مفتي الجمهورية: العلم طريق الوعي والبناء وجسر بين رسالة الدين وغاية الوطن
تاريخ النشر: 10th, November 2025 GMT
أكد الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن العلم هو السبيل إلى الوعي والبناء، لأنه يجمع بين رسالة الدين وغاية الوطن، وبين نور العقل وهداية الإيمان.
جاء ذلك خلال كلمته التي ألقاها اليوم أمام طلاب وطالبات جامعة قنا، «جنوب الوادي سابقًا» بعنوان: "العلم طريق الوعي والبناء"، حيث أوضح فضيلته أن أول أمر رباني موجه إلى الإنسان في الإسلام كان: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾، مشددًا على أن القراءة في الإسلام ليست مجرد تلاوة للحروف، بل هي عملية وعي وبناء وتدبر في آيات الله الكونية والشرعية، ما يفتح أمام الإنسان آفاق الفهم والرقي، ويجعله قادرًا على عمارة الأرض وإصلاحها.
وأشار إلى أن أول طريق إلى الإيمان الحق هو طريق العلم والمعرفة، مستشهداً بقول الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: 28]، مؤكدًا أن العلم في الإسلام ليس ترفًا فكريًا أو رفاهية، بل هو أساس النهضة وركيزة الوعي. وأضاف أن الأمة التي لا تقرأ ولا تتعلم ولا تتقن أدوات العصر لا تستطيع بناء حضارتها أو الدفاع عن فكرها وهويتها، وأن الجهل أخطر أعداء الأوطان، بينما العلم هو السلاح الذي يحميها من الانحراف والانهيار.
وحذر مفتي الجمهورية من أن العلم ليس مجرد معلومات محفوظة، بل نور في القلب وبصيرة في العقل وهداية في السلوك، مؤكدًا أن "العلم الذي لا يثمر وعياً راشدًا ولا سلوكًا مستقيمًا إنما هو معرفة ناقصة لا ترفع صاحبها"، موضحًا أن الغاية من العلم في هي تمكين الإنسان من كشف زيف الباطل، والتمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، وحمايته من الانغلاق الفكري والتعصب، ليكون علمه سببًا في الإصلاح والبناء لا في الهدم والفتنة.
كما تطرق إلى تحديات العصر الحالي، حيث تتزاحم المعلومات وتتعدد مصادر المعرفة، فيختلط الصواب بالخطأ والحق بالوهم، مؤكدًا أن من لا يمتلك وعيًا مبنيًا على العلم الصحيح معرض للتيه والانخداع، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿فبشر عباد .. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: 17-18]، موضحًا أن هؤلاء هم أهل البصيرة الذين يجعلون من العلم وسيلة للهداية والإصلاح لا للجدل والإفساد.
وتحدث مفتي الجمهورية عن منزلة العلماء في الإسلام، مستشهدًا بالآية الكريمة: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ [المجادلة: 11]، وبالحديث الشريف: "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر، ليصلون على معلم الناس الخير"، مشيرًا إلى أن العلماء نور يهدي ويدعو للرحمة والرفق بالكائنات.
وحذر من العلم المزيف الذي يهدم العقول والمجتمعات، ويُستغل لتبرير الباطل باسم التقدم أو الحرية، مشيرًا إلى صورته المنتشرة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، حيث يقدم البعض أنصاف الحقائق ويشكك في الثوابت الدينية باسم العقلانية، مؤكدًا أن العالم الحق هو من يجعل علمه سبيلًا للحق والخير والوعي والبناء.
كما نبه المفتي إلى العقبات التي تواجه طلب العلم، منها الكسل الذهني والاكتفاء بالسطحيات والانغلاق على الرأي الآخر، مشددًا على ضرورة تذليل هذه العقبات بالمنهج العلمي الرصين، وترسيخ ثقافة الحوار والتثبت، والاعتماد على المؤسسات العلمية الموثوقة مثل الأزهر ودار الإفتاء المصرية، التي تبذل جهودًا كبيرة في مواجهة الفتاوى المضللة وتوضيح الأحكام على أساس الفقه العميق والفكر المستنير.
