إيطاليا تفرض التحقق من العمر قبل دخول المواقع ذات المحتوى الموجه للبالغين
تاريخ النشر: 3rd, November 2025 GMT
أعلنت هيئة الاتصالات الإيطالية AGCOM عن بدء تطبيق نظام إلزامي جديد للتحقق من السن قبل دخول أي موقع إباحي اعتبارًا من 12 نوفمبر الجاري. وبموجب القاعدة الجديدة، سيُطلب من المستخدمين الإيطاليين المرور بعملية تحقق رقمية دقيقة تضمن أن من يدخل هذه المواقع هو شخص بالغ بالفعل، وليس قاصرًا يستخدم الإنترنت بحرية.
وتشمل القائمة الأولية للمواقع التي ستُطبق عليها القواعد نحو 50 موقعًا شهيرًا من أبرزها Pornhub وXHamster وOnlyFans، وهي منصات تستقطب ملايين المستخدمين شهريًا حول العالم. وبحسب AGCOM، فإن الهدف الأساسي من النظام هو منع وصول الأطفال والمراهقين إلى المحتوى غير المناسب، في إطار خطة وطنية شاملة لحماية القُصّر عبر الإنترنت.
آلية التحقق من الهوية دون المساس بالخصوصية
النظام الجديد سيعتمد على ما وصفته الهيئة بـ"التحقق عبر جهات خارجية معتمدة"، أي شركات أو مؤسسات مخوّلة مثل البنوك أو مشغلي شبكات الهاتف المحمول أو مزودي الهوية الرقمية، ستتولى هذه الجهات التأكد من سن المستخدم باستخدام بياناتها الموجودة مسبقًا، ثم تُصدر رمز تحقق رقمي يمنح المستخدم حق الدخول إلى الموقع المطلوب.
وبحسب الهيئة، فإن النظام سيستخدم ما يُعرف باسم "إخفاء الهوية المزدوج" لضمان عدم انتهاك الخصوصية. إذ لن يعرف الموقع الإباحي هوية المستخدم، بل فقط أنه بالغ، في حين أن الجهة التي تحققت من العمر لن تعرف الموقع الذي تمت زيارته، هذه الخطوة تأتي ردًا على الانتقادات الواسعة التي وُجهت لمشروعات مشابهة في دول أخرى اتُهمت بتعريض المستخدمين لمخاطر انتهاك الخصوصية أو تسريب البيانات الحساسة.
لكن رغم هذه الضمانات، يرى بعض الخبراء أن النظام الجديد قد يفتح الباب لمشاكل تقنية وأمنية، خصوصًا أن المستخدم سيُطلب منه اجتياز التحقق في كل مرة يحاول فيها دخول أحد هذه المواقع. كما حذر آخرون من أن ذلك قد يدفع المستخدمين إلى استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) لتجاوز القيود، ما يُضعف فعالية القانون في تحقيق هدفه الرئيسي.
عقوبات صارمة على المخالفين
أكدت AGCOM أن جميع المواقع الإباحية التي لا تمتثل للنظام الجديد بحلول الموعد المحدد ستواجه غرامات مالية تصل إلى 250 ألف يورو، مع إمكانية حظر الوصول إليها داخل الأراضي الإيطالية. كما أعلنت الهيئة أنها ستراقب مدى التزام هذه المنصات بالتعليمات الجديدة بشكل دوري، وستتعاون مع السلطات القضائية لضمان التنفيذ الكامل.
ويأتي هذا القرار ضمن سلسلة من الإجراءات الأوروبية المتزايدة للحد من وصول القاصرين إلى المحتوى الحساس. فقد سبقت فرنسا إيطاليا بتطبيق نظام مشابه خلال الصيف الماضي، يعتمد على التحقق من السن عبر مزودي الهوية الرقمية، بينما تبنّت المملكة المتحدة نظامًا أكثر تشددًا يفرض على المستخدمين تقديم بطاقة هوية حكومية أو صورة شخصية لإثبات أعمارهم.
لكن نتائج التجربة البريطانية كانت مثيرة للانتباه، إذ كشف موقع Pornhub أن عدد زواره من المملكة المتحدة انخفض بنسبة 77% منذ تطبيق نظام التحقق، ما أثار تساؤلات حول مدى تقبل المستخدمين لمثل هذه الإجراءات وتأثيرها على حركة الإنترنت بشكل عام.
بين حماية القاصرين وحرية المستخدمين
رحبت جمعيات حماية الطفل في إيطاليا بالقرار، معتبرة أنه “خطوة متأخرة لكنها ضرورية” في ظل سهولة وصول المراهقين إلى المحتوى الجنسي عبر الإنترنت. في المقابل، حذرت منظمات مدافعة عن الخصوصية من أن النظام قد يُشكل سابقة خطيرة لتوسيع المراقبة الرقمية، حتى وإن كانت النية المعلنة نبيلة.
ويرى محللون أن هذا التشريع يضع إيطاليا في طليعة الدول الأوروبية التي تحاول إعادة ضبط العلاقة بين حرية الإنترنت وحماية القُصّر. لكنه في الوقت ذاته يكشف عن تحدٍ كبير أمام الحكومات في إيجاد توازن حقيقي بين الرقابة الأخلاقية والخصوصية الرقمية، خاصة في ظل اعتماد الحياة اليومية بشكل متزايد على المنصات الإلكترونية.
ومع اقتراب الموعد النهائي لتطبيق النظام في 12 نوفمبر، يترقب الإيطاليون ما إذا كانت التجربة الجديدة ستنجح في الحد من وصول القاصرين إلى المحتوى الإباحي دون المساس بحرية وخصوصية المستخدمين البالغين، أم أنها ستفتح فصلاً جديدًا من الجدل حول حدود التدخل الحكومي في الفضاء الرقمي.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: إلى المحتوى نظام ا
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..