عربي21:
2026-06-03@07:16:50 GMT

الولايات المنقسمة العربية

تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT

رأى المراقبون في سقوط مدينة الفاشر في دارفور بيد «قوات الدعم السريع» تكريساً لتقسيم السودان بين غرب واقع تحت سيطرة القوات المذكورة ووسط وشرق واقعين تحت سيطرة الجيش السوداني، ناهيك من زعامات أخرى محلية. وتنضاف حالة السودان إلى حالات تقسيم أخرى تكرست خلال الأعوام العشرة المنصرمة، بحيث غدا المشهد العربي في وضع كان يجوز أن نقول عنه إنه «يُرثى له» لو لم يتضمن الرثاء، بالمعنى المعهود للتعبير، مديحاً بالمرثي.

فلننتهز هذه المناسبة لتأمل سريع في المسار التاريخي الذي وصل بنا إلى الوضع الراهن.

في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تسارع حصول الدول العربية على استقلالها وهي تنضم تباعاً إلى جامعة الدول العربية، التي تأسست قبل تأسيس منظمة الأمم المتحدة بقليل، في زمن اتسم بما حملته هذه الأخيرة من وعد بتصفية الإرث الاستعماري. غير أن الدول العربية الفتية ما لبثت أن صُدمت بترافق نهاية الانتداب البريطاني في فلسطين مع قيام دولة الاستعمار الاستيطاني الصهيونية في خاصرة المشرق العربي. وجاءت نكبة 1948 والهزيمة العربية التي تكرست باستيلاء دولة إسرائيل على أربعة أخماس مساحة فلسطين بين البحر والنهر، لتحفّز صعود القومية العربية التي غدا جمال عبد الناصر نجمها وبطلها. وقد تجسّد حلم الوحدة العربية الذي عبّر عنه الزعيم المصري في قيام الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958 تحت تسمية الجمهورية العربية المتحدة.

لكنّ الحلم اصطدم بالفشل وسريعاً ما حلّ الانفصال محلّ الوحدة: كان ذلك في عام 1961. أما التجذّر الإقليمي الذي شهدته حقبة الستينيات، فقد سدّدت له الدولة الصهيونية ضربة قاضية في «حرب الأيام الستة». وشهد عام 1970 استكمال ذلك المنعطف بتصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن، بعد أن شكّل صعودها أقوى ردّ إقليمي على هزيمة 1967.

كما شهد العام ذاته إطاحة حافظ الأسد بيسار حزب البعث، وشهد وفاة عبد الناصر نفسه. فانتقلت المنطقة العربية في السبعينيات من العصر القومي إلى العصر النفطي، لا سيما بعد ارتفاع أسعار النفط وبالتالي مداخيله على خلفية «حرب أكتوبر» لعام 1973، التي قادها أنور السادات، مفكك الناصرية، وحافظ الأسد. وقد أصاب الانحطاط ما تبقّى من الحركة القومية العربية، وصولاً إلى المسخ الكاريكاتوري للدعوة القومية العربية الذي جسّده معمّر القذافي. وتحت شعار «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة»، أشرف النظامان البعثيان في بغداد ودمشق على سياسات طائفية أفضت إلى تفكيك كل من المجتمعين العراقي والسوري بدل صهرهما في دولة عربية واحدة.

في هذه الأثناء، فإن الارتداد من «الاشتراكية العربية» إلى النيوليبرالية المدفوعة من واشنطن، وعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى السيطرة العسكرية المباشرة على المنطقة بدءاً من حربها على العراق في عام 1991، أمران ساهما في مراكمة عناصر أزمة إقليمية بنيوية، اقتصادية واجتماعية وسياسية.

وقد انفجرت الأزمة في عام 2011 فيما عُرف باسم «الربيع العربي»: للمرة الأولى في تاريخ المنطقة الحديث، عدا استثناءات نادرة سابقة، جاءت المبادرة من الجماهير واتخذت شكل انتفاضات عارمة. لكن عقوداً من القمع مصحوباً بالإحباط السياسي جعلت الساحات الإقليمية خالية من بدائل قادرة على تجسيد أماني الجماهير في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وعلى قيادة التغيير المطلوب.

أما النتيجة التي وصلنا إليها فهي بالتأكيد أسوأ ما عرفه تاريخ المنطقة الحديث. انتقلنا من الجمهورية العربية المتحدة إلى ما يمكن تسميته الولايات المنقسمة العربية، مع أربع دول عربية يترسخ فيها التقسيم، هي ليبيا واليمن والسودان وسوريا، ودولتين على أبواب التقسيم الطائفي، هما العراق ولبنان (ولا شك في أن التحول الذي شهدته سوريا خلال العام المنصرم من شأنه تحفيز المنحى التقسيمي في البلدين الأخيرين). أما الدولة الصهيونية، فبعد أن شنّت على سكان غزة أول حرب تتصف بكافة معالم الإبادة الجماعية في تاريخ حروبها، وإذ هي تكرّس هيمنتها على كامل الأراضي الفلسطينية وهضبة الجولان السورية، شرعت في قضم تدريجي لمزيد من الأراضي السورية واللبنانية.

وقد بلغت ذروة قوتها الإقليمية بعد أن ألحقت ضربات مؤلمة بمنافستها الإقليمية الرئيسية، إيران. وحيث أدّت هذه الضربات إلى إضعاف نفوذ إيران الإقليمي، الذي كان ولا يزال عاملاً أساسياً في التقسيم الإقليمي الطائفي، أتاح الأمر في المقابل تعزيز نفوذ تركيا، التي ينجم عن تدخلها في سوريا والعراق وليبيا والسودان مفعول تقسيمي هو أيضاً.

هذه الأوضاع الكارثية تزيد من عمق الهوة التي تفصل بين شعوب إقليمية مصابة بالإفقار من جراء التحولات الاقتصادية المحلية والعالمية، كما من جراء الحروب والأزمات في الحالات الخصوصية المذكورة أعلاه وهي الأخطر بالطبع، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى دول بلغت مداخيلها مستويات فائقة للغاية، ليس لسبب سوى لأنها نعمت بموارد عظيمة من المحروقات في أراضيها مقارنةً بعدد سكانها، وهي تجيّر قسماً كبيراً من مداخيلها «الفائضة» لمصلحة الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص.

وتشير الهوة المذكورة إلى ما كان يمكن أن يكون الوضع عليه لو تحقق حلم الوحدة العربية في إطار اتحادي ديمقراطي، وجمعت دولة عربية موحدة بين الموارد والشعوب وقواها العاملة، بما خوّلها أن تقف في صفّ القوى العالمية العظمى. ويكفي هذا الحلم بذاته لتفسير حرص القوى الإمبريالية العالمية، وحرص دولة الاستعمار الصهيوني، وحرص القوى الإقليمية الطامحة إلى السيطرة على المنطقة العربية، حرصها جميعاً على إحباط المشروع الوحدوي العربي والإسهام في زرع الفتنة والتقسيم في المنطقة.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه السودان الدول العربية السودان الدول العربية الفاشل سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة مقالات مقالات صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی عام

إقرأ أيضاً:

رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة

ذكرت وكالة رويترز، منذ قليل، بإن إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة، موضحة أن طهران تقول إنها لم تتواصل مع واشنطن خلال الأيام القليلة الماضية، وفقا للقاهرة الإخبارية.

الخزانة الأمريكية: فرض عقوبات جديدة على كيانات ذات صلة بإيران وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • ما الذي دار خلال الاتصال الهاتفي بين ترامب ونتنياهو بشأن التصعيد ضد لبنان؟
  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • قرقاش: الدول العربية تدفع ثمن الطموح الإيراني الإقليمي المتضخم
  • مرموش يطير إلى الولايات المتحدة للانضمام لمعسكر المنتخب
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • قطر تدين بشدة الهجمات الإيرانية على الكويت وتصفها بانتهاك للسيادة