الجزيرة:
2026-06-03@00:56:14 GMT

على مضض.. هكذا اضطر الديمقراطيون لدعم زهران ممداني

تاريخ النشر: 28th, October 2025 GMT

على مضض.. هكذا اضطر الديمقراطيون لدعم زهران ممداني

واشنطن – غرّد الملياردير الشهير إيلون ماسك، وهو من أغنى الشخصيات في أميركا والعالم، أمس الاثنين على منصة إكس -التي يمتلكها- "زهران يمثل مستقبل الحزب الديمقراطي".

وجاء تصريح ماسك تعقيبا على ظهور كاثي هوشول حاكمة ولاية نيويورك وهي تعلن تأييدها لترشح زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك.

ولا يُعرف تحديدا ما إذا كان ماسك، الذي لديه خلاف كبير مع الرئيس دونالد ترامب بعد شهور من التحالف والدعم المتبادل، يشيد بحملة ممداني وبصعوده الباهر، أم أنه يوجه سخرية للديمقراطيين.

ويُعد زهران ممداني (34 عاما) المرشح الأوفر حظا في سباق رئاسة بلدية مدينة نيويورك، المقرر يوم الثلاثاء المقبل 4 نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

ويتقدم ممداني على منافسه المرشح الديمقراطي وحاكم الولاية السابق إندرو كومو (68 عاما)، الذي يترشح مستقلا بعد خسارته الانتخابات التمهيدية للحزب في يونيو/حزيران الماضي، والمرشح الجمهوري كورتيس سليوا (71 عاما).

وينظر إلى ممداني إلى حد كبير على أنه "تقدمي اشتراكي" من أصول إسلامية، يستعد ليصبح أول عمدة مسلم لنيويورك، أكبر مدينة أميركية بعدد سكان يقترب من 9 ملايين شخص.

هَدّد زهران باعتقال نتنياهو إذا وصل نيويورك..

"سيل بشري" داعم للمرشح لعمدة نيويورك "زهران ممداني"، رغم الحملة الشرسة لإسقاطه. pic.twitter.com/DNkiTEdOFe

— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) October 27, 2025

تأييد وتردد

وبعد فترة تردد وقلق عرفها قادة الحزب الديمقراطي بسبب توجهات ممداني التقدمية والاشتراكية، توالى إعلان قادة الحزب دعمهم للمرشح الشاب بعدما تغلب في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي على كومو، وعلى عمدة المدينة الحالي إيريك آدامز.

وإضافة لكاثي هوشول حاكمة ولاية نيويورك، تلقى ممداني حتى الآن دعم رئيس الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب حكيم جيفريز، ونائبة الرئيس السابقة والمرشحة الرئاسية كامالا هاريس. إلا أن الغموض يحيط بتلقيه دعم الرئيس السابق باراك أوباما.

إعلان

من ناحية أخرى، احتشد قادة التيار التقدمي بالحزب أول أمس الأحد للتعبير عن دعم ممداني. وقال السيناتور بيرني ساندرز إن "ترامب وبقية العالم يراقبون الانتخابات، وإن الانتصار هنا في نيويورك سيعطي الأمل والإلهام للناس في أنحاء بلدنا وفي جميع العالم. هذا ما تدور حوله هذه الانتخابات، ولهذا السبب يهتم دونالد ترامب بهذه الانتخابات".

وقال ممداني أمام جمع غفير قُدر بعشرات الآلاف من الناخبين إنه "بينما يعتقد المليارديرات المتبرعون لدونالد ترامب أن لديهم المال لشراء هذه الانتخابات، نحن لدينا حركة جماهيرية لا يمكن شراؤها".

السيناتور بيرني ساندرز (يمين) من أبرز الداعمين للمرشح زهران ممداني (الفرنسية)مفاجأة ممداني

لم يتعامل قادة الحزب الديمقراطي بجدية مع ترشح الشاب ممداني لانتخابات عمدة المدينة قبل نهاية العام الماضي، واعتبره الكثيرون شابا طموحا يسعى للانتشار وإلى بعض الشهرة من خلال الترشح لحكم أهم وأغنى مدن أميركا والعالم.

وتصوّر قادة الحزب أن وجود نحو مليون ناخب يهودي مسجل بالمدينة أو أن مليارات بورصة "وول ستريت"، كفيلان بوأد مغامرة ممداني الانتخابية. وبالفعل أظهرت استطلاعات الرأي في بداية العام الجاري حصول ممداني على 1% من أصوات الناخبين فقط.

ثم جاءت تصريحاته عن "عولمة الانتفاضة" والوقوف إلى جانب حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، واعتبار ما يجري في قطاع غزة إبادة جماعية، مع تعهده بالقبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حال زيارته للمدينة لارتكابه جرائم حرب بغزة، إضافة إلى برنامجه الاقتصادي الطموح، لتزيد من عبء ما يمثله وينادي به ممداني للحزب الديمقراطي الذي لم يفق بعد من صدمة وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض للمرة الثانية في يناير/كانون الثاني الماضي.

كما دفعت أجندة ممداني المتعلقة بسياسات العدالة الاجتماعية وفرض المزيد من الضرائب على أغنياء المدينة لتمويل برامج اجتماعية طموحة كالسيطرة على قيمة الإيجارات وتوفير محلات بقالة مدعومة، ورعاية مجانية للأطفال في مرحلة ما قبل الدراسة الابتدائية، ومجانية المواصلات العامة، إلى تخوّف الحزب الديمقراطي من مغبة خسارة أموال وتبرعات "وول ستريت".

ولتمويل هذه السياسات، اقترح ممداني رفع معدل ضريبة الشركات في المدينة إلى من 9% إلى 11.5%، وفرض ضريبة إضافية بنسبة 2% على الدخل الذي يزيد عن مليون دولار، الأمر الذي لم يرُق للحزب الديمقراطي.

من هنا تردد قادة الحزب التقليديون في دعم ترشح ممداني حتى بعد انتصاره الكبير في الانتخابات التمهيدية على بطاقة الحزب. واكتفى أوباما بمهاتفة ممداني للحديث معه، دون إعلان دعمه لترشحه، وهو الموقف ذاته الذي تبناه الحزب بدوائره التقليدية المحافظة.

ولم يعارض الكثير من قادة الحزب مبادرة المرشح المهزوم أندرو كومو بدخول الجولة النهائية من الانتخابات كمرشح مستقل بعد هزيمته أمام ممداني في الانتخابات التمهيدية.

كيف انتصر ممداني؟

يرى عدد من المعلقين أن حملة ممداني الناجحة حتى الآن "بٌنيت من لا شيء في غضون أشهر قليلة".

ومع نهاية العام الماضي، حصل ممداني على ما يقرب من 1% فقط من الأصوات، إلا أنه باعتماده على التنظيم الماهر، وإتقان استغلال وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بث فيديوهات قصيرة تمتدح مواقفه وتنتقد مواقف منافسيه، وعدم تجنبه الإشارة لنفسه كـ"اشتراكي تقدمي مسلم"، وعدم التنصل من عضوية منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين "دي إس إيه" (DSA)، فرضت الحملة نفسها وتقدمت السباق بعدما ركزت على القضية المركزية في أذهان الناخبين وهي تكاليف الحياة في مدينة نيويورك.

إعلان

وركّز منافسو ممداني على مكافحة الجريمة كأولوية في أذهان الناخبين بنيويورك، إلا أن ذلك كان صحيحا قبل أعوام، واليوم أصبح ارتفاع تكلفة المعيشة، وليس الجريمة، الدافع الأول وراء التصويت.

وأظهرت نتائج استطلاع أجرته شبكة "فوكس نيوز" الأسبوع الماضي على 1003 ناخبين مسجلين في مدينة نيويورك، أن ممداني يحظى بدعم 52% من المستطلعة آراؤهم، متقدما بفارق كبير على كومو الذي حصل على 28%، في حين جاء الجمهوري سليوا في المركز الثالث بنسبة 14% فقط.

كما أظهرت نتائج استطلاع جديد لجامعة سوفولك، نشر أمس الاثنين وشمل 500 ناخب مسجل وأجري في الفترة من 23 إلى 26 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حصول ممداني على 44% من الأصوات، مقابل 34% لكومو، وحصل المرشح الجمهوري كورتيس سليوا على نسبة 11%.

ممداني وصف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بـ"الإبادة الجماعية" (الفرنسية)بين الإسلاموفوبيا والعداء للسامية

القضية التي لا علاقة لها على الإطلاق بحكومة مدينة نيويورك ولكنها مهمة دائما بين سكانها هي "قضية الشرق الأوسط".

وسيصبح ممداني أول عمدة مسلم في تاريخ المدينة، وهو الذي يتخذ موقفا قويا وصارما ضد إسرائيل، ووصف عدوانها في غزة بأنه "إبادة جماعية". كما أنه يدعم حركة المقاطعة -التي تدعو المستثمرين بما في ذلك الجامعات وصناديق التقاعد، إلى قطع العلاقات المالية مع دولة الاحتلال- وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.

وتعرض ممداني لانتقادات لرفضه إدانة عبارة "عولمة الانتفاضة"، وفي الوقت نفسه ندد مرارا وتكرارا بما تسمى "معاداة السامية"، وأشار إلى "هجوم 7 أكتوبر"/تشرين الأول 2023 على إسرائيل باعتباره "جريمة حرب مروعة"، وكثيرا ما يتحدث عن محادثات مع يهود نيويورك الذين شعروا بالتهديد.

وقال "نحن نشهد أزمة معاداة السامية"، وتعهد "بزيادة التمويل لبرامج مكافحة جرائم الكراهية بنسبة 800% لأن معاداة السامية ليست مجرد شيء يجب أن نتحدث عنه. إنه شيء يتعين علينا معالجته. علينا أن نوضح أنه لا يوجد مكان لذلك في هذه المدينة، في هذا البلد، في هذا العالم".

عن رُعب الصهاينة من احتمال فوز زهران ممداني!

لا تتوقف التقارير والمقالات التي تعالج هذا "الكابوس" الذي "يهدّد" المدينة الأكثر يهودية في العالم (يقطنها مليون ونصف المليون، أي 10% من يهود العالم).

نقل شلومو شامير في "معاريف" عن "حاخام محافظ مخضرم ومعروف في المجتمع" قوله: "لم… pic.twitter.com/jop5nkawSa

— ياسر الزعاترة (@YZaatreh) October 27, 2025

من ناحية أخرى، ذهب بعض الجمهوريين مباشرة إلى "الإسلاموفوبيا" لتشويه صورة ممداني اعتمادا على كونه مسلما. ودعا النائب الجمهوري آندي أوجلز إلى ترحيل ممداني، وهي دعوة رددها ترامب نفسه.

كما سخرت النائبة الجمهورية اليمينية مارجوري تايلور غرين من فوز ممداني من خلال نشر صورة لتمثال الحرية الشهير مغطى بالخمار الإسلامي. في حين وصفت سفيرة أميركا لدى الأمم المتحدة أليس ستيفانيك المرشح ممداني بأنه "مرشح شيوعي وجهادي معاد للسامية".

ولم يزعج تعهد ممداني بالقبض على نتنياهو الناخبين الأميركيين من الشباب. وبعدما هاجم الرئيس ترامب انتصار ممداني في الانتخابات التمهدية، وقوله إن "الديمقراطيين تجاوزوا الخط الأحمر"، ووصف ممداني بأنه "شيوعي بالكامل" و"مجنون"، تراجع ترامب وذكر قبل يومين أنه سيتحدث إلى المرشح الشاب حال فوزه في انتخابات الثلاثاء المقبل، مؤكدا أنه يحب مدينة نيويورك.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات الانتخابات التمهیدیة الحزب الدیمقراطی مدینة نیویورک فی الانتخابات زهران ممدانی ممدانی على قادة الحزب

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • نشأت الديهي يهاجم فريد زهران وحمدين صباحي بسبب زياد العليمي
  • هجوم ناري من نشأت الديهي على «حمدين صباحي» و«فريد زهران» بسبب زياد العليمي | فيديو
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • زلزال سياسي.. اتهامات متبادلة تهدد علاقة ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • نيويورك تايمز: طائرات حزب الله المسيّرة تُربك الجيش الإسرائيلي
  • سباق الكونغرس الأمريكي يبدأ.. تصويت حاسم لمعركة السيطرة على مجلسي «الشيوخ والنواب»
  • خطة سرية لضرب بيروت تنهار.. وغضب في الجيش الإسرائيلي من تصريحات نتنياهو
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • "نيويورك تايمز": مقتل أكثر من 200 شخص منذ بدء الضربات الأمريكية ضد قوارب تهريب المخدرات