تعز تحت حكم الفوضى .. حياة المدنيين بين نار الانفلات الأمني وجرائم ميليشيا الإصلاح
تاريخ النشر: 26th, October 2025 GMT
تعيش مدينة تعز اليمنية واحدة من أحلك مراحلها في ظل سيطرة ميليشيا حزب الإصلاح، الذراع العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وسط تدهور أمني ومعيشي متسارع حوّل المدينة إلى مساحة من الخوف والفوضى، أهالي المدينة الذين أنهكتهم الحرب والحصار يجدون أنفسهم اليوم ضحايا لسلطةٍ أمر واقع، تفرض نفسها بقوة السلاح، فيما تتقاسم فصائل التحالف النفوذ وتنهب الموارد، وتترك المواطن يواجه الموت في وضح النهار والجوع في الليل.
يمانيون / تقرير / خاص
تشهد أحياء تعز سلسلة من حوادث الاغتيال والسطو المسلح والاختطاف، وسط انتهاكات السلطات الأمنية التابعة للإصلاح، ويؤكد سكان محليون أن عناصر ميليشيا الحزب تفرض سيطرتها على المناطق السكنية، وتمارس انتهاكات جسيمة بحق المواطنين، مستغلة سلطتها المطلقة ، وغياب الرقابة وضعف المؤسسات القضائية والأمنية، ففي الوقت الذي يفترض أن توفّر فيه الأجهزة الأمنية الحماية للمواطنين، تحوّلت إلى أدوات للترهيب والابتزاز، تخضع لتوجيهات الحزب، وأوامر قياداته الميدانية التي لا تعترف بالنظام أو القانون.
كما تتكرر الاعتقالات التعسفية ضد معارضين أو منتقدين لسياسات الحزب، يُختطفون من منازلهم أو الشوارع العامة دون مذكرات قضائية، ويُخفون قسراً في سجون سرّية تابعة للميليشيا.
ولا يقتصر الانفلات الأمني على الاغتيالات، بل يمتد إلى صراعات داخلية بين الفصائل المسلحة نفسها، تتسبب باشتباكات دامية وسط الأحياء السكنية، تُخلّف ضحايا من المدنيين وتدمّر الممتلكات العامة والخاصة.
إلى جانب ذلك، تنتشر نقاط التفتيش التي تحوّلت إلى مراكز للابتزاز وجباية غير قانونية، حيث تُفرض إتاوات على المركبات والبضائع، وتُصادر ممتلكات التجار تحت ذرائع واهية.
ورغم كل هذه الجرائم والانتهاكات، تمرّ الحوادث دون تحقيق أو محاسبة، ما عزّز ثقافة الإفلات من العقاب، وجعل المدينة تعيش في ظل قانون الغاب.
جريمة جديدة تهز المدينة
في خضم هذا المشهد الدموي، جاءت جريمة مقتل نجل القاضي عبدالحكيم النجاشي لتكشف حجم الفوضى التي تضرب تعز.
فقد اقتحم مسلحون منزل القاضي، وأطلقوا النار على نجله بوحشية داخل منزله، في مشهدٍ صادم أثار موجة غضب عارمة في أوساط السكان.
الشهود أكدوا أن المسلحين ينتمون إلى تشكيلات مسلحة تابعة لحزب الإصلاح، وأن العملية نُفذت بكل عتجهية وإجرام أمام مرأى ومسمع من الناس، دون الاستجابة لوازع من ضمير.
ولم تُصدر السلطات المحلية أو الأمنية أي بيان رسمي يوضح تفاصيل الجريمة أو نتائج تحقيقاتها، وهو ما عزّز الشكوك حول ضلوع شخصيات نافذة في التغطية على الجناة.
استهداف منزل قاضٍ لم يكن مجرد جريمة قتل، بل رسالة ترهيب تطال كل صوتٍ يطالب بالعدالة أو يعارض سلطة ميليشيا الحزب
وقد حذر ناشطون من أن إفلات القتلة من العقاب سيزيد من جرأة المليشيا المسلحة التابعة للإصلاح على ارتكاب مزيد من الجرائم، في ظل غياب أي مظاهر للدولة.
غضب شعبي وصمت رسمي
أشعلت الجريمة موجة غضب شعبي واسعة في أوساط المدينة، إذ خرجت دعوات للتظاهر والمطالبة بمحاسبة الجناة وإنهاء حالة الفوضى الأمنية.
في المقابل، التزمت السلطات المحلية التابعة لتحالف العدوان صمتاً مطبقاً، ما فُسّر بأنه تواطؤ مقصود أو عجز كامل عن اتخاذ موقف.
عبّر ناشطون وصحفيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن استيائهم من هذه الجرائم المتكررة، وصمت السلطة المحسوبة على تحالف العدوان ، معتبرين أن السكوت أمام الدماء المسفوكة هو جريمة بحد ذاته.
وكتب أحد الحقوقيين قائلاً: حين يُقتل ابن قاضٍ في منزله ويصمت الجميع، فاعلم أن العدالة ماتت قبل الضحية.
التعتيم الإعلامي الذي مارسته وسائل الإعلام الموالية للإصلاح زاد من الاحتقان الشعبي، حيث تجاهلت الجريمة أو اكتفت بتوصيفها بأنها حادث غامض، في حين تناقلت منصات محلية مستقلة شهادات العائلة والمواطنين التي كشفت تفاصيل صادمة عن اقتحام المنزل وتنفيذ الجريمة بوحشية.
أوضاع معيشية متدهورة
إلى جانب الانفلات الأمني، يعاني المواطنون في تعز من تدهور حاد في الأوضاع المعيشية.
فالخدمات الأساسية تكاد تكون معدومة، وانقطعت الكهرباء والمياه عن معظم الأحياء، فيما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني نتيجة الفساد المالي والجبايات غير القانونية التي تفرضها الميليشيا على التجار والمواطنين.
ويقول أحد سكان المدينة إن تعز تحولت إلى سجن كبير، تحكمه الميليشيا بقوة السلاح، وسط فقر وجوع وخوف دائم،
تعز، المدينة التي كانت تُلقّب لعقود بعاصمة الثقافة، وشريان اليمن الثقافي، باتت اليوم تواجه اختناقات متعددة الأبعاد، أمنيّة، اقتصادية، اجتماعية، وخدمية ،تجعل من الحياة اليومية فيها معاناة مستمرة لملايين السكان، وتتكرر شكاوى الأهالي من انقطاع مياه الشرب أو ضعف ضغطها، ما يدفع الأسر لشراء المياه بأسعار مرتفعة أو الانتظار لساعات طويلة عند نقاط التوزيع، وغياب الصيانة لشبكات المياه وزيادة الحاجة بسبب النزوح الداخلي يزيدان من الضغط على المصادر المتاحة، وكذلك الانقطاعات المتكررة للكهرباء تجعل المنازل والأعمال التجارية تعمل جزئياً أو تعتمد على مولدات باهظة التكلفة، وهو ما يزيد أعباء الأسر ويعطل المؤسسات الصحية والتعليمية، والمستشفيات والمراكز الصحية تعمل بقدرات محدودة، ونقص الأدوية والكوادر الطبية يُفاقم معاناة المرضى، حالات إسعاف أثناء اشتباكات بينية للمليشيات هناك ، أو اغتيالات تصل متأخرة أو تفتقد للتجهيزات اللازمة، ما يرفع من معدلات الوفيات الناتجة عن إصابات كان من الممكن إنقاذ أصحابها.
ومع تفاقم الانفلات الأمني وفرض جبايات غير قانونية على الطرق والأسواق، ارتفعت كلفة النقل والتجارة، مما انعكس فورياً على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، وإغلاق المحال وساعات العمل المحدودة وتراجع السياحة والنشاط التجاري أدت إلى فقدان عدد كبير من العمال لمصدر رزقهم، وزيادة نسبة الفقر والهشاشة.
حالة الخوف الدائم تُترك آثارها النفسية على الأطفال والنساء والرجال، اضطرابات النوم، تراجع الاندماج الاجتماعي، وانتشار شعور باليأس، وارتفاع معدلات العنف الأسري والجريمة الصغيرة نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية.
تعز .. مدينة تختنق
بين الانفلات الأمني والجوع والفوضى، تقف تعز اليوم على حافة الانهيار التام.
ويرى مراقبون أن استمرار سيطرة حزب الإصلاح على المدينة يُعد سبباً رئيسياً في تعقيد المشهد الأمني والإنساني، مؤكدين أن إنقاذ تعز يبدأ بإنهاء هيمنة ميليشيا حزب الإصلاح، وعودة مؤسسات الدولة التي تضمن الأمن والعدالة والمساءلة، وما لم تُتخذ خطوات عاجلة لإعادة الأمن والخدمات إلى المدينة، ووقف عبث ميليشيا الإصلاح بالسلاح والسلطة، فإن تعز ماضية نحو انهيارٍ شامل ستكون كلفته باهظة، ليس على أبنائها وحدهم، بل على اليمن بأسره.
المصدر
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الانفلات الأمنی
إقرأ أيضاً:
«الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة لليوم (10 صفر 1448هـ / 24 يوليو 2026م) بعنوان «الماء حياة ونماء».
وتهدف الخطبة إلى تعزيز الوعي الشعبي بأهمية صون المياه والممتلكات العامة كواجب شرعي ووطني، على أن تتركز الخطبة الثانية على محور «الموارد ليست ملكاً خاصاً».
وأكدت الوزارة على جميع الأئمة التقيّد بمضمون الخطبة والمدّة الزمنية المحددة لها.
نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الماءُ حياةٌ ونماءالحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.
٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».
٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ، فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».
٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾.