فيصل القاسم.. بين قناع الثائر ولسان السلطة
تاريخ النشر: 7th, November 2025 GMT
خالد بن سالم الغساني
حين قرأت منشور فيصل القاسم الأخير، هذا الرجل الذي امتهن الفتنة تخصصاً دقيقاً، ووجد المساحة القادرة والكافية دون أية ضوابط أو روابط أو حدود، يمارس من خلالها بحرفية عالية ما كان قد اكتسبه وأضاف عليه من فتن نتنة ارتبطت كثيراً بحقده وقناعاته التي تربى عليها واكتسبها نظير حرصه على الاجتهاد والإبداع المطلوب لتنفيذ سياسة البرنامج الشهير الذي يعده ويقدمه بنفسه "الإتجاه المعاكس" البرنامج الذي حوّل شاشات الإعلام إلى صراع ديكة ولا يمكن أن تؤدي نهايتة إلا إلى مزيد من الحقد وإشعال نار الفتنة، ومن ثم مزيد من التفرق والتشتت والتمزق للجسد الواحد، فما بال الأجساد المتعددة.
وتحت العنوان الذي يذكّر بأفلام الكابوي في مطاردة السلطات لأفراد العصابات، "Wanted" "مطلوب فوراً فوراً فوراً"، وقفت مشدوهاً لا أكاد أصدق أن الكلمات التي أمامي، خرجت من ذات الرجل الذي عرفناه لعقود، مشمراً عن ساعديه رافعاً صوته، صارخاً في وجه كل نظام معادٍ للتوجهات والسياسات الصهيوأمريكية، ومن يحاول أن يدافع عن ذلك النظام، ومحرضاً على كل توجه مقاوم للمخططات والمؤامرات الإستعمارية، مبشراً بثوراتٍ لم تُبقِ من الأوطان سوى الرماد، تلك الثورات التي أعلنت عنها كونداليزا رايس وعُرفت بالفوضى الخلّاقة.
بدأ لي المنشور كأنه صادر عن شخص ٍ آخر، لا عن ذلك الإعلامي المرتدي روح المقاتل الشرس، الذي طالما ركب موجة الغضب العربي، واعتاش على لهيبها ونيرانها. ألحّ عليّ السؤال في نفسي: هل هذا فعلاً هو فيصل القاسم ذاته، الذي كان يرفع لواء الحرية أية حرية كانت - لا يهم- ويدعو لإسقاط الدول واحدة تلو الأخرى؟ هل خلع القناع وأطلّ الوجه الحقيقي من خلف الرماد؟!
الدهشة المتوقعة، والمتوفرة لدي منذ أن اتضح لي نهج القاسم وتوجهاته وتبعيته، ثم المفارقة أكبر من أن تمر بلا وقفة؛ إذ بدأ وكأن فصلاً جديداً بدأ يكتب، مشهد جديد لبطلٍ قديم ٍ أحبه بعض القليل، وكرهه الأكثر . هل خلع رداءَه الثوري وارتدى عباءة الحارس الذي يطلب الأمن بعد أن ساهم هو نفسه في هدمه؟
فيصل القاسم، اسم ارتبط لأكثر من عقدين بصراخ الصراع والجدل والتحريض، إنه أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت واشتهرت بتغذية الإنقسامات وإمدادها بكل عوامل قدرتها على إحداث أكبر قدرٍ من التمزق والتفتت، ودفعت الجماهير إلى الشوارع باسم الثورة والحرية. الرجل الذي صنع لنفسه مجداً تلفزيونياً زائفاً عبر برنامج “الاتجاه المعاكس”، والذي كان خلاله متحدثاً أكثر من كونه محاوِرًا، شاحذاً ومحركاً للغضب الشعبي، ومشعلاً لنيران الفتنة، ومبشّراً بعصرٍ جديد يسقط فيه كل من يجلس على كرسي الحكم ولا يتبع الهوى البديل للفوضى الخلّاقة، ويأتمر بأوامر سادتها، أياً كان وأياً كانت النتيجة.
لقد عاد الزمن وأكمل دورته، فلا بد من أن تتبدل الوجوه، وتسقط الأقنعة بحسب اتجاه الريح.
بعد أكثر من عقد على انفجار ما سُمّي بالربيع العربي، يظهر فيصل القاسم بوجه جديد في منشورٍ جديد، يتحدث فيه بلهجة مناقضة تماماً لما كان يروّج له بالأمس، يندد بالعصابات التي تدخل البيوت وتنهب وتحرق وتقتل، ويطالب بالتصدي لها، ويصفها بأنها خارجة عن القانون وعدوة للشعب والدولة. هنا تبلغ الدهشة منتهاها، فيا للمفارقة! أليس هؤلاء هم أنفسهم الذين كان يسميهم بالأمس ثواراً أحراراً ومجاهدي الحرية؟ أليس هو نفسه فيصل القاسم من كان يبرر أعمالهم أيٍ كانت بشاعتها ووقاحتها ودجلها، بذريعة إسقاط النظام وإقامة العدل؟!!
كيف انقلب الخطاب من تمجيد الفوضى إلى المطالبة بالنظام، ومن التحريض على إسقاط الدولة إلى الدعوة للدفاع عنها؟
هذا التحول في موقف القاسم لا يمكن فهمه إلا في سياق الانكسار الكبير الذي أصاب مشروع الفوضى العربية، بعد أن اكتشف حتى صُنّاعه أن النار التي أوقدوها بدأت تأكل أطرافهم.
في زمن الثورات الزائفة كان القاسم لساناً ناطقاً باسم الغضب الموجه، يكرر شعارات من فوق المنابر دون أن يلمس رماد المدن التي تحترق، واليوم وقد تبدلت المعادلات وتغيرت الاتجاهات، صار لساناً آخر، أكثر حذراً، يتحدث بعبارات الدولة والشرعية، وكأنه لم يكن بالأمس أحد الذين ساهموا في تقويضها.
تحوُّل القاسم هو تجسيدٌ صارخ لذلك الإعلامي الذي يُبدِّل مواقفه كما يبدل معطفه، وفق الإشارة القادمة من الجهة التي تموّله أو ترعاه، وهو انعكاس لعقلٍ اعتاد على التلون باسم المصلحة والواقعية، بينما الحقيقة أن لا مبدأ يحكمه سوى الارتزاق والبقاء في دائرة الضوء. لقد عاش الرجل على صخب الجدل، وكلما خفتت النار صبّ وقوداً جديداً، غير آبهٍ إن كانت الكلمات التي ينطق بها تشعل الأوطان أو تُمزق المجتمعات وتقتل الأبرياء.
في منشوره الأخير، بدا القاسم كمن يكتشف فجأة بشاعة ما صنعه، فيصرخ مستنكراً؛ فالمجازر التي وصفها اليوم كانت تحدث بالأمس أمام عينيه، لكنه كان يصفها بـ"الثورة"، والضحايا كانوا يسمّون "أعداء الحرية"، أما الآن وقد لامست النار حدود من كان يخدمهم، أصبح القاتل عصابة، والذبح جريمة، والأدهى أنه يُطالب رؤساء العصابة بالقبض على أفرادها!! إنها ازدواجية لا يمكن تفسيرها إلا بنفاقٍ مهني موجه وقناعاتٍ مصلحية شخصية.
هكذا تحول الإعلامي الكبير من محرض ٍ إلى واعظ، ومن مشعلٍ للحرائق إلى مدّعٍ بإطفائها، حين أدرك أن الرماد بدأ يطاله هو نفسه.
فيصل القاسم اليوم مرآة مكسورة تعكس وجهاً من وجوه الإعلام العربي الذي باع الحقيقة مقابل فُتات، وخان الكلمة حين جعلها أداةً للتوجيه لا وسيلةً للتنوير. وربما سيأتي يومٌ آخر، يبدّل فيه قناعه مرة ثالثة، فيعود ليتحدث عن الحرية من جديد، حين يُطلب منه ذلك.
وما زرعه بالأمس من سموم لن يمحوه منشورٌ متأخرٌ يطلب فيه وهو يعلم، التصدي للعصابات من العصابات. لأن الحقيقة البسيطة التي يدركها الجميع هي أن تلك العصابات كانت صنيعة الخطاب الذي تبنّاه هو ومن على شاكلته. والآن حين بدأ الدخان يملأ بيته، تذكّر فجأة أن للنار صوتاً.
فهل يعلم هو ومن سار في دربه أن الكلمة حين تُقال بلا ضمير تصبح سيفاً يرتدّ على صاحبها قبل أن يُصيب غيره؟ أم سيواصل هؤلاء تبديل الأقنعة كلما تبدّل الممول، ويظنون أن الذاكرة الجمعية للأمم تُمحى بسهولة؟
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.