أو إعادتها مرة أخرى، لكنه إذا جاء يوم القيامة بسيئات عظيمة توازن تلك الطاعات، فقد تذهب هذه السيئات بثواب وأجر طاعته في الميزان.
هل خلع الحجاب بعد أداء العمرة يبطل ثوابها ؟في ذات السياق، أجاب الشيخ عبد الله العجمي، أمين الفتوى بدار الإفتاء، على سؤال آخر ورد عبر قناة الدار الرسمية، من سائلة استفسرت عن موقف عمرتها قائلة: "أديت مناسك العمرة وبعدما انتهيت منها خلعت الحجاب فهل بذلك سقطت العمرة؟".
وأكد الشيخ عبد الله العجمي في رده أن حكم ترك الحجاب معلوم للجميع ولا يحتاج إلى تفصيل، مشدداً على أن العبادة الصحيحة المستوفية للأركان لا تسقط ولا تبطل بارتكاب معصية بعدها، وتساءل مستنكراً: “لو صلى رجل فريضة العشاء ثم شرب سجائر بعدها فهل تسقط صلاة العشاء من عليه؟”.
وأضاف: "لو كانت الذنوب والمعاصي تبطل أجر العبادات السابقة بالكلية ما كان بقي للمسلمين أي عمل صالح".
واختتم فتواه مؤكداً للسائلة أن لها أجر وثواب العمرة كاملة طالما أُديت صحيحة، وعليها في المقابل إثم وذنب ترك فريضة الحجاب.