صحيفة البلاد:
2026-06-03@03:23:49 GMT

البيروقراطية الإدارية..عائق أمام التطوير!

تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT

البيروقراطية الإدارية..عائق أمام التطوير!

رغم ما وصلت إليه بلادنا من تطور تقني وإداري ورقمي يفترض أن يطوي صفحة الروتين إلى غير رجعة، إلا أن بعض الإدارات الحكومية- مع الأسف- تعاني من ممارسات بيروقراطية تُعيق انسيابية العمل، وتحدّ من فاعلية الأداء المؤسسي من خلال بعض موظفيها التقليديين. حيث نلاحظ صور الرتابة الإدارية والروتين القاتل في بعض المكاتب لعدم استيعاب الهدف الحقيقي من الوظيفة العامة، وعدم إدراك أولئك الموظفين لمسؤولياتهم تجاه ما أوكل إليهم من مهام، والذين يتعاملون مع قضايا المراجعين، وكأنها شأن ثانوي، أو تفضّل شخصي لا واجب وطني مكلفين به.


لا شك أن عدم الاهتمام بطلبات المراجعين- خاصة ما لا يحتمل التأخير- يُعد صورة من صور الإخلال بالمسؤولية؛ مهما كانت التبريرات؛ إذ يُفترض أن يكون الموظف العام شريكاً في خدمة المواطن لا عائقاً أمام إنجاز معاملاته. فالمؤسسات الحكومية ليست ملكاً لأفرادها؛ بل هي أدوات لخدمة المجتمع، وتحقيق المصلحة العامة، حيث إن كل تأخير أو تقصير يُحسب على المؤسسة بأكملها، ويقدم صورة سلبية عنها ويهزّ ثقة الناس بها.
حيث أولت دولتنا الرشيدة أهمية كبرى لتطوير الأداء الإداري عبر التحول الرقمي والحوكمة واستخدام التقنيات وتسريع الإجراءات. ومع ذلك ما زال البعض يتعامل بعقلية تقليدية لا تستوعب أبعاد التطوير ولا مقتضيات المرحلة؛ لتصوّرهم أن العمل مجرد حضور وانصراف ورتابة إدارية، لا التزام وإنتاج وإنجاز ومسؤولية. هذه النظرة الضيقة هي التي تصنع الفجوة بين السياسات الطموحة والنتائج الفعلية على أرض الواقع.
ونعلم أن أخطر ما في البيروقراطية، ليس في الإجراءات وحدها، بل في العقلية التي تبرر التأخير، وتستسهل الإهمال دون الاكتراث بمعالجة الأخطاء، وبذلك تضعف المخرجات وتفرغ الأنظمة من مضمونها؛ ما يخل بالثقة المؤسسية. ولهذا فإن الإصلاح الإداري لا يكتمل بتقنيات رقمية ولا بنظم متقدمة، ما لم يصاحبه وعي وظيفي عالٍ وثقافة أداء قائمة على المبادرة والمسؤولية.
فالكفاءة ليست خيارًا بل مطلبًا، كما أن خدمة المواطن ليست عبئاً بل شرفاً، والإنجاز الحقيقي هو ما يحقق الهدف ويخدم المصلحة العامة،
ونخلص إلى أن المسؤولية ليست منصباً ولا توقيعاً، بل أمانة تتطلب وعياً وحكمة وحسن تصرّف. وعندما يدرك كل موظف هذه الحقيقة تتجاوز الإدارات نمطية البيروقراطية إلى آفاق الفاعلية والتميّز، وهذا ما يتمناه الجميع.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

إقرأ أيضاً:

في التأمينات.. المهلة انتهت والحقوق مؤجلة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

انتهت المهلة الثانية التي طلبها رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي. انتهت الأيام والأسابيع التي قيل إنها كافية لإصلاح الأعطال وتجاوز المشكلات الفنية واستعادة انتظام الخدمات، انتهت المهلة ولم تنته الأزمة، انتهت الوعود ولم تصل الحقوق إلى أصحابها، انتهت التطمينات وبقي المواطن واقفا في الطابور ينتظر ما لا يأتي.

