هدنة الرباعية تقوض استنفار الإسلاميين

صلاح شعيب

الأنباء المتداولة عن موافقة مبدئية لطرفي الحرب لعقد هدنة لمدة ثلاثة أشهر مبشرة بأن الحرب سوف تصل – تحت ضغط الرباعية – إلى نهاياتها المنطقية: سلام على الأرض مدعوم برعاية دولية نافذة، وتقديم المساعدات الإنسانية لكل الشعب المنكوب، وخطوات لاحقة لإعادة الحكم للمدنيين، وعزل الإسلاميين من أي حضور في مستقبل الحكم.

عندئذ سوف تتراجع نهائياً مساحة الصراخ الذي صم به أبواق الإسلاميين آذاننا بعد سقوط الفاشر مثل تراجع الصراخ على انتهاكات الخرطوم والجزيرة لدرجة فيها انتهى الأمر بكيكل، وقواته، أن يصبح بطلاً قومياً.

لقد وجد الإسلاميون في انتهاكات بعض جنود الدعم السريع عند تخوم الفاشر فرصة ذهبية لا تعوض. استثمروها بالقدر الذي يحقق هدفين: امتصاص الهزيمة المرة بتحشيد المستغفلين، وابتزاز البرهان للانسحاب من تفاوضه السري مع خصومه الميدانيين تحت رعاية الرباعية.

هذان الهدفان غايتهما هما المحافظة على تأثير الإسلاميين على المشهد الحربي الماثل بما يبقي استراتيجيتهم في إطالة أمد الحرب حية حتى لا يخرجوا من ساحتها خاليي الوفاض لو توقفت.

ما أهاج الإسلام السياسي حتى جعله يكثف في تزييف وقائع الحرب، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي للتغبيش، هو أنه لم يتحمل مسؤوليته في الحفاظ على سلام أهل الفاشر. ومن قبل اصطنع الإسلاميون تجاهل مواطني مدني والخرطوم بالانسحاب أمام تداعيات الحرب، حتى إذا حوصر قادته في الفاشر انسحبوا تكتيكياً لحماية قادتهم من كبار الضباط. وهكذا رضوا فرحين بما اقترفه بعض جنود الدعم السريع من موبقات تتعلق بجرائم حرب لا تقل فظاعة عن جرائم بعض البراءيين، وبعض جنود الجيش، والمشتركة.

ولذلك فإن الفاشر قد تركوها متأثرين بفكرة دعاة التقسيم للانشغال بما رأوه إعماراً تنموياً لما بعد الانتصار. ذلك كي تكون مسؤولية حماية المدينة لحفنة من جنود الفرقة السادسة مشاه، وكامل جنود مناوي الذين حملوهم مسؤولية فك الانتصار لوحدهم.

إن استقالة الجيش من مسؤوليته عن فك الحصار عن الفاشر، وتحريرها مثل تحريره مدني، أو الخرطوم، ليست جديدة، ولن تكون الأخيرة. ولعله ينتظر صرخات أهلّ الأبيض، أو الدبة، أو كوستي لاحقاً، ليوظفها بالتشكي من قساوة بعض جنود الدعم السريع الذين لا يرحمون المواطنين.

ينبغي ألا تنسى أن الجيش رأى في تحرير ذينك الإقليمين – الجزيرة والخرطوم – كفايةً لخروجه منتصراً، ولكن لا بواكٍ لأهالي الفاشر. فكان قدرهم أن “يأكلوا نارهم” ما دام الهم الأساس لمخدمي كامل إدريس هو إصلاح الكباري، وغرس فسائل الجهنمية في شارع النيل، وإقامة مليون مسكناً لشباب الخرطوم.

وهكذا هم حاضنة البرهان من الإسلاميين، وبعض الجهويين، والمغرر بهم من أبناء الغرب. فبعد أن أدخلوا السودانيين في الفتنة العرقية يتنعمون الآن في مهاجرهم ليتسلوا بما جرى سابقاً، ويجري حالياً، من تفتت للمجتمع السوداني. فقد هرب الإسلاميون جميعاً بريجاتهم المتعددة، وأبنائهم الذين يواصلون دراساتهم الجامعية – وفوق الجامعية – في أوروبا، وآسيا، بينما يستنفر وكلاؤهم المحليون من الطبقة الوسطى أبناء الناس المساكين ليخوضوا لهم حرب العودة للسلطة.

ليس هناك من أدنى شك في أن أموال السحت التي جمعوها قبلاً هي مما تغذي الآن الكراهية وسط الشعب حتى خلقت الحرب اقتصادها الذي يسيطر عليه مفسدو بورتسودان.

الغريب أن المجرم احمد هارون الذي يظهر أمام الشاشة ليوجه بألا يأتي الجنود بأسير واحد حتى يشغلهم بالأعباء الإدارية صار عمدة الاستنفار الذي يجد الرعاية، والحماية، بينما هو مطلوب للجنائية لاتهامه بارتكاب جرائم فظيعة في دارفور، وجنوب كردفان.

استمعت أيضاً إلى تسجيل لعلي كرتي، وهو أيضاً يستخدم كل أحابيل الإسلام السياسي لتشويه الحقائق المعلومة عن الحرب، وبالتالي تناغم صوته مع طبول جوفاء تحدث إيقاعاً مشاتراً لتحميس بعض بسطاء السودان لسفك مزيد من دماء المواطنين الأبرياء. ومع ذلك فإن هذا الهيجان الباهت سيخفت قليلاً قليلاً متى ما طُبقت الهدنة، وما دامت هناك رغبة قوية لدى الغالبية لإيقاف الحرب، وتفويت الفرصة أمام الإسلام للاستثمار في الاستنفار لصالح عودته للحكم. ولكن هيهات فالهدنة المقترحة تعد تقويضا بديعا للمشروع الإسلاموي.

الوسومالإسلام السياسي الإسلاميين الجزيرة الجيش الخرطوم الدبة الدعم السريع السودان الفاشر الهدنة صلاح شعيب علي كرتي

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الإسلام السياسي الإسلاميين الجزيرة الجيش الخرطوم الدبة الدعم السريع السودان الفاشر الهدنة صلاح شعيب علي كرتي الدعم السریع بعض جنود

إقرأ أيضاً:

لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج

 

كشفت صحيفة "ميدل إيست آي" أن بريطانيا تستضيف اجتماعاً دبلوماسياً "غير معلن" حول مستقبل السودان، بمشاركة ممثلين عن الجناح السياسي لقوات الدعم السريع والإمارات، في خطوة أثارت اعتراضات من الحكومة السودانية، التي قالت إنها لا تملك "ثقة كبيرة" بما تقوم به لندن بعيداً عن العلن.

 

وبحسب الصحيفة، يشارك نصر الدين عبد الباري، أحد قيادات تحالف "تأسيس" المرتبط بالجناح السياسي لقوات الدعم السريع، في مؤتمر تنظمه مؤسسة "ويلتون بارك" التابعة للحكومة البريطانية، إلى جانب وفد إماراتي، في اجتماع يستمر من الأربعاء وحتى الجمعة.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة السودانية المدعومة من الجيش لم تُدعَ إلى الاجتماع، الذي وصفه مسؤولون بريطانيون بأنه "لقاء غير معلن"، فيما لم تقدم وزارة الخارجية البريطانية توضيحات بشأن قائمة المشاركين أو طبيعة النقاشات.

 

ويأتي الاجتماع في وقت تخوض فيه قوات الدعم السريع حرباً ضد الجيش السوداني منذ نيسان/أبريل 2023، وسط اتهامات واسعة للقوات شبه العسكرية بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين، بينها اتهامات بارتكاب جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في دارفور، وفق تقارير أممية وأمريكية.

  

غضب حكومي سوداني

وانتقد أمجد فريد الطيب، مستشار في مجلس السيادة الانتقالي المدعوم من الجيش، استضافة بريطانيا شخصيات مرتبطة بقوات الدعم السريع، معتبراً أن الخطوة تتناقض مع التصريحات البريطانية السابقة بشأن الانتهاكات المرتكبة في السودان.

 

وقال لموقع "ميدل إيست آي" إن لندن أصدرت خلال الفترة الماضية مواقف تدين ما وصفها بجرائم الدعم السريع، خصوصاً خلال الهجوم على مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، لكنها في الوقت ذاته "دعت شخصيات مرتبطة بالدعم السريع إلى بريطانيا لمناقشة مستقبل السودان".

 

وأضاف: "أي شيء يحتاج إلى أن يكون غير معلن فهو يخفي شيئاً يجعل من الضروري إبقاءه بعيداً عن الأنظار"، معرباً عن قوله إن الخرطوم "لا تملك ثقة كبيرة بما تحاول الحكومة البريطانية القيام به بعيداً عن العلن".

