لجريدة عمان:
2026-06-03@04:02:03 GMT

حواري مع رئيس سوريا الجديد

تاريخ النشر: 29th, October 2025 GMT

في مدينة نيويورك قبل عدة أسابيع، جلست في مقابل أحمد الشرع، وهو الرجل الذي اعتقلته قواتنا في العراق سنة 2006 بسبب أفعاله مع القاعدة، وبات الآن رئيسًا لسوريا. وليست رحلة أحمد الشرع من كونه شابًا متطرفًا في العراق إلى كونه رأس دولة، بالرحلة بعيدة الاحتمال وحسب، ولكنها أيضا رحلة غير مسبوقة.

قبل أن أتحاور مع الشرع على مسرح قمة كونكورديا، قضيت بعض الوقت في استعراض مساره، المسار الذي ذكرني ببعض أحلك فصول حقبة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر وآمال الربيع العربي الأشد هشاشة.

لقد اعتقلت القوات الأمريكية في العراق أحمد الشرع عام 2006 حينما كان يزرع عبوة متفجرة بالقرب من الموصل. وقد كان زعيم خلية تابعة للقاعدة في العراق، والقاعدة هي الجماعة المسؤولة عن بعض أقسى الهجمات في تلك الفترة. قضى الشرع خمس سنوات في منشآت الاعتقال التابعة لنا وكان معتقلا في عامي 2007 و2008 حينما رجعت إلى العراق قائدًا للقوات الإضافية وحينما تمكنت قواتنا من هزيمة القاعدة في العراق.

وفي حين أنني لم أعرفه قط ولم أسمع باسمه في تلك الفترة، فقد كنت أعرف نوعيته: الملتزم أيديولوجيا، الخطر تكتيكيا، والتهديد الخطير لقواتنا. والحق أنني فيما كنت أتهيأ لمحاورته، فكرت في الأسر التي لقي أبناؤها أو بناتها أو أزواجها أو زوجاتها مصرعهم على يده هو ورفاقه الجهاديين، وفي ما قد يدور في أذهانهم حينما يرون القائد الذي ائتمنوه سابقًا على أحبائهم جالسًا قبالة زعيم سابق من زعماء القاعدة في العراق.

لقد كان ما جرى بعد إطلاق سراح الشرع في عام 2011 أمرًا يستعصي على التوقع. إذ رجع إلى سوريا وسرعان ما ظهر فيها قائدًا لجبهة النصرة، وهي الجماعة التابعة للقاعدة والعنصر الذي ظهر ضمن العناصر المناهضة لنظام بشار الأسد الدموي. (وخلافًا لبعض السرديات المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن الشرع واحدًا من «أصولنا» حينما عملت مديرا لوكالة المخابرات الأمريكية في ما بين 2011 و2012، بل وخلافا لتوصياتي في تلك الفترة، لم تقدم حكومة الولايات المتحدة في تلك الفترة غير أقل المساعدة للقوات التي كانت تقاتل عناصر النظام السوري).

بحلول عام 2016 قطع الشرع علاقاته مع القاعدة وأعاد تقديم حركته باسم هيئة تحرير الشام. وأصبحت هذه الهيئة في نهاية المطاف هي العنصر المهيمن في محافظة إدلب بشمال سوريا وقوة عسكرية ذات شأن كبير. بل إن هيئة تحرير الشام، في ظل قيادته، أقامت هياكل حكم أولية ـ من محاكم وأنظمة تجارية ومنشآت تعليمية ـ وإن تكن ذات طبيعة استبدادية وإسلامية.

ثم حانت اللحظة الحاسمة في أواخر عام 2024 التي غيرت مسار سوريا، إذ أطاحت قوات الشرع بنظام بشار الأسد الدموي. وسعت عناصر هيئة تحرير الشام إلى تحرير حلب في الشمال من قوات النظام، فلما سقط النظام بسهولة ما كان لأحد أن يتوقعها، واصلت عناصر الهيئة التقدم جنوبا لتحرير حماة وحمص من سيطرة النظام. ومع انهيار عناصر نظام الأسد أمامهم، بات الطريق إلى دمشق مفتوحًا، فاندفعت قوات الشرع دافعة بشار الأسد وزوجته إلى الفرار إلى روسيا.

بحلول يناير من عام 2025، أدى الشرع القسم رئيسا لسوريا. وبعد سنين من فرض العقوبات على نظام بشار الأسد واعتبار هيئة تحرير الشام منظمة إرهابية، رفعت الولايات المتحدة كثيرا من العقوبات ورفعت مكافأة الملايين العشرة من الدولارات المرصودة لرأس الشرع (برغم أن عقوبات الكونجرس تبقى مفروضة، ويجب رفعها الآن، مع ربط مساعدات مستقبلية أيضا بأفعال على الأرض تقوم بها الحكومة الجديدة). ولقد التقى الرئيس ترامب بالشرع في الرياض في مايو خلال تجمع نسقته قيادة المملكة العربية السعودية، ونشر الرئيس الأمريكي بعد ذلك منشورًا بملاحظة إيجابية على الشرع في موقع تروث سوشيال.

حينما التقيت بالشرع في كواليس قمة كونكورديا، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة أذهلني سلوكه، فهو هادئ الكلام، عميق، متزن. ولديه رؤية مثيرة للإعجاب ومعرفة كبيرة بمكونات اقتصاد سوريا والبنية الأساسية فيها. لم يتكلم بنبرة الثائر، وإنما بنبرة الرجل المثقل بتاريخ هو عازم على إعادة صياغته. فقد قال في حوارنا على المنصة: «إنه ليس بوسعنا أن نحاكم الماضي بناء على قواعد اليوم وليس بوسعنا أن نحاكم اليوم بناء على قواعد الماضي».

وكان لقوله ذلك صدى ـ لا لدى الجمهور وحده، وإنما لديّ أنا الآخر ـ حتى حينما تذكرت أن هذا هو الرجل الذي قاد هجمات القاعدة ضد قواتنا في العراق. أما الجمهور، الذي كان يضم الكثيرين من الأمريكيين السوريين المتحمسين الذين طالما تمنوا الإطاحة ببشار الأسد، فقد سرهم كلامه ذلك واستبشروا به خيرا. وأنا مثلهم. والحق أننا جميعا «معجبون» بما أقر أنه يحاول تحقيقه.

يسعى الشرع الآن إلى توحيد سوريا، البلد الذي يجري فيه كثير من خطوط الصدع الإثنية والطائفية والقبلية في الشرق الأوسط. وهو يحاول إقامة حكم يكون ممثلا لكل كيانات سوريا الكثيرة وضامنا لحقوق الأقليات بالتوازي مع حكم الأغلبية. وهو يسعى إلى إشراك كثير من عناصر سوريا المتعددة تحت سلطة الدولة، وأن يعيد بناء اقتصاد سوريا الذي مزقه الحرب وبنيتها الأساسية التي تخربت. وقد أقام قنوات اتصال غير رسمية مع إسرائيل ودعا إلى إلغاء عقوبات قانون سيزر التي أقرها الكونجرس الأمريكي وفرضها على النظام السابق. وخطابه وطني لا جهادي. وموقفه برجماتي لا أيديولوجي.

فهل هذا تحول حقيقي؟ هذا ما سيجيب عليه الزمن. لقد وقعت بالفعل أفعال ووقائع يجب أن تحملنا على التريث، منها إعدامات للدروز في جنوب سوريا وللعلويين على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وهي إعدامات مرتبطة بقواته.

لكن بوصفي شخصا قضى عمره في دراسة التمرد، ومكافحة التمرد، وحكم ما بعد الصراع، فإنني أعلم أن التعافي في الجغرافية السياسية أمر نادر، وهش. ومن مصلحة الشعب السوري الآن، وكذلك جيران سوريا، والولايات المتحدة، أن ينجح الشرع وتنجح معه سوريا.

لم تكن محاورة الشرع، وهو الذي كان في الجانب الآخر طول سنواتنا الأولى في العراق، محض لحظة تأمل شخصي (لا يخلو من قدر من الغرابة). وإنما كانت أيضا تذكرة بأن التاريخ ليس خطيًا، وأن أبعد الناس احتمالًا يمكن في بعض الأحيان أن يكونوا الأكثر تأثيرا. فلنرجُ أن يكون هذا هو الحال في حالة أحمد الشرع. وسواء ثبت الرجل على ما تحول إليه أم تراجع، فإن الرهانات بالنسبة لسوريا ـ وبالنسبة لنا ـ كبيرة بدرجة هائلة.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هیئة تحریر الشام فی تلک الفترة بشار الأسد أحمد الشرع فی العراق الشرع فی

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • ما حكم البيع بالتقسيط؟.. تعرف على رأي الشرع وشروط جوازه
  • برج الأسد.. حظك اليوم الأربعاء 3 يونيو 2026: تحقيق أهدافك الشخصية
  • رئيس الموساد الجديد: المهمة ضد إيران وأذرعها لم تنتهِ بعد  
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • العراق يرفع صادرات النفط إلى 770 ألف برميل يوميا عبر الأنابيب ويوقع اتفاقا مع سوريا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية
  • اتصال هاتفي بين الشرع وترامب.. ودمشق تطالب برفع العقوبات