بين الأسطورة والتاريخ.. قراءة في حديث يوسف زيدان عن أبرهة والفاطميين
تاريخ النشر: 26th, October 2025 GMT
في مساءٍ تلفزيوني أثار الجدل، خرج الدكتور يوسف زيدان على شاشة قناة الشمس، متحدثًا إلى الإعلامي عمرو حافظ، ليعيد تفكيك واحدة من أقدم الحكايات في الوجدان الإسلامي: قصة أبرهة الحبشي وأصحاب الفيل، ثم لينتقل إلى فصلٍ أكثر قتامة في التاريخ، عن نهاية الفاطميين في عهد صلاح الدين الأيوبي.
حديثه بدا كأنه محاولة لخلخلة الموروث وردّ الأسطورة إلى منابعها القديمة، لكنه فتح في المقابل أسئلة حول حدود النقد التاريخي، وما يسمى بـ«جغرافية الأديان» بين النصّ المقدس والخيال الشعبي.
بين أبرهة وأصحاب الفيل: التاريخ في مرآة النص
قال زيدان إن حكاية أبرهة الحبشي، التي نشأ عليها المسلمون في مدارسهم ومجالسهم، ليست دقيقة تاريخيًا، بل تندرج ضمن ما يُعرف بـ«الإسرائيليات»؛ أي القصص التي دخلت إلى بعض الروايات الإسلامية من مصادر يهودية ومسيحية. واستند إلى أن القصة وردت في أسفارٍ أبوكريفية – كتب غير قانونية في التقليد العبري – مثل سفر المكابيين، الذي تناول استخدام الفيلة في الحروب القديمة. وأضاف أن أبرهة لم يكن على صلة مباشرة بأصحاب الفيل، وأن الرواية الشعبية التي صورته قادمًا من الحبشة أو اليمن لهدم الكعبة لا تستقيم مع الجغرافيا ولا مع المنطق العسكري.
هنا، تبرز إشكالية التأويل بين النصّ القرآني والرواية التاريخية.
القرآن الكريم أورد القصة في سورة قصيرة مكثفة، خالية من الأسماء والتفاصيل، لكنه أثبت الواقعة في جوهرها الرمزي: عقاب جيشٍ حاول الاعتداء على البيت الحرام. أما أسماء القادة وتفاصيل الرحلة، فقد أُضيفت في روايات لاحقة نقلها الإخباريون، وربما خالطتها الذاكرة الشفهية والأسطورة.
غير أن القول بأن القصة منقولة بالكامل من «الإسرائيليات» حكمٌ متعجّل، لأن التشابه في عناصر السرد لا يعني النقل الحرفي، بل يعكس التقاء الحضارات القديمة في منطقةٍ واحدة، وتناقل الرموز الكبرى بين الشرق الأدنى والحبشة واليمن. فالتاريخ في تلك الأزمنة كان نهرًا واحدًا تتفرع منه القصص، لا سجلاً محكمًا بحدود قومية أو دينية.
وفي هذا السياق، ما يطرحه زيدان يذكّرنا بمبدأٍ أساسي في جغرافية الأديان: أن النصوص تنتقل عبر الأمكنة، وتتحول بفعل البيئة واللغة، لكنها تحتفظ بجوهرها الرمزي. إلا أن خطورة الطرح تكمن حين يتحوّل النقد العلمي إلى تشكيكٍ شامل في الموروث، فيُسحب من الذاكرة الدينية رصيدها الروحي لصالح القراءة المادية وحدها.
الفاطميون وصلاح الدين: بين السياسة والإبادة الرمزية
أما حديث زيدان عن نهاية الدولة الفاطمية، فكان أكثر حدة حين قال إن صلاح الدين الأيوبي تعمّد قطع نسل الفاطميين، فعزل رجالهم في القلعة، وترك نساءهم في القصور دون رعاية حتى انقرض نسلهم خلال سبعين عامًا.
استشهد زيدان بالمؤرخ المقريزي، الذي أشار بالفعل إلى احتجاز بعض رجال البيت الفاطمي، وإلى سياسات صارمة لتفكيك نفوذهم بعد قرونٍ من الحكم الشيعي الإسماعيلي في مصر.
لكن القراءة الموضوعية للتاريخ تُظهر أن تلك الإجراءات – مهما بلغت قسوتها – كانت جزءًا من سياسة الدولة الأيوبية لإعادة توحيد المذهب والسلطة بعد انقسام طويل، وليست بالضرورة خطة إبادةٍ عرقية بالمعنى الحديث. فالمؤرخون المتأخرون، ومنهم المقريزي نفسه، كتبوا بعد قرون من الحدث، في زمنٍ كانت فيه ذاكرة الفاطميين قد تحولت إلى أسطورة مظلومية، تميل العاطفة فيها أكثر من التوثيق.
ومع ذلك، تبقى مأساة الفاطميين – كما وردت في بعض الوثائق – صفحة منسية من تاريخ مصر، تذكّرنا بأن الصراع بين المذهب والدولة كان دومًا صراعًا على الذاكرة والهوية قبل أن يكون على السلطة. ومن بقايا هذا الإرث خرجت جماعات الإسماعيلية التي هاجرت شرقًا، وأسست طوائف مثل البهرة والأغخانيين، الذين حافظوا على شعائرهم وعمارتهم الإسلامية حتى اليوم.
بين التفكيك والتبصير: مسؤولية المثقف في زمن الالتباس
ما يفعله يوسف زيدان في الظاهر هو دعوة إلى تحرير التاريخ من الأسطورة، لكن ما يجب أن يتنبّه إليه المثقف، هو أن تفكيك الأسطورة دون تقديم البديل المعرفي يترك فراغًا في وعي الناس، فيتبدّل اليقين إلى شكٍّ مطلق.
النقد مطلوب، لكن النقد الذي يضيء لا الذي يهدم؛ النقد الذي يقرأ النصّ في سياقه الجغرافي والتاريخي والرمزي، لا الذي يستبدل الإيمان بالريبة.
فإذا كانت «الإسرائيليات» قد تسللت إلى بعض الروايات، فذلك لا ينفي أن الوجدان الإسلامي امتلك قدرة فريدة على توطين القصص الكوني في أرضه العربية، وعلى تحويل الرمز الديني إلى درسٍ في المصير الإنساني.
وإذا كانت سياسات صلاح الدين قد قست على الفاطميين، فإنها أيضًا أسست لدولةٍ مركزية أعادت لمصر وحدتها بعد قرونٍ من التشرذم. فالتاريخ لا يُقرأ بأبيض وأسود، بل بطيفٍ واسع من الدلالات.
في النهاية ..
يبقى حديث زيدان – رغم ما يثيره من جدل – نافذة للتفكير في كيفية صناعة التاريخ، وكيف تتشكل الأسطورة في ذاكرة الشعوب.
لكن من منظور «جغرافية الأديان»، لا يجوز إسقاط السرد الديني في ميزان الوثيقة وحدها، لأن الدين ليس مجرد خبرٍ أو حكاية، بل تجربة وجودية صنعت وعي المكان والإنسان.
وما بين أبرهة الحبشي وصلاح الدين الأيوبي، يمتدّ تاريخ طويل من الصراع بين الرمز والعقل، بين القداسة والسياسة، وبين الأسطورة التي تجمعنا والوثيقة التي تفرّقنا...
كاتب صحفي وباحث في الجيوسياسية وجغرافية الأديان
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الدكتور يوسف زيدان قناة الشمس كاتب صحفي
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..