صراحة نيوز- هبة الجوارنة

جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الدموي.
الاحتلال يعيد جثامين الشهداء الفلسطينيين بعد أشهرٍ من احتجازهم، وغزة تفتح ملفًّا جديدًا لجرائم الحرب الإسرائيلية أمام العالم، في جريمةٍ تفوق كل مقاييس الإجرام؛ شهداء مشوّهون وأجساد محشّوة بالقطن!

في مشهدٍ يفطر القلوب ويهزّ الضمائر، أعاد جيش الاحتلال الإسرائيلي 165 شهيدًا فلسطينيًا إلى قطاع غزة في ظلّ صفقة وقف إطلاق النار الحالية، لكن الفاجعة لم تتوقف عند إستلام الجثامين، بل بدأت عند التعرف عليهم.

تفاجأ الطاقم الطبي في مستشفيات القطاع عند استلام الجثامين بأن أجساد الشهداء لم تكن كما غادرت الأرض التي ارتقوا فيها؛ فمعظمهم تعرّض للحرق والتعصيب والإعدام رميًا بالرصاص، فيما وُجدت بعض الجثامين محشّوة بالقطن بعد أن فُقدت منها أعضاءٌ حيوية. تقارير وشهادات أولية تحدّثت عن سرقة أعضاء داخلية من بعض الجثامين، في جريمةٍ تمسّ حرمة الموتى وتكشف وجه الاحتلال الذي لا يعرف حدودًا للانتهاك.

أطباء فلسطينيون أكدوا أنّ بعض الجثامين كانت تحمل آثار خياطةٍ جراحية واضحة في مناطق الصدر والبطن، ما يشير إلى تدخلٍ بشري بعد الاستشهاد، الأمر الذي يثير تساؤلاتٍ أخلاقية وإنسانية حول استغلال الاحتلال لأجساد الشهداء لأغراضٍ طبية أو تجريبية في السوق السوداء!

في مشهدٍ مهيب، تجمّعت عائلات الشهداء لاستقبال أبنائهم الذين عادوا في أكفانٍ بيضاء بلا ملامح. أمّهاتٌ بكين بصمتٍ حين رأين أن أبناءهن لم يعودوا كما كانوا، وأن أجسادهم الطاهرة عُبثت بها بعد الموت. تقول والدة أحد الشهداء بصوتٍ متهدّج؛ “أعادوا لي ابني جسدًا بلا قلب… سرقوه حيًا وقتلوه مرتين.”

هذا المشهد ترك أثرًا عميقًا في ذاكرة الشعب الفلسطيني، الذي يرى في هذه الجريمة حلقةً جديدة من حلقات التنكيل بالفلسطينيين حتى بعد استشهادهم.

أصدرت وزارة الصحة في غزة بيانًا أدانت فيه الجريمة بأشد العبارات، مؤكدةً أن ما جرى “انتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية والإنسانية”، وداعيةً المنظمات الحقوقية الدولية إلى إرسال لجان تحقيقٍ مستقلة لكشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين.

ومن جهتها، طالبت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بفتح تحقيقٍ دولي فوري، مشيرةً إلى أن إسرائيل تمتلك سجلًا أسود في احتجاز الجثامين وسرقة الأعضاء منذ عقود.

أما على المستوى الدولي، فقد أعربت منظمات حقوقية أوروبية عن صدمتها من التقارير الواردة من غزة، معتبرةً أن “العبث بأجساد الموتى يمثل جريمة حرب”، بينما اكتفى المتحدث باسم الأمم المتحدة بدعوة “جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني”، وهو تعبيرٌ يُعدّ بحدّ ذاته تواطؤًا بالصمت تجاه كل ما هو فلسطيني.

من الناحية السياسية، يفتح هذا الملف الباب أمام مساءلةٍ دولية حقيقية حول سياسة احتجاز الجثامين التي ينتهجها الاحتلال منذ سنوات، إذ ما زال يحتجز مئات الجثامين في ما يُسمّى بـ“مقابر الأرقام” أو في ثلاجاتٍ سرّية. ويرى مراقبون أن إعادة الجثامين بهذه الحالة الوحشية تضع العالم أمام اختبارٍ أخلاقي جديد؛ فهل ستبقى جرائم الحرب الإسرائيلية تلوّح في الأفق والصمت سيد الموقف؟ أم آن الأوان لمحاسبة الاحتلال على انتهاكاته الممنهجة لحرمة الأحياء والأموات معًا؟

ما حدث لا يقتصر على سرقة أعضاء، بل هو اغتيالٌ للكرامة الإنسانية. فالاحتلال لم يكتف بإزهاق الأرواح وإلقاء أطنان المتفجرات على مساحةٍ صغيرة، بل امتدّت يده لتعبث بما تبقّى من أجساد الفلسطينيين، في مشهدٍ يذكّر بجرائم النازية وتجاربها على الأسرى، في مفارقةٍ مؤلمة؛ إذ تدّعي إسرائيل أنها ضحية النازية، لكنها اليوم تمارس نازية العصر بحق الفلسطينيين.

هذه الجريمة يجب أن تُوثَّق وتُرفع أمام المحاكم الدولية، لتبقى شاهدًا على أن الاحتلال تجاوز كل القوانين والأعراف الدولية والإقليمية.

فالجريمة ليست طبية فحسب، بل جريمةٌ منهجية يستعملها الاحتلال للقضاء على الوجود الفلسطيني وإخماد المقاومة بكل أشكالها. ولا يزال الاحتلال يواصل أفعاله الإجرامية التي بدأت بسرقة الأرض ولم تكتفي بقدر ذلك وتوجهت لسرقة الأعضاء، في ظلّ غياب القوانين الرادعة.

إنّ حماية حرمة الموتى ليست رفاهيةً أخلاقية، بل التزامٌ قانوني وإنساني راسخ في المواثيق العالمية لحقوق الإنسان. وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك فورًا لتوثيق الجريمة وفتح تحقيقٍ شفاف ومحاسبة كل المتورطين، لتكون هذه الحادثة الأخيرة التي يُسمح فيها للدولة المحتلة بتجاوز الخطوط الحمراء دون عقابٍ رادعٍ وردٍّ لحق الشعب الفلسطيني.

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن منوعات منوعات منوعات منوعات منوعات منوعات منوعات منوعات منوعات منوعات

إقرأ أيضاً:

تحولات الشهرة في العصر الرقمي

 

د. هبة العطار

مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.

في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.

منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!

لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.

لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.

وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.

ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.

غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.

هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.

وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.

ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.

إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.

رابط مختصر

مقالات مشابهة

  • أجساد الطفولة تكتوي بنيران الصيف في عدن
  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • الاحتلال يصدر أمرا بالاستيلاء على عشرات الدونمات شرق طوباس
  • الاحتلال يعلن إصابة 4 جنود في انفجار مسيرة أطلقها حزب الله
  • مصر تقود الموقف الإفريقي في فيينا.. مطالب بحماية دعم مكافحة الجريمة المنظمة
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • أبو عبيدة: الاغتيالات لن تكسر المقاومة وفاتورة الحساب مع الاحتلال مفتوحة
  • أبو عبيدة: مسلسل القتل اليومي لأهلنا بغزة يضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة
  • حماس: مستعدون لتسليم إدارة غزة ومجلس السلام عاجز أمام الاحتلال
  • كشف لغز مقتل سائق تاكسي بالفيوم بعد 4 أيام من الجريمة