في أيام ماضية حدثتني إحدى جاراتنا، وكانت غير مسلمة، عن حفظها لعهد قطعته لأبويها، وكيف كانت تسعى وتجاهد في كل خطوة من خطى الحياة ألا تخون عهدها لهما، أذكر أن إعجابي بشخصيتها ازداد حينها وأنا أفكر في حماس الصبا كيف ينتزع الآخرون المختلفون عنا إعجابنا إذا ما تمثلوا أوامر الإسلام في حياتهم، وهي في حقيقتها بدهيات أخلاقية إنسانية، جاء الإسلام ليتممها ويحث على الالتزام بها فحسب.

في الإسلام يعرف المنافق من نكصه للعهود التي قطعها على نفسه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد أخلف، وإذا خاصم فجر". ومن هنا ازدادت مكانة العهد بعد الإسلام حين ارتبط بالعقيدة، وصار عقدة وثيقة من عقد الإيمان المتينة، فقد قال تعالى في سورة الإسراء/34: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا﴾.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2"في حديقة الشاي" لبدوي خليفة.. رواية تحاكي واقعا تاريخيا مأزوماlist 2 of 2الروائي الفلسطيني صبحي فحماوي يحكى مأساة النكبة ويمزج الأسطورة بالتاريخend of list

فالعهد بين الإنسان وربه لا يطلع عليه سواهما، وقد جاء في القرآن الكريم أمر صريح بالوفاء بالعهود؛ ففي سورة الأنعام/152 يقول تعالى : ﴿وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون﴾. ويقول سبحانه في سورة النحل/91: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون﴾.

ونهى عن نقض العهد بقوله عز وجل: ﴿ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [النحل :95]. كما حذر من عاقبة نقض العهود فقال في سورة البقرة/27: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك هم الخاسرون﴾.

ووصف الذين ينكثون وينقضون عهودهم فقال في سورة الأنفال/55-56: ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون﴾. ووصفهم بالفاسقين في سورة الأعراف/102 فقال عز وجل: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾.

إعلان

وقد مدح الله تعالى في القرآن الكريم من يحفظون عهودهم ويوفون بها فقال في سورة الرعد/20-23: ﴿الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق*والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب* والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولٰئك لهم عقبى الدار *جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ۖ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب﴾.

ووعدهم الله تعالى بالفردوس الأعلى في سورة (المؤمنون) فقال: ﴿والذين هم لآماناتهم وعهدهم راعون *والذين هم علىٰ صلواتهم يحافظون *أولٰئك هم الوارثون* الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ﴾. وفي سورة البقرة /177 يقول سبحانه وتعالى : ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ۗ أولٰئك الذين صدقوا ۖ وأولٰئك هم المتقون ﴾.

وفي ذلك يقول سيد قطب في الظلال: "وعهد الله مطلق يشمل كل عهد، وميثاق الله مطلق يشمل كل ميثاق. والعهد الأكبر الذي تقوم عليه العهود كلها هو عهد الإيمان؛ والميثاق الأكبر الذي تتجمع عليه المواثيق كلها هو ميثاق الوفاء بمقتضيات هذا الإيمان". ثم يكمل فيقول: "ثم تترتب على العهد الإلهي والميثاق الرباني كل العهود والمواثيق مع البشر.

سواء مع الرسول أو مع الناس. ذوي قرابة أو أجانب. أفرادا أم جماعات. فالذي يرعى العهد الأول يرعى سائر العهود، لأن رعايتها فريضة؛ والذي ينهض بتكاليف الميثاق الأول يؤدي كل ما هو مطلوب منه للناس، لأن هذا داخل في تكاليف الميثاق".

كل ما سبق يؤكد حرص الإسلام على الالتزام بالعهود التي تقطع، فالإنسان يعرف بكلمته، والأخلاق كلمة، والموقف كلمة، والرجولة كلمة. ومما يدل على أهمية الوفاء بالعهد أنه جاء في الدعاء المعروف بسيد الاستغفار عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

ونقض العهد يعد في الإسلام من الكبائر وفقا للعلامة ابن حجر الهيتمي، إذ قال: "ومما يدل على تأكد العهود وأن الإخلال بالوفاء بها كبيرة الحديث المتفق عليه : "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".

العهد في شعر صدر الإسلام وما بعده

بقي العهد والوفاء قيمة أخلاقية عليا، تأثر بها الشعراء في ضوء تعاليم الإسلام التي شددت على وجوب الوفاء بالعهود، والإخلاص للوعود بالإيجاب والتنفيذ. كما صار للعهود في الإسلام أبعاد دينية وأخلاقية أشد متانة من ذي قبل.

ففي صدر الإسلام نرى شاعر الرسول حسان بن ثابت يمدح الزبير بن العوام ابن عمة رسول الله (صفية) وحواريه، بثباته على عهد الرسول وعهد الإسلام، مشيرا إلى التزامه بالنهج والوفاء لسنة النبي ﷺ؛ فيقول:

أقام على عهد النبي وهديه

حواريه والقول بالفعل يعدل

وفي سياق الغزل وأحاديث الهوى نستذكر قصيدة الشاعر الحجازي عمر بن أبي ربيعة مع محبوبته هند التي كانت تعد ولا تنجز، وتماطل ولا تفي، بدلال أنثوي جميل:

إعلان

ليت هندا أنجزتنا ما تعد

وشفت أنفسنا مما تجد

كلما قلت متى ميعادنا

ضحكت هند وقالت بعد غد

أما عن العهد بين الأصحاب فيحدثنا الشاعر العباسي أبو فراس الحمداني عن قلة الوفاء بين الأصحاب، وكيف عز الصاحب الحقيقي الوفي في زمنهم، فما لنا بهذا الزمن وقد طغت المنفعة والمصلحة على أدق العلاقات الإنسانية وأرقها وأسماها! يقول الحمداني واصفا حاله وهو يجول بطرفه بين الأصحاب عله يجد كريما أصيلا يمكن الاتكاء عليه بوصفه مثالا للوفاء والصحبة الحقيقية في زمن عز فيه الخليل، فيقول معلنا يأسه:

ومن ذا الذي يبقى على العهد إنهم

و إن كثرت دعواهم لقليل

أقلب طرفي لا أرى غير صاحب

يميل مع النعماء حيث تميل

وصرنا نرى أن المتارك محسن

وأن صديقا لا يضر خليل

أكل خليل هكذا غير منصف

وكل زمان بالكرام بخيل

كيف تجلى مفهوم العهد في العصور الإسلامية المتأخرة؟

في كتاب (أناشيد أبي مازن) تطالعنا قصيدة بعنوان "جدد العهد" للشاعر عبد الحكيم عابدين، صهر الداعية الإسلامي حسن البنا رحمهما الله، يتحدث فيها عن تجديد العهد في الإسلام قاصدا تجديد النية والعزم على التمسك بمبادئ الإسلام والذود عنها بتمثلها في مفاصل الحياة كلها، داعيا كل مسلم إلى تجديد العهد والربط بين القول والعمل وخدمة الإسلام بما يستطيع إليه سبيلا؛ فيقول:

جدد العهد وجنبني الكلام

إنما الإسلام دين العاملين

وانشر الحق ولا تخش الطغاة

فبصدق العزم يعلو كل دين

فتية الإسلام هيا

نتفانى في الجهاد

لنرى القرآن هديا

ساطعا في كل واد

وطني الإسلام لا أفدي سواه

وبنوه أين كانوا إخوتي

سجل الفتيان عهدا صادقا

أنهم للحق والعليا فدا

بارك اللهم هذا الموثقا

 واستعدوا قد دنا يوم الندا

موقف الشعراء من نقض العهود

نكث العهود مثلبة يحاسب عليها العرف المجتمعي والخلق الإنساني منذ العصر الجاهلي، وصار وقعه في الإسلام أقوى لأنه بطبيعة الحال يتوقع من المسلم الحق أن يتمثل بأوامر الله وسنته تمثلا دقيقا، ويبتعد عن كل ما يشوب المروءة ويعكر صفو الخلق القويم.

وقد أبدع الشعراء في صدر الإسلام وما بعده في تصوير قبح نكث العهود إبداعا يجعل المتلقي ينفر من هذا الفعل نفورا عظيما، فنقض العهود يجعل الإنسان يسبح في مستنقع من اللا معنى، إذ يتوقع نقض العهد، وإخلاف الوعد، والغدر في أي وقت ومن أي شخص، فتصبح الثقة أشبه بغيمة بيضاء بديعة المنظر، توهم المرء بقربها وفيئها، لكن سرعان ما تبغته باسوداد جوفها وهطلها الشديد من غير ميعاد أو نذير، فيخرج المرء من وهم الفيء إلى بلل الفجأة الذي يحمل غبار الجو وأتربته، ويترك آثارا من الطين في النفس، لا يمكن جلاؤها بغير الغيث اللطيف الوفير الذي يأتي بعد جلاء السماء ونقاء الهواء!

وفي تصوير هذا الشعور بنكث العهود وما يخلفه في نفس المرء يقول الشاعر كعب بن زهير بن أبي سلمى:

لشتان من يدعو فيوفي بعهده

ومن هو للعهد المؤكد خالع

ويؤكد الفكرة نفسها الشاعر كعب بن مالك فيقول:

فدونك واعلم أن نقض عهودنا

أباه الملا منا الذين تبايعوا

ثم يأتي بعد ذلك الشاعر العباسي أبو العلاء المعري، المعروف بفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة، مؤكدا وناصحا، أنه ينبغي على المرء أن يتجنب الوعد إن لم يجد من نفسه أهلا له، فإن في ذلك مجلبة للذم، وقدحا في الأخلاق؛ إذ يقول:

تجنب الوعد يوما أن تفوه به

فإن وعدت فلا يذممك إنجاز

واصمت فإن كلام المرء يهلكه

وإن نطقت فإفصاح وإيجاز

وإن عجزت عن الخيرات تفعلها

فلا يكن دون ترك الشر إعجاز

وقال شاعر آخر واصفا حال الناس بين وفي وغدار، وأصيل وخائن أفاك، وبين صادق مصدق ومنافق كذاب:

الناس من الهوى على أصناف

هذا نقض العهد وهذا واف

إن نقض العهد بحسب الوصف القرآني أشبه بنقض الغزل بعد إعداده وإحكامه، فقد قال تعالى في سورة النحل/ 92: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾.

فمن ينقض عهده كتلك الحمقاء الخرقاء التي تغزل ثم تنقض غزلها، وقيل في التفسير إن الوصف في الآية الكريمة يعود إلى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد، التي كانت تنقض غزلها بعد جهد ودأب، فلا يبقى بين يديها غزل تعتد به، ولا صوف ينتفع به.

وقد كانوا في الجاهلية يعقدون العهود بجانب نار يوقدونها، فيذكرون خيرها، ويدعون بالحرمان من خيرها على من نقض العهد، وحل العقد، كما جاء في قول العسكري: "وإنما كانوا يخصون النار بذلك لأن منفعتها تختص بالإنسان، لا يشاركه فيها شيء من الحيوان غيره".

وقال الزمخشري أيضا: "كانوا يوقدون نارا عند التحالف، فيدعون الله بحرمان منافعها، وإصابة مضارها على من ينقض العهد، ويخيس بالعقد، ويقولون في الحلف: الدم الدم، والهدم الهدم، لا يزيده طلوع الشمس إلا شدا، وطول الليالي إلا مدا، ما بل بحر صوفة، وما أقام رضوى بمكانه".

لم يغب في العصور اللاحقة لصدر الإسلام الحديث عن الوفاء للمحبوب، بل ظل حاضرا حضوره في الجاهلية وأكثر، فها هو الشاعر الأندلسي ابن فركون يحدثنا عن عهود هواه التي تتجدد باستمرار، فلا ينقضها ولا ينكثها، بل يزداد وفاء لها مع تقادم الليالي والأيام، مهما اشتدت آلام الهوى وعذاباته، إذ يرى نفسه فاق مجنون ليلى في وفائه وصدقه وثباته على عهد المحبوبة:

إعلان

عهود غرامي لا تزال جديدة

وأربع جسمي عافيات دوارس

فمن قاسني فيما أقاس من الهوى

بقيس وليلى أخطأته المقايس

ومثله في الوفاء للمحبوبة، وصدق الود، وإنجاز الوعد، الشاعر العثماني منجك باشا، إذ يقول:

أحبتنا لئن زالت عهود

لكم فعهودنا أبدا تدوم

وإن طار الفراق بنا تركنا

قلوبا في دياركم تحوم

لكن الشاعر الأندلسي ابن حيوس كان له رأي آخر، فقد ذهب إلى أنه ما للنساء وعود، لا سيما في زواريب العشق والهوى:

أما الحسان فما لهن عهود

ولهن عنك وما ظلمن محيد

وفي العصر الأيوبي يطالعنا الشاعر المعروف بلقبه (بلبل الغرام الحاجري)، وهو حسام الدين عيسى بن سنجر بن براهم الحاجري، الشاعر الذي اشتهر أيضا برقة ألفاظه، وحسن معانيه، يعود أصله إلى بلدة حاجر في الحجاز؛ يطالعنا بحديث الشوق إلى الديار، وتجديد العهد والميثاق والوفاء للوطن الذي تتجاذبه الأشواق إليه كلما هب نسيم من قبله، فيقول:

لبرق الحمى عهد علي وموثق

إذا لاح نجديا بدمعيي أشرق

أراه بعين حين يلمع مدمع اش

تياق وقلب خافق حين يخفق

وفي حديث العهد أستذكر قصيدة للشاعر العراقي عبد الستار بكر النعيمي، كان قد كتبها لابنته التي سماها (عهد)؛ يقول فيها:

عهدا بأني سوف أفديك

بالروح بعد الله أحميك

لا زلت طفلة سبعة ركضت

في ساحتي والقلب يحييك

يا عهد، عهد صفائنا أزل

إن مت فالذكرى تسليك 

لا تذكري إلا جميل أبي 

ك لأنه ما يوم يبكيك

إن مت فالذكرى تسليك

لا تذكري إلا جميل أبي

ك لأنه ما يوم يبكيك

في كل فجر أذرعي انتصبت

أدعو إله الكون يحميك

الله أسأل -عهد- يا كبدي

لصلاح أمرك –عهد- يهديك

ومن بديع صدق العهد لدى الشعراء في العصر الحديث وثباتهم وحضهم عليه، والتغني بما يجلبه على صاحبه من مكارم ما كتبه الشاعر المصري وحيد حامد الدهشان:

باق على العهد لا يسلو أحبته .. وليس في شرعه غدر ولا ضجر

من قلبه فجرت أنهار عاطفة .. تسقي الأحبة عذبا ليس ينكدر

باق على العهد والإيمان رايته.. والحب دستوره يملي فيأتمر

باق على العهد روح الصدق .. تسكنه لا بالكنود ولا فظ ولا أشر

في وجه إخوانه تنساب بسمته .. قربى إلى ربه يا حظ من ظفروا

الوفاء بالعهد سمة أصيلة من سمات الشخصية المسلمة، ويعني البعد كل البعد عن الكذب والغدر والخيانة، والمسلم الحق يدعو إلى دين الله بأخلاقه التي تربى عليها من كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبأفعاله وتصرفاته التي يحفظ بها شرف المسلم وصدقه وأمانته.

إن الوفاء بالعهد من أعظم الأخلاق التي تفتح قلوب الآخرين للإسلام. رزقنا الله وإياكم الوفاء والأوفياء على طول الطريق مهما تشعبت المفارق واختلطت المشاهد، وتاهت الأفكار، وصعب الثبات، وتزلزلت الأركان.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: غوث حريات دراسات صدر الإسلام فی الإسلام على العهد عهد الله العهد فی فی سورة على عهد

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • 3 عادات يومية شائعة وراء تساقط الشعر المُبكّر لدى النساء .. طرق العلاج والوقاية
  • «محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» تطلق «الدليل إلى فلسفة الدين»
  • فيتامين د.. كيف ينعكس نقصه على البشرة والشعر؟
  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • سمو ولي العهد يوجه برقية شكر جوابية لوزير الداخلية بمناسبة تهنئته بعيد الأضحى ونجاح موسم الحج
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيء.. و”العنف الأسري” ليس من هدي الإسلام
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش