آخر تحديث: 5 نونبر 2025 - 10:00 ص بقلم: سعد الكناني

ظلّ مجلس النواب العراقي في دوراته الخمس صورةً لفشل العملية السياسية وارتهانها الكامل للمحاصصة الحزبية والطائفية. فقد تحوّل المجلس الذي يُفترض أن يكون ممثلاً لإرادة الشعب إلى منصّة لتقاسم النفوذ والفساد بين الأحزاب المتسلطة، وبدلاً من أن يمارس دوره الرقابي والتشريعي، أصبح أداة لحماية الفاسدين وتثبيت مصالح الكتل الحاكمة.

واليوم، ونحن على أعتاب انتخابات جديدة، تتصاعد الشكوك المشروعة حول إمكانية التغيير، إذ إنّ البيئة السياسية الفاسدة والمنظومة الانتخابية المنحازة لا تزالان قائمتين، ما يجعل المشهد مهيّأً لإعادة إنتاج الوجوه الكالحة ذاتها التي أنهكت البلاد وأفقدت المواطن الثقة بأي تحول ديمقراطي حقيقي. إنّ الانتخابات المقبلة، في ظل غياب الإصلاح البنيوي للقانون والرقابة والعدالة، لن تكون سوى دورة جديدة لتدوير الخراب نفسه.

البرلمان العراقي لم يكن سوى انعكاس لنظام محاصصة طائفية حزبية فاسدة، حيث جرى تفريغ مفهوم “التمثيل الشعبي” من محتواه الديمقراطي، وتحويله إلى أداة لإعادة إنتاج ذات الطبقة السياسية التي تمسك بمفاصل الدولة منذ 2003. أما عن الانتخابات المقبلة، فكل المؤشرات الواقعية تقول إن الوجوه الكالحة ذاتها ستعود بشكلٍ أو بآخر، وذلك لأسباب واضحة: سيطرة الأحزاب المتنفذة على المفوضية والتمويل والإعلام والدوائر الانتخابية. عزوف الجماهير الواعية عن المشاركة بعد أن فقدت الثقة بالعملية الانتخابية. القوة المالية والميليشياوية التي تضمن فوز ممثلي النظام القائم. غياب المعارضة الوطنية المنظمة القادرة على خوض معركة سياسية متكاملة. بمعنى آخر، الانتخابات في ظل النظام الحالي ليست آلية للتغيير، بل أداة لتدوير الفساد والخيبة. ولا يمكن أن تُنتج وجوهاً وطنية إلا إذا جرى تغيير القواعد نفسها: قانون انتخابي عادل، إشراف دولي فعّال، ومناخ حرّ غير مرتهن للنفوذ الإيراني والسلاح المنفلت. لقد فشلت البرلمانات العراقية المتعاقبة في أداء دورها الدستوري كممثلٍ حقيقيٍ للشعب، لأن نشأتها ارتبطت منذ البداية ببيئة سياسية ملوّثة بالهيمنة الحزبية والتدخلات الخارجية. فقد أُنتجت هذه المجالس وفق معادلة “الولاء قبل الكفاءة”، حيث احتكرت الأحزاب المهيمنة الترشيح والتمويل والإعلام، ما جعل البرلمان انعكاساً لمصالحها وليس لتطلعات المواطنين. كما ساهم القانون الانتخابي المفصّل على مقاس الكتل الكبرى في إقصاء القوى المدنية والمستقلين، وتحويل العملية الانتخابية إلى سباقٍ بين شبكات النفوذ المالي والميليشياوي، لا بين البرامج والمشاريع الوطنية. وفوق ذلك، أدى غياب الوعي الانتخابي لدى شريحة واسعة من الناخبين، واستشراء شراء الأصوات واستغلال الفقر والطائفية، إلى تثبيت منظومة السلطة الفاسدة. وهكذا تحوّل البرلمان من مؤسسة تشريعية ورقابية إلى سوق للمساومات السياسية وصفقات الوزارات والمناصب، مما رسّخ عزلة الشعب عن ممثليه وأجهض أي أمل بإصلاح حقيقي من داخل النظام نفسه. تبدو الانتخابات المقبلة في العراق وفق المعطيات الراهنة أقرب إلى تجديدٍ للخيبة منها إلى فرصةٍ للتغيير. فالنظام السياسي القائم لم يُبدِ أي استعداد لإجراء إصلاحات جوهرية في بنية الدولة أو في آلية إدارة الانتخابات، بل على العكس، جرى إعادة إنتاج ذات البيئة الفاسدة التي أفرزت البرلمانات السابقة. ما زالت الأحزاب المتنفذة تمسك بمفوضية الانتخابات وتتحكم بالتمويل الإعلامي والسياسي، فيما تستمر الميليشيات في فرض إرادتها بالقوة على الشارع والمرشحين المستقلين. أما الجماهير الواعية التي كانت تُراهن عليها قوى التغيير، فقد أصابها اليأس والإحباط بعد سلسلة من التجارب الانتخابية التي انتهت إلى لا شيء. فكيف يمكن لانتخابات تُدار من داخل منظومة فاسدة أن تنتج وجوهاً وطنية جديدة؟، إن التغيير لا يأتي عبر صناديقٍ محاصَرة بالسلاح والمال الحرام، بل من خلال إرادة شعبية منظّمة تفرض قواعد جديدة للّعبة السياسية. ومع ذلك، فإنّ هذه اللحظة التاريخية رغم قتامتها يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة الوعي الوطني، إذا ما توحّدت القوى المدنية والنخب المستقلة حول مشروع إنقاذٍ وطني، يتجاوز شعارات الإصلاح الجزئي إلى مشروع لتفكيك بنية الفساد والتبعية. عندها فقط يمكن أن تكون الانتخابات خطوة أولى نحو استعادة الدولة من براثن الأحزاب والولاءات الخارجية. إنّ بناء برلمان وطني حرّ في العراق لن يتحقق عبر التمنّي أو الخطابات الإصلاحية، بل من خلال إعادة تأسيس النظام السياسي على أسس مدنية ودستورية سليمة. أولى خطوات هذا الطريق هي إلغاء منظومة المحاصصة التي دمّرت روح الدولة وحوّلت البرلمان إلى ميدان لتقاسم الغنائم. يجب أن يكون قانون الانتخابات عادلاً وشفافاً، يمنح الفرصة المتكافئة للمستقلين والكفاءات الوطنية، ويمنع سطوة المال السياسي والسلاح المنفلت. كما يتطلب الإصلاح الحقيقي مفوضية انتخابات مستقلة فعلاً، خاضعة لرقابة قضائية ودولية، لا لإرادة الكتل المتنفذة. ولا بدّ من تنمية الوعي الشعبي كي يتحول الناخب من تابعٍ مذهبي أو قبلي إلى مواطنٍ حرّ يصوّت وفق البرنامج الوطني لا الولاء الحزبي. إنّ الطريق نحو برلمان وطني حرّ يبدأ من تحرير الإرادة العراقية من النفوذ الإيراني ومن وصاية الأحزاب الدينية، ويمرّ عبر مشروع وطني شامل يقوده المثقفون والنشطاء وقوى المجتمع المدني. فالديمقراطية ليست أوراق اقتراعٍ تُرمى في الصناديق، بل هي ثقافةُ سيادةٍ وكرامةٍ ووعيٍ جمعيّ يؤمن بأنّ الوطن أكبر من الأحزاب والطوائف.

المصدر

المصدر: شبكة اخبار العراق

إقرأ أيضاً:

حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر

أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله محمود قماطي، مساء الثلاثاء، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، لا سيما "معادلة" امتناع إسرائيل عن قصف ضاحية بيروت الجنوبية مقابل امتناعه عن استهداف شمال إسرائيل.

وقال قماطي في تصريح صحافي، إن "المقاومة والثنائي الوطني (أي حزب الله وحليفته حركة أمل) لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات"، مضيفا "جوابنا كان واضحا للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس (نبيه) بري أننا نلتزم بوقف شامل وكامل وجدي لوقف إطلاق النار بدون العودة إلى ما قبل 2 آذار (مارس)، ولن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار".

وتابع أن "أي عدوان على الضاحية يمكن أن يؤدي إلى رد أعمق وأقوى" من الحزب.

المصدر : عرب 48 اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من الأخبار العربية والدولية لولاي لكنت الآن في السجن - ترامب وبخ نتنياهو بحدة إثر تصعيده في لبنان الرئاسة اللبنانية: حزب الله وافق على المقترح الأميركي ترامب: اتفقنا على وقف إطلاق النار في لبنان وعدم مهاجمة بيروت الأكثر قراءة موعد صلاة عيد الأضحى 2026 في تركيا - وتوقيت الصلاة في إسطنبول والولايات بالفيديو: 6 شهداء وجرحى جراء غارات إسرائيلية استهدفت حي الرمال في غزة إسرائيل تعلن استهداف القائد الجديد للجناح العسكري لحركة حماس في غزة موعد صلاة عيد الأضحى 2026 في فرنسا وتوقيت الصلاة في باريس والمدن الفرنسية عاجل

جميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026

مقالات مشابهة

  • الشويهدي: عازمون على استكمال عقبات القوانين الانتخابية
  • أحمد موسى : عام 2011 البلد تعرضت لكارثة هائلة ومحاولة لإسقاطها وليس النظام
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • المنتخب العراقي يصل لاكورونيا الإسبانية ويسلم أرقام لاعبيه للجنة بطولة كأس العالم
  • مؤسسة وجود وأصحاب المصلحة المعنيين والمتعددين تختتم ورشة العمل حول اقتصاد السلام وأولويات التعافي وإعادة الإعمار والتنمية
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • شركة MSC للشحن: السفينة ساريسكا أصيبت بقذيفتين بميناء أم قصر العراقي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • رفع رصيده لخمس ميداليات ملونة.. أدعم القوى يتألق آسيويا