 

واتهم فريد الطيب لندن باتباع نمط من التعامل المتناقض، قائلاً إن الحكومة البريطانية "تتحدث عن احتمال ارتكاب الدعم السريع جرائم إبادة، ثم تستضيف قياداته لمناقشة مستقبل البلاد".

  

الإمارات حاضرة رغم النفي

ويأتي حضور ممثلين عن الإمارات في الاجتماع وسط استمرار الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها الإمارات بشكل متكرر.

 

وتشير "ميدل إيست آي" إلى أن قوات الدعم السريع تلقت اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات في دارفور، فيما تقول الأمم المتحدة والولايات المتحدة إن الجرائم المرتكبة هناك تحمل "سمات الإبادة

الجماعية".

 

في المقابل، تدعم تركيا ومصر الجيش السوداني، بحسب الصحيفة.

 

وكانت تقارير دولية وأمريكية قد تحدثت خلال الفترة الماضية عن وجود أدلة على وصول أسلحة ومعدات إلى قوات الدعم السريع، بينما نفت أبوظبي أي دعم عسكري مباشر لها.

  

لماذا الاجتماع بعيداً عن العلن؟

يقام الاجتماع في مؤسسة "ويلتون بارك" الواقعة في غرب ساسكس، وهي مؤسسة تابعة للحكومة البريطانية تقول إنها تعمل على تسهيل الحوارات السياسية الدولية.

 

لكن الصحيفة أشارت إلى أن اللقاء السوداني لم يُدرج ضمن الفعاليات المعلنة على موقع المؤسسة، رغم أن غالبية اجتماعاتها يتم الإعلان عنها مسبقاً.

 

ونقلت عن مصدر في الخارجية البريطانية قوله إن "الجميع ذاهبون" إلى الاجتماع، في إشارة إلى

مشاركة أطراف إقليمية ودولية، فيما أكد موظف في "ويلتون بارك" انعقاد اللقاء.

  

انتقادات بسبب علاقة بريطانيا بالإمارات

وربطت الصحيفة الانتقادات الموجهة إلى لندن بعلاقاتها الاقتصادية مع الإمارات، مشيرة إلى أن قيمة صادرات الأسلحة البريطانية إلى أبوظبي خلال السنوات الثلاث الأخيرة بلغت نحو 422 مليون جنيه إسترليني.

 

ونقلت عن خبراء قولهم إن معدات عسكرية بريطانية الصنع ظهرت في ساحات القتال بالسودان، وهو ما يزيد الجدل حول طبيعة العلاقة بين لندن وأبوظبي في ظل الحرب المستمرة.

 

وقال أحد الخبراء المشاركين منذ سنوات في جهود الوساطة السودانية إن استبعاد شخصيات سودانية رئيسية من الاجتماع "أمر صادم"، مضيفاً أن هناك أشخاصاً شاركوا في الملف السوداني لسنوات ولم تتم دعوتهم أو حتى إبلاغهم باللقاء.

  

مستقبل السودان على طاولة لندن

ويأتي الاجتماع بعد أيام من تعيين إد ميليباند وزيراً للخارجية البريطانية، في وقت تواجه فيه بريطانيا ملفات دولية عدة، بينها الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

 

ورغم أن السودان لا يحتل الأولوية الأولى في السياسة الخارجية البريطانية، يأمل بعض الدبلوماسيين، بحسب الصحيفة، أن يتخذ ميليباند موقفاً أكثر تشدداً تجاه الإمارات بشأن دورها في الحرب السودانية.

 

وتعد الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، إذ أسفرت عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين ونزوح أكثر من 14 مليون شخص منذ اندلاعها.

 

مقالات مشابهة

  • استنفار بالجزائر لإخماد حرائق غابات الهاشمية المتجددة بولاية البويرة
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • استنفار وعمليات إجلاء.. صور تكشف اتساع نطاق حرائق الغابات في فرنسا
  • استنفار بإيران وإسرائيل.. ترمب يلوح بهجوم واسع وإدارته تحذر الأمريكيين
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • الخرطوم تشدد إجراءات الأمن.. وتحذير صارم بشأن حظر التجوال
  • السودان.. مجلس الوزراء يناقش إنشاء مدينتين طبيتين ومشروع وادي الهواد
  • حكومة الخرطوم توجه باستخدام الصنادل العائمة لمواجهة انحسار النيل
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج