صفعة ترامب.. وفجر أمريكا الجديد
تاريخ النشر: 8th, November 2025 GMT
حاتم الطائي
◄ زُهران ممداني فارس التغيير في المشهد السياسي الأمريكي
◄ "الثورة الأمريكية الحديثة" يقودها جيل "زد" المُتجاوِز للسرديات الرسمية الكاذبة
◄ أمريكا أمام مفترق طرق بين عالم ترامب المُدمِّر ومسار الإصلاح الديمقراطي
صفعةٌ حادة تلقّاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إثر فوز زُهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، مُمثِّلًا للحزب الديمقراطي المُنافِس الأول للحزب الجمهوري الذي يُسيطر حاليًا على المشهد السياسي الأمريكي، لكن الصفعة لم تكن فقط حادة لأنَّ ممداني مرشح ديمقراطي، ولا لأنَّه مسلم؛ بل لأنَّه استطاع حرفيًا أن يفضح ترامب ونخبته الثرية في عقر دارهم، أين؟ في نيويورك عاصمة المال والأعمال العالمية، عاصمة أباطرة العقارات وعلى رأسهم ترامب أكبر سمسار عقاري في العالم، عاصمة أصحاب الثراء الفاحش الذين لا يمثلون سوى 1% من سكان الولايات المُتحدة، والأشد أهمية من ذلك، أن نيويورك معقل عتيد للصهيونية العالمية، ونقطة ارتكاز استراتيجية للوبي اليهودي للتحكُّم في مراكز صنع القرار الأمريكية.
ممداني الشاب المُهاجر الذي لم يُولد أمريكيًا حقق نجاحًا مُذهلًا في قراءة العقل الأمريكي، واستطاع أن يستفيد من الزخم الذي أعقب "طوفان الأقصى" وعدم تصديق الجمهور- لا سيما الأجيال الجديدة وتحديدًا جيل "زد" المُدهش- للسردية الصهيونية؛ بل واستنكاره الشديد ورفضه المُطلق لحرب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني في غزة وكامل تراب فلسطين المُحتلة. استطاع ممداني بكل جُرأة أن يقف في وجه ترامب رغم عدوانيته المعروفة تجاه خصومه، وأقنع الناخبين في عاصمة المهاجرين ومدينة الأقليات العرقية والإثنية، بأن يمنحوه أصواتهم، ولم تفلح جميع المحاولات الترامبية في إلحاق الهزيمة بالرجل، الذي أطلق عبارة تحدٍ غير مسبوقة في تاريخ السياسات الأمريكية، فقد قال ممداني في خطاب النصر مُوجهًا حديثه لترامب: "أقول لك 4 كلمات: ارفع صوت التلفزيون عاليًا"، في لهجة تحدٍ لا مثيل لها تؤكد أنَّ هذا العمدة الجديد سيكون الشوكة في حلق ترامب ومن خلفه الحزب الجمهوري.
وبنجاح ممداني في أولى معاركه السياسية باكتساح، فقد استطاع أن يُزيل الغشاوات عن أعين المجتمع الأمريكي، وأولها: سيطرة الصهيونية اليهودية على أمريكا، والتي تسببت في تخريب الولايات المتحدة، وسعت إلى تجنيد كل رئيس أمريكي لخدمة الكيان الإسرائيلي ورعاية مصالحه داخل أمريكا وخارجها.
ونظرًا لأنَّ ترامب- بسياساته الإقصائية واليمينية المتطرفة- أحدث شرخًا عميقًا في المجتمع الأمريكي، فقد نجح ممداني في توظيف ذلك والعمل على توحيد الأمريكيين خلف الفكر السياسي الذي يخدم مصالحهم ويتوافق مع ضمير المواطن الأمريكي البسيط، الذي يرى المذابح في غزة وفي كل مكان في العالم تُرتكب بسلاح أمريكي. استفاد ممداني كذلك من موجة الغضب العارم تجاه ترامب وسياسته، والتي تجلّت في المظاهرات المليونية الحاشدة وثورة جيل "زد" ولا سيما طلاب الجامعة ضد السياسات الداعمة لإسرائيل وللأقلية الثرية، على حساب الفقراء والطبقات الاجتماعية الكادحة.