وأكد المفتي أن دار الإفتاء المصرية تتقدم في طليعة المؤسسات التي ترسخ العلم الصحيح وتحمي العقول من الزيف والتطرف. فقد أدركت الدار منذ نشأتها أن المعركة الكبرى في عصرنا ليست معركة سلاح، بل معركة وعي وفكر؛ لذلك جعلت من “الفتوى الرشيدة” أداة للبناء والإصلاح، ومن “العلم الموثوق” جدارًا يحمي المجتمع من الفهم الخاطئ للنصوص ومن استغلال الدين لأغراض دنيوية أو سياسية.
ولفت إلى أن دار الإفتاء أنشأت منظومات علمية متطورة وهيئات دولية ومراكز بحثية متخصصة، أبرزها الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، ومركز سلام لدراسات التطرف ومكافحة الإسلاموفوبيا اللذان يعملان على تحليل الفكر المنحرف وتفنيد شبهاته، وتقديم خطاب ديني علمي متزن يجمع بين أصالة النص وفهم الواقع.
كما أطلقت الدار حملات توعوية ومبادرات رقمية تخاطب الشباب بلغة العصر، لترد على الشبهات وتغرس قيم الوسطية والاعتدال، مؤكدة أن العلم الصحيح هو أساس الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي، وأن الفتوى المنضبطة علماً ومنهجاً هي حصن الأمة من الفوضى الفكرية.
وأشار مفتي الجمهورية إلى الأسئلة الكثيرة والمتنوعة التي ترد يوميًا إلى دار الإفتاء من مختلف فئات المجتمع، والتي تعكس حجم الحاجة إلى العلم الصحيح والفهم الواعي للدين، من العقيدة والعبادات والمعاملات، إلى قضايا الأسرة والطب والاقتصاد والتقنية الحديثة، مؤكداً أن الدار توفر الإجابة بلغة علمية رصينة قريبة من فهم الناس، بأسلوب يجمع بين الدليل والرحمة، بين النص وروح الشريعة، لتظل الكلمة الشرعية الصادقة مرجعًا للأمة.
وأكد أن الدولة المصرية في عهد فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي أولت اهتمامًا بالغًا بالعلم والتعليم، إدراكًا منها أن بناء الإنسان هو الأساس في بناء الدولة. فدعمت البحث العلمي، وأنشأت الجامعات الإقليمية والأهلية، وطورت المناهج، وأطلقت المبادرات التكنولوجية، لتجعل من المعرفة سلاحا في مواجهة الجهل والتطرف، حيث أكد فخامة الرئيس كثيرًا أن العلم والوعي هما جناحا البناء، وأن مستقبل مصر يصنعه شبابها المتعلم الواعي.
وفي ختام كلمته توجه فضيلة المفتي بكلمته إلى الشباب من الطلبة والطالبات قائلاً: "أنتم عماد الوطن وعدة المستقبل، والعلم الذي تكتسبونه اليوم هو الأداة التي تبنون بها غدكم". مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خير الناس أنفعهم للناس». وحثهم أن يكون علمهم نافعًا لأمتهم، وخدمة وطنهم ومجتمعهم، حاملين شعلة الفكر المستنير للحفاظ على القيم والهوية الوطنية.
حضر اللقاء كل من معالي الأستاذ الدكتور أحمد عكاوي رئيس جامعة قنا، والأستاذ الدكتور أشرف موسى، نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، والدكتور محمد سعيد عبد الله، نائب رئيس الجامعة لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، والدكتور محمد وائل عبد العظيم منصب نائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحوث.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: مفتي الجمهورية نظير محمد عياد الدكتور نظير محمد عياد الإفتاء الدولة المصرية دار الإفتاء مفتی الجمهوریة الوعی والبناء العلم الصحیح فی الإسلام مؤکد ا أن أن العلم
إقرأ أيضاً:
«الماء حياة ونماء».. موضوع خطبة الجمعة بمساجد الجمهورية اليوم
نشرت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة لليوم (10 صفر 1448هـ / 24 يوليو 2026م) بعنوان «الماء حياة ونماء».
وتهدف الخطبة إلى تعزيز الوعي الشعبي بأهمية صون المياه والممتلكات العامة كواجب شرعي ووطني، على أن تتركز الخطبة الثانية على محور «الموارد ليست ملكاً خاصاً».
وأكدت الوزارة على جميع الأئمة التقيّد بمضمون الخطبة والمدّة الزمنية المحددة لها.
نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الماءُ حياةٌ ونماءالحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:
١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.
٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».
٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ، فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».
٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾.