تقرير أمريكي :الحوثيون يعيدون التوتر إلى البحر الأحمر وسط تصاعد الخلافات الداخلية
تاريخ النشر: 11th, November 2025 GMT
كشف تقرير نشرته مجلة The Maritime Executive الأمريكية المتخصصة في الشؤون البحرية أن ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران تعتزم استئناف عملياتها العدائية في البحر الأحمر وخليج عدن، في محاولة لإعادة التوتر إلى واحد من أهم الممرات التجارية في العالم، وذلك في ظل تصاعد الخلافات داخل صفوف الجماعة عقب سلسلة الغارات الأمريكية والإسرائيلية التي أودت بعدد من قادتها البارزين.
ووفقًا للتقرير، فإن الخسائر البشرية التي تكبدتها قيادة الحوثيين كانت عاملاً محفزًا لانقساماتٍ داخلية عميقة، لا سيما بعد الغارة التي استهدفت اجتماعًا لقيادات الجماعة في 28 أغسطس/آب الماضي، والتي قُتل فيها رئيس أركان القوات المسلحة اللواء محمد الغماري، وعدد من القادة الآخرين.
كما تعرّض وزير الداخلية في حكومة الحوثيين عبدالكريم الحوثي – وهو عم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي – لإصابة حرجة في غارة جوية سابقة على حي الجراف في مارس/آذار، ما زاد من حدة التوتر والصراع بين الأجنحة الأمنية والسياسية داخل الجماعة.
التقرير أوضح أن هذه الخسائر "هزّت بنية القيادة الحوثية"، وأدت إلى تبادل اتهامات داخلية واعتقال عدد من المنتقدين، بمن فيهم مسؤولون محليون ودوليون في وكالات إغاثة عاملة في صنعاء، في حين وُجهت اتهامات بالتجسس إلى 21 شخصًا في محاولة لتبرير الإخفاقات الأمنية.
وتؤكد المجلة الأمريكية أن البحر الأحمر وخليج عدن يمثلان دائمًا "منفذ التوتر" الذي تلجأ إليه الميليشيا عندما تواجه أزمة داخلية. وتشير إلى أن الحوثيين اعتادوا في أوقات الضعف السياسي أو الخلافات القيادية على تكثيف الهجمات البحرية ضد السفن التجارية، بغرض إعادة توحيد صفوفهم وإثبات قدرتهم أمام داعميهم الإيرانيين.
كما نبه التقرير إلى أن الحوثيين ما زالوا يحتفظون بقدرات بحرية مهمة، تشمل زوارق هجومية صغيرة وطائرات مسيّرة وصواريخ مضادة للسفن، رغم ما فقدوه في الغارات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة.
ووفقًا للخبراء الذين نقلت عنهم المجلة، فإن "أي استئناف للعمليات العدائية الحوثية في البحر الأحمر سيشكل خطرًا مباشرًا على الملاحة الدولية"، نظرًا لأن هذا الممر يشكل شريانًا رئيسيًا لنقل النفط والبضائع بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
بالتوازي مع مؤشرات التصعيد الحوثي، تجري الأمم المتحدة وسلطنة عُمان اتصالات مكثفة لاحتواء الموقف، تشمل جهودًا لإعادة فتح الخدمات الجوية الدولية عبر مطار صنعاء كجزء من حزمة تنازلات تهدف إلى تثبيت الهدنة المعلنة في 2022.
غير أن التقرير أشار إلى أن هذه التحركات قد لا تكون كافية في ظل ميل الحوثيين إلى "استخدام الضغط العسكري وسيلةً لتحسين موقعهم التفاوضي".
وحذر محللون نقلت عنهم المجلة من أن فشل هذه الجهود الدبلوماسية سيقود حتمًا إلى موجة جديدة من الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، على غرار ما حدث أواخر عام 2023 وأوائل 2024.
في سياق موازٍ، أطلقت البحرية الملكية السعودية (الأسطول الغربي) تمرينًا بحريًا واسع النطاق تحت اسم "الموجة الحمراء 8"، في مدينة جدة، بمشاركة الأردن، السودان، جيبوتي، باكستان، إضافة إلى القوات البحرية اليمنية التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا.
ووفق البيان السعودي، يهدف التمرين إلى تعزيز الأمن البحري ومكافحة القرصنة وتهديدات الحوثيين في البحر الأحمر والمناطق الحدودية. ويرى مراقبون أن المناورة تأتي كـ"رسالة ردع واضحة" ضد أي نوايا عدائية قد تحاول الميليشيات تنفيذها بدعم من إيران.
يرى محللون استراتيجيون أن خطر التصعيد الحوثي يتجاوز السواحل اليمنية ليشمل مناطق في القرن الإفريقي، خاصة مع وجود مؤشرات على تنسيق ميداني بين الحوثيين وتنظيمات إرهابية في الصومال. ويشير التقرير إلى أن إيران تسعى عبر هذا التخادم إلى خلق محور تهديد مزدوج يمكنه تعطيل الملاحة الدولية من جانبي البحر الأحمر وخليج عدن، مستغلة هشاشة الأمن في الساحل الإفريقي الشرقي.
ويرى الخبراء أن هذا التكامل بين "التموضع الحوثي" و"النشاط الإرهابي الصومالي" يمثل خطرًا متزايدًا على الأمن البحري العالمي، ويستلزم تعاونًا استخباراتيًا أوسع بين القوى الإقليمية والدولية.
خلصت مجلة The Maritime Executive إلى أن الوضع الراهن ينذر بـ"عودة العنف البحري" إذا لم تُتخذ خطوات عاجلة للحد من نفوذ الحوثيين وضبط التمويل الإيراني لهم. وأضافت أن استمرار الانقسامات داخل قيادة الجماعة لا يعني ضعفها بالضرورة، بل قد يدفعها إلى تصعيد خارجي عنيف لتوحيد صفوفها وتأكيد حضورها العسكري.
التقرير ختم بالتحذير من أن قدرة الحوثيين ما زالت قائمة، والنية موجودة، والبحر الأحمر مرشحٌ للاشتعال مجددًا إذا فشلت جهود التهدئة الأممية والعُمانية.
المصدر
المصدر: نيوزيمن
كلمات دلالية: البحر الأحمر وخلیج عدن فی البحر الأحمر إلى أن
إقرأ أيضاً:
تحليل: الحوثيون يحافظون على ارتباطهم بطهران دون التخلي عن أولوياتهم
أكد تحليل نشرته مجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية أن الحرب الأخيرة التي تعرضت لها إيران وجهت أقسى ضربة لـ"محور المقاومة" منذ عقود، إلا أن ذلك لا يعني نهاية الشبكة الإقليمية التي بنتها طهران عبر حلفائها ووكلائها في المنطقة، مرجحة أن يتجه المحور نحو إعادة التشكل بصورة أكثر لامركزية واستقلالية بدلاً من الانهيار الكامل.
وأوضحت المجلة في التحليل الذي أعده الباحث في العلاقات الدولية محمد أيوب، أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت القيادة الإيرانية العليا والبنية العسكرية المرتبطة بها، إلى جانب الاستنزاف الذي تعرض له شركاء رئيسيون مثل حزب الله وحركة حماس، أثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل الاستراتيجية الإيرانية القائمة على الوكلاء في الشرق الأوسط.
وأشار التحليل إلى أن "محور المقاومة" لم يُبنَ في الأصل كتحالف عسكري مركزي، بل كشبكة مرنة تضم حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق، والحوثيين في اليمن، وحركة حماس في غزة، ضمن إطار دفاعي تعتبره طهران خطاً متقدماً لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب المجلة، فإن هذه البنية غير المركزية منحت المحور قدرة على امتصاص الصدمات، إذ إن تراجع أو إضعاف أحد مكوناته لا يعني بالضرورة انهيار بقية الأطراف، وهو ما يفسر استمرار نشاط عدد من الفصائل رغم الضربات التي طالت إيران وحلفاءها خلال السنوات الأخيرة.
من التوسع إلى البقاء
ورغم الخسائر الكبيرة التي تعرض لها حزب الله منذ عام 2023، بما في ذلك استهداف قياداته وتراجع نفوذه الميداني، يرى التحليل أنه لا يزال يمثل الركيزة الأقوى داخل المحور والأكثر ارتباطاً بطهران. وتشير "ناشونال إنترست" إلى أن تدمير أجزاء واسعة من جنوب لبنان وفشل الدولة اللبنانية في توفير الحماية والخدمات للسكان عززا من مكانة الحزب داخل بيئته المحلية، باعتباره الجهة الأكثر قدرة على تقديم الدعم والإغاثة.
إلا أن المجلة تتوقع أن يركز الحزب خلال المرحلة المقبلة على تثبيت وجوده داخل لبنان والحفاظ على قدراته الأساسية، بدلاً من العودة إلى أدواره الإقليمية الواسعة كما كان الحال في سوريا خلال السنوات الماضية. وفيما يتعلق بحركة حماس، يوضح التحليل أن علاقتها بإيران ظلت محكومة بالاعتبارات البراغماتية أكثر من الارتباط العقائدي، نظراً لاختلاف الخلفية الأيديولوجية للحركة التي تستند إلى القومية الفلسطينية والإسلام السني.
ورغم الخسائر العسكرية والبشرية الكبيرة التي تكبدتها الحركة في غزة منذ عام 2023، فإن المجلة ترى أن القضاء عليها بشكل كامل لا يزال أمراً صعباً، مشيرة إلى قدرتها على إعادة إنتاج قياداتها وتكييف تكتيكاتها مع الظروف الميدانية المتغيرة.
وتوقعت أن تنصب أولويات حماس مستقبلاً على البقاء وإعادة الإعمار وإدارة علاقاتها الإقليمية، أكثر من الانخراط في أي استراتيجية إيرانية موحدة على مستوى المنطقة.
استقلالية متزايدة
أما في العراق، فيرى التحليل أن الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ما تزال تمتلك قدرات هجومية مؤثرة، لكنها تتجه تدريجياً نحو مزيد من الاستقلالية عن طهران. ويشير الكاتب إلى أن إيران باتت تمنح قادة الفصائل العراقية هامشاً أكبر من حرية القرار، الأمر الذي يعزز مرونتهم العملياتية، لكنه في الوقت نفسه يضعف قدرة طهران على فرض استراتيجية موحدة، ويزيد احتمالات التنافس والخلافات بين الفصائل المختلفة.
ويخصص التحليل مساحة مهمة للحديث عن جماعة الحوثي في اليمن، معتبراً أنها تحتل موقعاً مختلفاً داخل محور المقاومة مقارنة بحزب الله أو حماس. وأوضح أن العلاقة بين الحوثيين وطهران ظلت تاريخياً أقل مؤسسية وتنظيماً من علاقة إيران بحزب الله في لبنان أو حتى بحركة حماس في فلسطين، وهو ما منح الجماعة هامشاً أوسع لاتخاذ قراراتها وفقاً للظروف المحلية اليمنية أكثر من الالتزام باستراتيجية إقليمية موحدة تقودها إيران.
وبحسب التحليل، فإن الحرب الأخيرة كشفت بوضوح أن الحوثيين لم يعودوا مجرد طرف ضمن شبكة إقليمية تقودها طهران، بل أصبحوا فاعلاً يمتلك حساباته الخاصة المرتبطة بالسيطرة على مناطق النفوذ وإدارة السلطة والموارد الاقتصادية داخل اليمن.
وأشار الكاتب إلى أن الجماعة أظهرت خلال حرب 2026 قدراً كبيراً من الحذر، رغم امتلاكها قدرات عسكرية تمكنها من استهداف الملاحة الدولية أو تنفيذ ضربات بعيدة المدى. وعلى خلاف توقعات كثير من المراقبين، لم تنخرط الجماعة بشكل كامل في المواجهة دعماً لإيران، الأمر الذي اعتبره التحليل مؤشراً على تغليب المصالح المحلية على الاعتبارات الأيديولوجية.
ويرى التحليل أن هذا السلوك يختلف بشكل واضح عن موقف الحوثيين خلال عامي 2023 و2024 عندما صعدوا عملياتهم في البحر الأحمر وباب المندب تحت شعار دعم غزة، وهي العمليات التي كان لها تأثير واسع على حركة التجارة الدولية والملاحة البحرية. أما خلال الحرب الأخيرة على إيران، فقد فضلت الجماعة تجنب الانخراط المباشر في مواجهة قد تستجلب عليها ضربات عسكرية واسعة وتؤثر على وضعها الداخلي.
استقلالية أكبر داخل المحور
ويذهب أيوب إلى أن الحوثيين قد يكونون من أكثر الأطراف استفادة من التحولات التي يشهدها المحور، إذ إن تراجع المركزية الإيرانية قد يمنحهم مساحة أوسع للتحرك كقوة إقليمية ذات أجندة يمنية بالدرجة الأولى.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه المجلة عن تراجع قدرة إيران على التنسيق المباشر مع مختلف حلفائها نتيجة الضربات التي استهدفت بنيتها العسكرية والقيادية، يبدو أن الحوثيين يتجهون نحو نموذج يقوم على الشراكة مع طهران لا التبعية الكاملة لها، مع استمرار الاستفادة من الدعم السياسي والعسكري الذي توفره الجمهورية الإسلامية.
وتشير تقديرات التحليل إلى أن الجماعة باتت تنظر إلى قضايا الحكم والسيطرة الإقليمية والشرعية الداخلية والبقاء الاقتصادي باعتبارها أولويات تتقدم على أي مواجهة إقليمية واسعة، وهو ما يفسر سلوكها الحذر خلال الحرب الأخيرة.
ويرى الكاتب أن التحولات الجارية لا تعني انتهاء نفوذ إيران الإقليمي، لكنها تشير إلى تغير طبيعة هذا النفوذ. فبدلاً من شبكة مترابطة تتحرك وفق توجيهات مركزية، يتشكل تدريجياً محور أكثر تشتتاً، يحتفظ بروابط أيديولوجية مشتركة مع طهران لكنه يمنح أعضائه هامشاً أكبر من الاستقلالية.
وفي هذا السياق، تبدو جماعة الحوثي نموذجاً واضحاً لهذا التحول، إذ تجمع بين استمرار العلاقة مع إيران وبين السعي إلى اتخاذ قراراتها وفقاً لمتطلبات المشهد اليمني المحلي، وهو ما قد يجعلها خلال السنوات المقبلة أحد أكثر أطراف المحور استقلالية وتأثيراً في الوقت نفسه.
وخلصت "ناشونال إنترست" إلى أن "محور المقاومة" لن يعود على الأرجح إلى صورته السابقة قبل الحرب، لكنه لن يختفي أيضاً، بل سيستمر كشبكة فضفاضة من الفاعلين الإقليميين الذين تجمعهم رواية سياسية مشتركة، بينما تقودهم في الواقع أولوياتهم الوطنية والمحلية، وهو اتجاه يبدو أكثر وضوحاً في الحالة اليمنية ممثلة بجماعة الحوثي.