منح ممداني الناخب الأمريكي ما يأمله من مُرشحه، فقد وعد باتخاذ قرارات تخدم المواطن، مثل تجميد الإيجارات السكنية وهي قضية بالغة الأهمية في أمريكا، وخفض الضرائب وتنفيذ حزمة إجراءات تُساعد المواطن الأمريكي على تنفس الصعداء بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والمالية. ولذلك عكس البرنامج الانتخابي لممداني رؤية اليسار الديمقراطي؛ حيث إنَّ الاشتراكية الديمقراطية تؤمن بحقوق الفقراء أولًا، مع العمل على فتح الاقتصاد أمام النمو الرأسمالي، وقد لاقى هذا البرنامج تأييدًا واضحًا نظرًا للسنوات العجاف التي عانى منها المواطن الأمريكي سابقًا.
لا ريب أن زُهران ممداني رسم نقطة تحول كبرى في المشهد السياسي الأمريكي، مثّلت منعطفًا لتصحيح المسار السيئ الذي تسببت فيه سياسات ترامب الفاشلة والتي لا تلبي احتياجات الشعب الأمريكي؛ بل القلة القليلة منهم، وهي فئة الأثرياء التي ينتمي لها ترامب.
وقد أسهمت التناقضات الحادة والصارخة في المجتمع الأمريكي في نجاح البرنامج الانتخابي لممداني؛ فالأغنياء يزدادون ثراءً كل يوم، والفقراء يزدادون فقرًا، ولذلك يمثل ممداني "المُخلِّص" من ويلات هذه السياسات النيوليبرالية، كما إنه أيقونة التغيير السلمي الذي أراده المجتمع الأمريكي في انتخابات الرئاسة الماضية، لكن بسبب غباء الحزب الديمقراطي وإصراره على ترشيح جو بايدن ومن بعده كاميلا هاريس، نجح ترامب بكل سهولة، فقط لأنَّه لم يجد مرشحًا قويًا يقف أمامه، وليس لأنه صاحب شعبية كبيرة.
ممداني هو النموذج الأمريكي الأكثر عدالة والتزامًا بالقيم والمبادئ الإنسانية، في مواجهة ترامب وزُمرته الذين لا يسعون إلّا وراء المال وتحقيق الأرباح على حساب المبادئ والعدالة والمساواة.
وبينما يمثل ترامب أثرياء أمريكا، القلة التي تستحوذ على 90% من الثروات، فإنَّ ممداني يمثل المواطن الأمريكي العادي القادم من خلفيات ثقافية متنوعة، والمؤمن بـ"الحلم الأمريكي"، حلم العدالة والرخاء والمساواة والحقوق المدنية. ممداني صاحب الـ34 عامًا، يمثل فئة الشباب وجيل "زد" الراغب في التغيير وكسر الاحتكارات ورسم مُستقبل أكثر عدالة للطبقات المسحوقة ومعظمهم من الأقليات والمُلوَّنين والمهاجرين.
ترامب ليس فقط رئيسًا سيئًا مُلطَّخة يداه بدماء الشعب الفلسطيني، لكنه عديم الأخلاق، فبينما يئن الجوعى والمُعدمين في شوارع بروكلين وبرونكس، يدعم ترامب الأثرياء والأمراء والنافذين الذي يجتمعون في جزيرة إبستين لمُمارسة أبشع أنواع الرذيلة، بالتوازي مع إعلام رسمي فاسد لا يُعبِّر عن القضايا الحقيقية.
لقد تسببت هذه البيئة التي تعج بالأكاذيب- ولا سيما ما حدث أثناء حرب غزة- في تهيئة الأجواء للتغيير المنشود؛ إذ إنَّ جيلًا صاعدًا رفض الرواية الرسمية الكاذبة وتضامن وتعاطف مع أصحاب الحق في فلسطين، وأدرك حجم الفُحش السياسي الذي يُمارس باسم "الديمقراطية" و"الانتخابات النزيهة"!
ويبقى القول.. إنَّ نجاح ممداني وضع أول قدم للسياسة الأمريكية على مفترق الطرق، الفاصل بين طريق ترامب المُدمِّر وعالم عبادة المال وغياب القيم واحتكار الثروات في يد الأقلية البيضاء، وطريق الإصلاح الذي يقوده ممداني المُرتكز على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة.. إنه صراعٌ تشتعل جذوته تحت رماد الفساد السياسي والرذيلة المستشرية بين النخب الأمريكية، صراعٌ سينفجر في وجه ترامب وأمثاله قريبًا جدًا، وسيُولَد نظامٌ جديدٌ أكثر عدالة، قوامُهُ الطبقة الوسطى المُؤمنة بالقيم الإنسانية، والقادرة على قيادة العالم بوعيٍ ومسؤولية.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: المجتمع الأمریکی المواطن الأمریکی الذی ی
إقرأ أيضاً:
العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
أكد المحلل السياسي، أحمد العبود، أن الجهود الأمريكية المتعلقة بالملف الليبي، وفي مقدمتها المبادرة الامريكية للسلام، أسهمت في تحريك عدد من المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية التي كانت تواجه حالة من الجمود خلال الفترة الماضية.
وأوضح العبود، في حديث على قناة “ليبيا الأحرار”، أن تقييم هذه المبادرة ينبغي أن يتم من خلال النظر إلى مجمل المسارات التي تعمل عليها، مبيناً أنها تشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، ومعتبراً أن بعض الانتقادات الموجهة إليها تتجاهل حجم التحديات التي تواجه المشهد الليبي وتعقيداته.
وأضاف أن الولايات المتحدة تعمل في إطار إعادة تموضع استراتيجي في المنطقة، وأن اهتمامها بالملف الليبي أصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أن التحركات الأمريكية ساهمت، وفق تقديره، في دفع بعض المسارات السياسية إلى الأمام بعد فترة من التعثر.
ورأى العبود، أن الزخم الذي تشهده بعض المبادرات السياسية الحالية، ومن بينها اجتماعات لجنة “4+4” المرتقبة في تونس، لا يمكن فصله بالكامل عن الحراك الدولي والأمريكي المتزايد تجاه الأزمة الليبية، معتبراً أن هذا الحراك ساعد على خلق مناخ أكثر ملاءمة لاستئناف الحوار بين الأطراف المختلفة.
كما استشهد العبود، بالاتفاق الذي أُعلن عنه برعاية المصرف المركزي بشأن الميزانية والإطار التنموي، معتبراً أن مجرد التوصل إلى هذا الاتفاق بعد سنوات من الانقسام يمثل خطوة مهمة في اتجاه توحيد المؤسسات الاقتصادية والمالية.
وأوضح أن الاتفاق شمل التفاهم حول الميزانية الموحدة وآليات توزيع مخصصات التنمية، مشيراً إلى أن هذه الخطوات تمثل أساساً يمكن البناء عليه في المراحل المقبلة.
وأشار إلى أن بعض الإجراءات والإصلاحات الاقتصادية بدأت بالفعل – من وجهة نظره – إلا أن تنفيذ الاتفاقات الكبرى يحتاج إلى وقت وإجراءات فنية وإدارية قبل أن تنعكس بشكل واضح على الواقع الاقتصادي، مؤكداً أن تقييم أي اتفاق يجب ألا يقتصر على نتائجه الفورية فقط، بل ينبغي النظر أيضاً إلى قدرته على إنهاء الانقسامات المؤسسية ووضع أطر مشتركة للعمل بين الأطراف المختلفة.
وأكد العبود، أن الاتفاق تم توقيعه رسمياً وأُعلن عنه من قبل الجهات المختصة، وأن العمل يتركز حالياً على استكمال الآليات والإجراءات التنفيذية اللازمة لتطبيق بنوده، معتبراً أن هذه المرحلة تمثل جزءاً طبيعياً من مسار تنفيذ أي تفاهمات مؤسسية واسعة.
وشدد على أن الحكم النهائي على نتائج المبادرات الأمريكية والمسارات المرتبطة بها يجب أن يكون بناءً على ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة من خطوات عملية، سواء على مستوى الإصلاحات الاقتصادية أو التفاهمات السياسية والأمنية الجارية بين الأطراف الليبية.
وقال العبود، إن الحديث عن شراكة سياسية واسعة بين عدد من الأطراف الليبية لا يتعارض مع هدف الوصول إلى الانتخابات، بل يمثل، من وجهة نظره، خطوة ضرورية لتهيئة الظروف السياسية والمؤسسية اللازمة قبل الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي.
وأضاف أن القوانين الانتخابية التي أعدتها لجنة “6+6” حاولت معالجة هذه الإشكالية من خلال الربط بين الانتخابات وبين تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تشرف على المرحلة الانتقالية وتقود البلاد نحو الاستحقاق الانتخابي.
وفي رده على الانتقادات الموجهة إلى مبادرة مسعد بولس، رفض العبود، وصف المبادرة بأنها غير موجودة أو أنها تفتقر إلى النتائج، مشيراً إلى أنها تقوم على 3 مسارات متوازية تشمل الجانب الاقتصادي، والمسار الأمني والعسكري، إضافة إلى المسار السياسي.
واعتبر أن جزءاً من الحراك السياسي الحالي، بما في ذلك الاجتماعات المرتقبة في تونس، جاء في سياق الزخم الذي وفرته التحركات الدولية والأمريكية خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن حالة الانسداد التي وصلت إليها العملية السياسية دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن مقاربات جديدة للحل.
وفيما يتعلق بمسار الأمم المتحدة، رأى العبود، أن بعثة الأمم المتحدة كان بإمكانها البناء على التوافقات التي تحققت سابقاً بين مجلسي النواب والدولة، وخاصة فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية، بدلاً من الانتقال إلى مسارات جديدة قبل استنفاد فرص معالجة النقاط الخلافية العالقة.
واعتبر العبود، أن العودة إلى طرح فكرة إجراء الانتخابات في ظل وجود حكومتين من شأنها أن تعيد الأزمة إلى نقطة البداية، معتبراً أن أي مشروع انتخابي جاد يتطلب أولاً وجود سلطة تنفيذية موحدة قادرة على إدارة العملية السياسية وضمان تنفيذ نتائجها.
وحول المضامين السياسية لمبادرة بولس، أكد العبود، أن التصورات المتداولة بشأنها تتحدث عن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، بما يشمل تعديل تركيبة المجلس الرئاسي، والحفاظ على وجود حكومة موحدة تضم مكونات من الحكومتين القائمتين حالياً، بما يساهم في إنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
ولفت إلى أن عدم صدور تفاصيل رسمية كاملة حول المبادرة يعود، بحسب تقديره، إلى طبيعة التحركات الدبلوماسية التي تعتمد قدراً من السرية خلال مراحل التفاوض الأولى، بهدف توفير فرص أكبر للتوافق بين الأطراف المختلفة قبل الإعلان عن النتائج النهائية.
وبينّ أن المبادرة لا تزال في طور البناء والتشاور، وأن ما يُتداول بشأنها يمثل تصورات ومناقشات سياسية أكثر من كونه إعلاناً رسمياً نهائياً، مؤكداً أن مخرجاتها السياسية لم تُعلن بصورة كاملة حتى الآن.
ورأى العبود، أن فرص تقدم هذا المسار ما تزال قائمة، متوقعاً أن تتبلور ملامح أوضح خلال الأشهر المقبلة في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا. مؤكدا أن الأزمة الليبية وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها استمرار الوضع الراهن خياراً مريحاً لجميع الأطراف، ما يجعل البحث عن تسوية سياسية جديدة أمراً مطروحاً بقوة على أجندة الفاعلين المحليين والدوليين خلال الفترة القادمة.
وقال إن الحديث المتداول حول اجتماع تونس المرتقب ضمن صيغة “4+4” يأتي في سياق تطور طبيعي للمسارات السياسية الجارية في ليبيا، مشيراً إلى أن النقاشات الحالية تعكس توجهاً نحو شراكة سياسية حقيقية بين الأطراف الفاعلة بدلاً من الاكتفاء بطرح شخصيات محددة كما كان في السابق.
وأردف العبود، أن أي حديث جاد عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا لا يمكن أن يتم في ظل وجود حكومتين متوازيتين، مؤكداً أن العملية الانتخابية تتطلب بالضرورة وجود حكومة موحدة كإطار تنظيمي وإداري لضمان تنفيذ الاستحقاق الانتخابي بشكل صحيح.
وأشار إلى أن محاولات سابقة داخل المسار السياسي، بما في ذلك ما صدر عن مجلس النواب، كانت تهدف إلى معالجة إشكالية غياب الحكومة الموحدة باعتبارها شرطاً أساسياً للانتقال إلى الانتخابات، إلا أن استمرار الانقسام المؤسساتي جعل هذا الهدف غير مكتمل حتى الآن.
وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، اعتبر العبود، أن ما يُعرف بمبادرة مسعد بولس يجري العمل عليها عبر ثلاثة مسارات رئيسية: اقتصادي ومالي، وعسكري وأمني، وسياسي. موضحا أن المسار الاقتصادي ارتبط بإصلاحات في المصرف المركزي وتعاون مع مؤسسات مالية دولية، بينما يركز المسار العسكري على لجان مختصة بملف الحدود والأمن، في حين يتناول المسار السياسي إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وبحث ترتيبات انتقالية جديدة.
وأكد أن الاتفاقات الاقتصادية، وعلى رأسها ما يتعلق بتوحيد السياسة النقدية وإقرار ميزانية موحدة، تم توقيعها بالفعل، إلا أن تنفيذها لا يزال في مرحلة البحث عن آليات تطبيقية، مشيراً إلى أن غياب بيانات تنفيذية واضحة حتى الآن يعكس أن هذه التفاهمات لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق الكامل.
وفي المقابل، شدد العبود، على أن النقاش حول الشراكة السياسية، لا يجب أن يُفهم فقط كصيغة لتقاسم السلطة، بل كمرحلة انتقالية تهدف إلى توحيد المؤسسات وتهيئة بيئة سياسية مستقرة يمكن أن تقود لاحقاً إلى انتخابات شاملة.
وأضاف أن طرح توسيع دائرة الفاعلين السياسيين عبر إدماج أطراف متعددة يعكس محاولة لمعالجة الانسداد السياسي القائم، في ظل تعثر المسارات التقليدية للحل، سواء الأممية أو المحلية.
وحسب العبود، فإن المسارات الجارية، بما فيها اجتماع تونس، لا يمكن فصلها عن الحراك الدولي والإقليمي الداعم لإعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي، مشيراً إلى أن نجاح هذه الجهود يبقى مرهوناً بقدرتها على الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة لجميع الأطراف.
وقال إن النقاش الدائر حول ما يُعرف بـ “الشراكة السياسية الحقيقية” المطروحة ضمن المبادرات الدولية يثير مخاوف مشروعة من أن تتحول إلى صيغة لتقاسم السلطة والبقاء في الحكم بدلاً من أن تكون مرحلة انتقالية تقود إلى انتخابات شاملة. موضحا أن ضمان تحول هذه الشراكة إلى مسار انتخابي فعلي لا يقوم على عامل واحد، بل يرتكز على ثلاثة مستويات رئيسية من الضمانات.
وتابع: الضمانة الأولى تتمثل في قوة الدفع الأمريكية والانخراط الدولي في المسار السياسي، معتبراً أن هذا العامل قد يشكل مظلة ضغط وضمان نسبي لتوجيه العملية نحو الانتخابات، مقارنة بالبعثة الأممية التي وصفها بأنها ضعيفة وهشة وغير قادرة على فرض تنفيذ الاتفاقات.
وأضاف أن التجارب السابقة، مثل اتفاق الصخيرات، أظهرت، بحسب تعبيره، غياب آليات فعالة لضمان الالتزام بالمدد الزمنية والالتزامات السياسية، حيث استمرت بعض الحكومات لفترات أطول بكثير من المدد المحددة في الاتفاقات الأصلية.
أما الضمانة الثانية، حسب العبود، فتتمثل في دور البعثة الأممية عبر ما وصفه بـ “الدعم الجماعي” من أعضاء مجلس الأمن، مشيراً إلى أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في ظل غياب أدوات تنفيذ مباشرة.
وأكد أن الضمانة الثالثة والأهم تتمثل في الأطراف الليبية نفسها، من خلال التزامها الفعلي بمبدأ التداول السلمي على السلطة وحماية مسار التوحيد السياسي والمؤسساتي، مشيراً إلى أن الواقع السياسي الليبي أظهر خلال مراحل سابقة تراجعاً في الالتزام بهذا المبدأ، سواء بعد انتخابات 2012 أو خلال مسارات الحوار اللاحقة.
واعتبر العبود، أن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية لم تُظهر مؤشرات قوية على وجود التزام راسخ بمبدأ التداول السلمي للسلطة، مشيراً إلى أن نتائج الاستحقاقات الانتخابية السابقة كثيراً ما أعقبها انقسام سياسي وصراعات مؤسسية.
واستطرد: مخرجات بعض الحوارات السياسية، بما فيها الأطر الأممية، لم تكن ملزمة بما يكفي لضمان استقرار سياسي طويل الأمد أو منع إعادة إنتاج الانقسام.
وأكد العبود، أن غياب ضمانات حقيقية وملزمة على المستويات الدولية والمحلية يجعل من الصعب الجزم بأن الشراكة السياسية المطروحة حالياً ستقود بالضرورة إلى انتخابات، محذراً من إمكانية تحولها إلى صيغة دائمة لإدارة السلطة وتقاسم النفوذ بدلاً من إنهاء المرحلة الانتقالية.
وقال إن تقييم نجاح مسار “4+4” المرتبط بالحوار السياسي في تونس لا يمكن أن يتم بناءً على الإعلان أو التوقعات، وإنما عبر المخرجات الفعلية والتنفيذ على الأرض، مشدداً على أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس إلا بما يتحقق فعلياً وليس بما يُعلن.
وأوضح العبود، أن الحديث عن نجاح أي مسار سياسي في ليبيا يجب أن يستند إلى نتائج ملموسة، مستشهداً بعمل لجنة “6+6” التي أنتجت مخرجات محددة، موضحاً أنه في حال عدم تحقق نتائج مماثلة فإن الحديث عن نجاح أي لجنة يظل غير دقيق.
وأضاف أن مسار استكمال المفوضية العليا للانتخابات يُعد مثالاً واضحاً على التحديات القائمة، مشيراً إلى أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بأعضاء المفوضية، بل يتركز أساساً حول منصب الرئيس، في حين أن كل طرف يقوم بتسمية ثلاثة أعضاء وفق التوافقات السابقة.
وأوضح العبود، أن هذا الترتيب، رغم التفاهمات الأولية، لم ينعكس بعد على الواقع العملي، ولم يحقق أي تغيير جوهري في سير العملية الانتخابية، ما يجعل وصفه بالإنجاز محل نقاش، وفق تعبيره. متسائلا عن جدوى اعتبار هذا التقدم إنجازاً في ظل عدم استكمال البنية المؤسسية للمفوضية، وعدم حسم ملف رئاستها، وعدم صدور أي قرارات تنفيذية نهائية من الجهات القضائية ذات الصلة.
وأشار العبود، إلى أن الإشكالية القانونية والتنظيمية ما زالت قائمة، خصوصاً فيما يتعلق بآليات ترشيح واختيار رئيس المفوضية عبر السلطة القضائية، في ظل ما وصفه بتعقيدات تتعلق بالقانون واللوائح وآليات عمل المجلس الأعلى للقضاء.
وشدد العبود على أن الإشكال القائم يتمثل في بقاء ملف رئاسة المفوضية معلقاً دون حسم، وهو ما يجعل أي توصيف للمسار بأنه “ناجح” أو “مكتمل” أمراً غير دقيق، بحسب قوله.
واختتم العبود، بالإشارة إلى أن ما يجري حالياً يمكن وصفه بأنه حالة “انتظار وترقب”، حيث يبقى الحكم على هذه المسارات مرهوناً بالمخرجات النهائية وليس بالمقدمات أو الاتفاقات الجزئية، مؤكداً أن أي إنجاز سياسي أو انتخابي سيظل “برسم المجهول” ما لم يتحول إلى خطوات تنفيذية واضحة وملزمة.