قبل شهور خرجت التصريحات الرسمية تتحدث بثقة عن نظام جديد سيحدث نقلة نوعية في خدمات التأمينات الاجتماعية، قيل إن أربعين خدمة ستعمل فور التشغيل ثم يرتفع العدد إلى خمس وتسعين خدمة خلال ستة أشهر. بدا الأمر وكأنه بداية عصر جديد من الكفاءة والسرعة والرقمنة، لكن ما جرى على الأرض كان شيئا آخر تماما.

في الرابع والعشرين من فبراير 2026 بدأ التشغيل الفعلي للنظام الجديد، في اليوم نفسه تقريبا توقفت مزايا وخدمات كان النظام القديم يؤديها رغم عيوبه، وبعد أربعة أشهر كاملة ما زالت الخدمات الموعودة غائبة أو متعثرة بينما يشكو المواطنون والعاملون من بطء الإجراءات وتعطل المعاملات وغياب الحلول.

الأخطر أن رئيس الهيئة طلب مهلة أولى ثم طلب مهلة ثانية، انتهت الأولى دون نتائج تذكر، وانتهت الثانية دون أن يشعر المواطن بأي انفراجة حقيقية، وكأن المشكلة ليست في برنامج إلكتروني بل في غياب رؤية واضحة للمحاسبة وإدارة الأزمة.

أنا واحد من هؤلاء الذين دفعتهم هذه الأزمة إلى حافة اليأس، رجل على المعاش أفنيت سنوات عمري في العمل وسداد الاشتراكات، كنت أظن أنني حين أصل إلى هذه المرحلة سأجد مؤسسة تحترم ما دفعته طوال عقود، لكنني فوجئت بأنني لا أستطيع الحصول على مليم واحد من حقوقي المستحقة، أقف أمام الشاشات المغلقة والأنظمة المتعثرة والوعود المؤجلة وكأنني أطلب صدقة لا حقا قانونيا كفله الدستور والقانون.

ليست هذه قصة فرد واحد، إنها قصة آلاف المواطنين الذين أصبحوا أسرى لمشكلة تقنية تحولت مع الوقت إلى أزمة اجتماعية حقيقية.

في المكاتب التأمينية تتكرر الشكاوى نفسها، خدمات السائقين والسيارات والمقاولات تواجه صعوبات كبيرة، حالات المعاشات ما زالت عالقة، مواطنون يتنقلون بين النوافذ والأقسام بحثا عن إجابة فلا يجدون إلا عبارة واحدة تتكرر: السيستم لا يعمل.

ولا يقتصر الأمر على التعطيل فقط، هناك خسائر اقتصادية واجتماعية ونفسية تتراكم كل يوم، صاحب المعاش الذي ينتظر مستحقاته لديه أسرة وفواتير وعلاج والتزامات.. المؤمن عليه الذي يحتاج إلى مستند أو خطاب تأميني قد تتعطل مصالحه وأعماله.. المقاول الذي ينتظر إنهاء إجراء معين قد تتعطل مشروعاته.. السائق الذي يحتاج إلى تسوية موقفه التأميني قد يفقد فرصة عمله.

هنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًا: من يحاسب المسؤول عن هذا المشهد؟.

إذا كانت الدولة قد أنفقت أموالًا طائلة على مشروع التطوير فمن حق المواطنين أن يعرفوا ماذا حدث، وإذا كانت هناك أخطاء فنية فمن حق الرأي العام أن يعرف أسبابها، وإذا كانت هناك تقصيرات إدارية فمن الواجب محاسبة المسؤولين عنها.

ولهذا فإن الأمر لم يعد شأنا إداريا داخليا يخص هيئة التأمينات وحدها، ما يحدث الآن يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات الرقابية المختصة لمراجعة المشروع بالكامل، مراجعة العقود والتنفيذ والتشغيل ومراحل الاختبار والتسليم، مراجعة حجم الإنفاق والعائد الفعلي، مراجعة المسؤوليات بدقة حتى يعرف المواطن أين ذهبت الوعود التي سمعها من قادة الهيئة طوال الشهور الماضية.

كما أن القضية تستوجب اهتمام الجهات المعنية بالأمن المجتمعي، فالتأخر في صرف المعاشات أو تعطيل الحقوق التأمينية ليس مجرد عطل تقني عابر، نحن نتحدث عن دخول أسر كاملة تعتمد على هذه الأموال في حياتها اليومية، نتحدث عن كبار سن ومرضى وأرامل ومواطنين لا يملكون مصادر دخل أخرى، وعندما تتعطل حقوق هؤلاء أو تتأخر فإن آثار ذلك تمتد إلى الاستقرار الاجتماعي نفسه.

الدول تقاس بقدرتها على حماية المواطن البسيط وضمان حصوله على حقه في موعده، والمعاش ليس منحة من أحد، إنه مال صاحبه، اقتطع من دخله سنوات طويلة حتى يعود إليه عندما يحتاجه.

المطلوب ليس بيانات جديدة ولا وعودا إضافية ولا مهلا ثالثة ورابعة وخامسة، المطلوب كشف الحقيقة كاملة أمام الناس، المطلوب تقييم فني مستقل ومحايد، المطلوب الاستماع إلى العاملين في الميدان الذين يعرفون تفاصيل الأزمة أكثر من أي مسؤول يجلس في مكتب مكيف، المطلوب جدول زمني معلن للحل، المطلوب ضمان عدم ضياع حقوق المواطنين خلال فترة الإصلاح، والمطلوب قبل كل شيء محاسبة كل من يثبت تقصيره أيا كان موقعه.

لقد نفد صبر الناس. ولم يعد مقبولا أن يظل أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم رهائن لأعطال لا تنتهي، فمن يدفع الثمن اليوم ليس البرنامج الإلكتروني ولا الشركة المنفذة ولا المسؤول صاحب التصريح، لكن من يدفع الثمن هو المواطن الذي يقف في نهاية الطابور حاملا أوراقه وأحلامه وحقوقه الضائعة.

انتهت المهلة الثانية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، أما الحقوق فما زالت معلقة، والسؤال الذي ينتظر الإجابة الآن ليس متى تعمل المنظومة الجديدة، بل من سيحاسب عن الشهور التي ضاعت وعن الحقوق التي تعطلت وعن الثقة التي تآكلت بين المواطن ومؤسسة يفترض أنها وجدت لحمايته لا لتعذيبه.

إنها صرخة غضب قبل أن تكون مقالا، ونداء استغاثة قبل أن تكون شكوى، لأن أصحاب المعاشات لا يملكون رفاهية الانتظار أكثر، ولأن الحقوق المؤجلة تتحول مع الوقت إلى ظلم، ولأن الدولة القوية هي التي تسمع صوت مواطنيها قبل أن يتحول الألم إلى أزمة أكبر من مجرد عطل في نظام إلكتروني.

مقالات مشابهة

  • لملوم: “بطاقة مفوضية اللاجئين” ليست وثيقة هوية ولا تمنح وضعًا قانونيًا في ليبيا
  • في التأمينات.. المهلة انتهت والحقوق مؤجلة
  • اجتماع موسع بالرقابة الإدارية لمواجهة تحديات الهجرة غير الشرعية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
  • الفلاح: القيادة العامة الضامن لأمن المواطن وحماية الوطن
  • بعد إصابة طفلين.. النيابة الإدارية تُحقق في واقعة انهيار جزئي لعقار بمطوبس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • اليوم.. إعادة محاكمة موظفة استعانت بابنتيها لتزوير محررات رسمية في أسيوط