بوابة الوفد:
2026-07-24@22:38:50 GMT

السودان.. معركة النفوذ على بوابة الجنوب

تاريخ النشر: 31st, October 2025 GMT

لم يعد السودان مجرّد أزمة داخلية بين جيشٍ نظامي وفصيلٍ متمرّد، بل تحوّل إلى ساحة صراع إقليمي ودولي تتقاطع فيها مصالح متشابكة. فحين اندلع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تمددت جذوره سريعا خارج حدود الخرطوم؛ تقارير متعددة أكدت أن الإمارات ضخت تمويلاً واسعا للفصيل المتمرّد عبر شبكات تجارة الذهب وشركات واجهة مقرّها دبي، لتتحول الحرب إلى وسيلة لبسط نفوذ اقتصادي وعسكري على البحر الأحمر وممراته الحيوية، في مسعى لإعادة رسم موازين القوة في الإقليم.


في المقابل، تميل السعودية إلى مسار مغاير يقوم على دعم مؤسسات الدولة السودانية لا الفصائل، إدراكا ًمنها أن انفجار السودان يهدد أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية. 
هذا التباين الخليجي يعكس صراعا ًمكتوما بين مشروعين: أحدهما يستند إلى القوة الاقتصادية وشبكات النفوذ غير الرسمية، والآخر يفضّل الاستقرار المؤسسي وإن كان بطيئا ً .
أما مصر، فهي في قلب المعادلة، لأنها الدولة الوحيدة التي ترتبط بالسودان بحدودٍ ممتدة وتاريخٍ مشترك ومصير مائي واحد، وانهيار السودان بالنسبة لها ليس حدثا بعيدا، بل خطر مباشر على أمنها القومي، إذ يعني حدودا ً رخوة، وتهريبًا للسلاح، وتدفّقًا بشريًا متزايدًا. ولهذا تتعامل القاهرة بسياسة مزدوجة تجمع بين التحصين العسكري والاستخباراتي على حدودها الجنوبية، والتحرك الدبلوماسي المتزن لتقريب وجهات النظر ودعم الدولة الوطنية السودانية.
على المستوى الدولي، تبدو روسيا والصين حاضرتين في المشهد بطرق مختلفة؛ موسكو تسعى لترسيخ موطئ قدم دائم على البحر الأحمر من خلال قاعدة بحرية في بورتسودان، وتستخدم علاقتها مع الطرفين للحفاظ على نفوذها المتنامي في إفريقيا ومنافسة الغرب. 
أما بكين فتركز على حماية استثماراتها في النفط والبنية التحتية، متمسكة بمبدأ عدم التدخل المباشر، لكنها تراقب عن كثب ما يجري خوفا من أن تتحول الفوضى إلى تهديد لطريق تجارتها الإفريقي. 
وهكذا صار السودان حلقة ضمن صراع أوسع على النفوذ في القارة بين الشرق والغرب، بينما يدفع الشعب السوداني وحده الثمن من أمنه ومعيشته واستقراره.
وتزداد خطورة المشهد حين ندرك أن تداعياته تمتد مباشرة إلى الداخل المصري؛ فغياب الدولة السودانية القوية يعني فتح الحدود أمام المهربين والجماعات المسلحة، وخلق فراغ أمني على البحر الأحمر، وتعقيد ملف مياه النيل مع إثيوبيا، لذلك تفضّل القاهرة نهج “الاحتواء الذكي” لا التدخل العسكري؛ فالتورط المباشر في حرب طويلة سيستنزفها ويقلب الرأي العام، بينما الضغط السياسي والاقتصادي، وتجفيف مصادر تمويل الفصائل، ودعم مبادرات السلام، هي أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة في آن واحد.
وفي هذا الصدد لا يمكننا تجاهل البعد الإسرائيلي غير المعلن في خلفية المشهد، إذ تتقاطع مصالح تل أبيب مع بعض القوى التي ترى في إضعاف المثلث (مصر – السودان – إثيوبيا) مكسبا استراتيجيا يوسع حضورها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ورغم غياب الأدلة القاطعة على تدخل مباشر، إلا أن التنسيق الاقتصادي والأمني بين إسرائيل والإمارات يمنح الأولى نفاذا غير مباشر إلى جنوب مصر وحديقتها الخلفية .. وهو ما يفرض على القاهرة يقظة دائمة وإدارة دقيقة للملف بما يحفظ توازن الردع دون إشعال مواجهة مفتوحة.
أما المستقبل، فهو في الحقيقة ليس مبشرا على المدى القريب.؛ فالحرب مرشحة للاستمرار، والحل السياسي ما زال رهينة توازن الضعف بين المتقاتلين وضغط القوى الخارجية. 
السودان يتجه تدريجيا نحو نموذج “الدولة الممزقة” التي تتعايش فيها السلطة المركزية مع كيانات شبه مستقلة، في مشهد يشبه ليبيا بعد 2011. لكن في كل أزمة تكمن فرصة، ومصر تستطيع إن أحسنت التحرك أن تكون طرفا في بناء السودان الجديد، عبر قيادة تحرك عربي إفريقي مشترك لإعادة الإعمار مقابل التزام الأطراف بوحدة الأرض والسلاح.
في النهاية؛ لا يدور الصراع في السودان حول من يحكم الخرطوم فقط، بل حول من يمتلك بوابة إفريقيا الشرقية ومفتاح البحر الأحمر. القوى الكبرى تتصارع على الذهب والموانئ والممرات، أما مصر فتصارع من أجل أمنها ووجودها. 
إن إنقاذ السودان من التمزق ليس ترفا ً دبلوماسياً، بل واجب استراتيجي لحماية التوازن العربي ومصالح الأمة من التآكل جنوب النيل.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الإمارات خطوط التجارة العالمية البحر الأحمر الدولة السودانية الجيش السوداني البحر الأحمر

إقرأ أيضاً:

حصيلة صادمة.. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تكشف عدد المفقودين في السودان

متابعات تاق برس – كشف المتحدث باسم بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان، فريد الحميد، أن اللجنة سجلت أكثر من 9 آلاف حالة فقدان خلال السنوات الثلاث الماضية من النزاع في السودان، مؤكداً أن هذه الأرقام تعكس جانباً من المعاناة الإنسانية التي لا تظهر دائماً في الإحصاءات العامة.

وقال الحميد، في مقابلة مع قناة القاهرة الإخبارية، إن السودان يدخل عامه الرابع من الحرب وسط أزمة إنسانية متفاقمة، مشيراً إلى أن التقديرات تفيد بأن أكثر من 33 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما اضطر أكثر من 11 مليون شخص إلى النزوح من مناطقهم.

وأضاف أن المناطق الأكثر تضرراً من القتال شهدت توقف ما يصل إلى 80% من مرافق الرعاية الصحية عن العمل، كما فقد العديد من المزارعين مواسمهم الزراعية ومصادر رزقهم بسبب تعذر الوصول إلى أراضيهم جراء استمرار النزاع.

وأوضح الحميد أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تواصل اتصالاتها مع جميع أطراف النزاع استناداً إلى اتفاقيات جنيف، لتذكيرها بالتزاماتها تجاه حماية المدنيين، إلى جانب مواصلة دعم المرافق الصحية وشبكات المياه وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للمتضررين.

السودانيين المفقودين والمحتجزينالصليب الأحمرحرب السودان

مقالات مشابهة

  • قوة الممرات وخرائط النفوذ الجديدة
  • سلام: الجنوبيون ليسوا وحدهم والدولة تعود معهم وإليهم لإعادة الإعمار والاستقرار
  • سلام: الدولة حاضرة بكل إمكاناتها لإطلاق مسار التعافي وعودة أهالي الجنوب اللبناني
  • الزيدي بين واشنطن وطهران.. معركة تثبيت القرار العراقي
  • سلام: لبنان لن يترك أهالي الجنوب وحدهم.. وسنطلق مسار العودة والتعافي المبكر
  • حصيلة صادمة.. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تكشف عدد المفقودين في السودان
  • النفير القبلي يتصاعد في الساحل الغربي.. التفاف شعبي خلف معركة الجمهورية
  • طارق صالح: آن الأوان لتوحيد الطاقات لحسم معركة استعادة الدولة
  • وزير الأوقاف والإرشاد يترأس اجتماع مجلس الوزارة ويؤكد أهمية مساندة معركة استعادة الدولة
  • جولة لنواب القوات جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة