مخاطر التوسّع في توريق الديون المصرفية
تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT
حافظ إدوخراز -
اعتمدت عدة بلدان عربية خلال العقدين الأخيرين تشريعات تسمح لمصارفها بتوريق ديونها، أسوةً بالاقتصادات المتقدّمة وعلى رأسها الولايات المتحدة. فما هو توريق الديون المصرفية؟ وأين تكمن خطورة التوسّع في هذه الممارسة التي لعبت دورا كبيرا في اندلاع أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة صيف العام 2007، والتي تطوّرت إلى أزمة مالية عالمية بعد إفلاس بنك ليمان براذرز في سبتمبر 2008؟
توريق الديون المصرفية هي عملية مالية يتم من خلالها تحويل ديون البنوك (قروض الرهن العقاري مثلا) إلى أوراق مالية قابلة للتداول في البورصة.
ظهرت عملية توريق الديون المصرفية في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي بهدف إنعاش القطاع العقاري من خلال تعبئة المزيد من الموارد المالية لتمويل شراء العقارات السكنية. لقد كانت هذه الممارسة، في البداية، تتعلّق فقط بديون الرهن العقاري (القروض التي تموّل شراء العقارات السكنية)، ويشار إلى الأوراق المالية المقابلة باسم الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية (Mortgage Backed Securities - MBS). غير أنه وفي وقت لاحق، تنوّعت طبيعة الديون المورّقة لتشمل أيضًا القروض الاستهلاكية والقروض التجارية المختلفة، ونتحدّث حينها عن الأوراق المالية المدعومة بالأصول (Assets Backed Securities - ABS). ويمكن جمع كل من الأوراق المالية المدعومة بالرهون العقارية وتلك المدعومة بالأصول معًا من أجل إصدار أوراق مالية أخرى تسمى بسندات الديون المضمونة (Collateralized Debt Obligations - CDO).
تسمح عملية توريق الديون للمؤسسات المصرفية بإخراج الديون المورّقة من ميزانياتها العمومية حتى تتمكن من توزيع المزيد من القروض دون الاضطرار إلى تعبئة موارد مالية ذاتية جديدة بحيث تظل في وضع يتوافق مع المعايير المصرفية المتعلقة بالأموال الذاتية والمعمول بها وطنيا ودوليا (اتفاقيات لجنة بازل حول المعايير الاحترازية). وبالتالي يمكن للبنوك الاستمرار في التوسع في الإقراض وتوزيع مزيدٍ من الديون مع إسناد تمويل هذه الديون إلى أسواق المال، وهذا هو ما يطلق عليه في الأدبيات الاقتصادية بنموذج «الإقراض من أجل بيع الديون» (Originate to Distribute).
وبذلك، فإن البنوك لا تعود تتحمّل المخاطر المرتبطة بإعسار المدينين وتخلّفهم عن السّداد، وإنما يتحمّلها المستثمرون في الأوراق المالية المطروحة للتداول في البورصة. تقوم البنوك إذن بفضل هذه التقنية المالية بتحويل مخاطر الائتمان إلى المستثمرين الخواص (صناديق الاستثمار وصناديق التقاعد وصناديق التحوّط والصناديق السيادية...) الذين يشترون الأوراق المالية الصادرة عن أدوات الاستثمار التابعة لها.
لا يشجّع هذا الوضع البنوك على تقييم الملاءة المالية للمقترضين بجدّية ومسؤولية والنظر في قدرتهم على سداد المستحقات وفي المخاطر التي قد تعوق هذه القدرة. وما دامت المخاطر تُنقل إلى الأسواق المالية، فالبنوك ستصير إذن أقل قلقًا بشأن قدرة المدينين على السّداد، ولا يعود الهمّ الأساسي عندها هو توزيع كل قرض بحكمة، مما ينعكس سلبًا على نظم تحليل جودة الائتمان ويخلق خطرًا أخلاقيا (Moral Hazard). فبدلا من السعي إلى تقييمٍ أفضل للمخاطر المتعلقة بالقروض الممنوحة لعملائها، تتمكن البنوك بفضل توريق ديونها من التخلّص تمامًا من المخاطر المتعلقة بالديون المشكوك في تحصيلها.
دروس من الأزمة المالية
لقد كانت سوق الرهون العقارية في الولايات المتحدة، مهد الأزمة المالية الأخيرة، مثالاً على التوسّع المفرط في اللجوء إلى هذه الآلية. وأدّى التوريق المنهجي للقروض العقارية في الولايات المتحدة إلى دفع العالم نحو الأزمة المالية الأشد خطورة في عصرنا (أزمة 2008). لقد قامت البنوك الأمريكية على مدى سنوات بتوزيع قروض عقارية عالية المخاطر (Subprime Mortgages) على نطاقٍ واسع، واستفادت منها الأسر ذات الجدارة الائتمانية الضعيفة أو تلك التي لديها وظائف غير قارّة. ولم يبدُ أن البنوك كانت تهتم كثيرا لقدرة مدينيها على دفع مستحقات ديونهم. ومن الأرقام التي يمكن أن تبرز ذلك بوضوح، ثمّة رقم يتعلق بإعداد ملفات الرهون العقارية عالية المخاطر التي وزعّتها البنوك الأمريكية قبل 2007، إذ أن ما يزيد على 40% من هذه الملفات لم تكن تحوي أي وثيقة حول الدخل الذي يتقاضاه المستدينون. لم يكن ذلك مشكلة بالنسبة للمصرفيين الأمريكيين الجشعين الذين راهنوا على بيع هذه الديون قبل أن تظهر أية مشكلة على السطح، وقبل أن تزداد حالات التخلف عن السداد على إثر ارتفاع أسعار الفائدة، فيجد المدينون أنفسهم أمام دفعات شهرية مستحقة تتجاوز إمكانياتهم المالية.
ترتبط تقنية توريق الديون بما يسمّى في الأدبيات الاقتصادية بمشكلة عدم تماثل المعلومات (Information Asymmetry)، بحيث يكون المستثمرون غير قادرين على تقييم المخاطر التي يتحمّلونها بشكل صحيح، لأنهم لا يملكون معلومات كافية عن جودة الأصول التي تدعم الأوراق المالية التي يستثمرون فيها. فقط البنوك التي منحت الديون المورّقة هي التي تعرف المخاطر المرتبطة بحيازة الأوراق التي تعرضها للبيع في الأسواق المالية من خلال شركاتها ذات الأغراض الخاصة. يكتفي المستثمرون، الذين لا يمتلكون المهارات الضرورية التي تسمح لهم بالحكم على المخاطر التي يتعرّضون لها، بالاعتماد بشكل كامل على التقييم الذي تجريه وكالات التصنيف الائتماني. غير أن الأزمة المالية لعام 2008 قد أظهرت بوضوح أن تقييم المنتجات المعقّدة الناتجة عن الابتكارات المالية من قبل هذه الوكالات لا يمكن الاعتماد عليه بسبب تضارب المصالح الذي يطبع عمل هذه الوكالات، فهي تأخذ عمولاتها من البنوك، ثم بسبب درجة التعقيد الذي تنطوي عليه هذه المنتجات المالية المركّبة. كما أن التعرّض للمخاطر المرتبطة بالديون لا يكون هو نفسه مع مرور الوقت، بل يصبح أكبر بعد أي تغيير يمكن أن يحدث في أي وقت من عمر القرض (زيادة أسعار الفائدة مثلا).
وإدراكًا منها للمخاطر التي تمثلها تقنية توريق الديون، كانت اللجنة الأممية المعنية بإصلاح النظام النقدي والمالي الدولي (برئاسة الأكاديمي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغليتز) قد اقترحت بعد الأزمة المالية لعام 2008 توصيةً مفادها أن يتم إلزام البنوك بالاحتفاظ في ميزانياتها العمومية بما لا يقل عن 10٪ من الأوراق المالية المقابلة لـكل عملية توريق. وتقول اللجنة إن من شأن هذا الإجراء أن يقلّل إلى حدّ كبير من المخاطر المحتملة والمرتبطة بهذه التقنية، ومن شأنه أن يحفّز البنوك على اعتماد معايير احترازية أكثر مسؤولية.
لا ندري لما لم تعتمد مجموعة العشرين هذه التوصية على الرغم من كل الوعود التي تعهّدت بها بُعيد اندلاع الأزمة المالية في سبيل إصلاح المنظومة المالية الدولية، غير أن هذه النسبة في اعتقادي لا ترقى إلى المستوى الذي قد يرغم البنوك على النّظر في المخاطر المرتبطة بديونها بكل الجدّية والمسؤولية المطلوبين. وتجدر الإشارة إلى أنه طالما يتم السماح بالتوريق، فيمكن للبنوك الاستمرار في استخدام هذه التقنية لتحويل ديونها المشكوك في تحصيلها إلى الأسواق. إن القدرة على تصدير 90% من قيمة الديون «السامّة» إلى الأسواق ستكون دائمًا أمرًا موضع ترحيب بالنسبة للبنوك. خاصة إذا كانت وكالات التصنيف لا تزال غير قادرة على التقييم الصحيح وغير المنحاز للديون المورّقة. وستكون تقنية التوريق وسيلة تسمح لها بالتخلص من الديون المرشّحة لتصبح قروضا متعثّرة وتوزيع قروض جديدة أكثر جودة.
أيّا تكن القوانين والمعايير التي قد تؤطّر هذه العملية وكيفما كانت قدرة السلطات الرقابية التي تشرف على تطبيقها، فإن التوسّع في هذه الممارسة قد يفتح بابًا كبيرا في وجه السلوك غير المسؤول من قبل المصرفيين، خصوصا في الدول التي تفتقد إلى الحوكمة الرشيدة وينتشر فيها الفساد. وينبغي أن تكون مشكلة عدم تماثل المعلومات الناتج عن هذه الممارسة كافيةً من أجل تحفيز المسؤولين على اعتماد قوانين وتنظيمات أكثر صرامة، بحيث تجبر البنوك على تحمل مسؤولية كل قرض تمنحه وتحدّ من لجوئها إلى توريق ديونها وتصدير المخاطر إلى الآخرين. ولهذا يجب إلزام البنوك بالاحتفاظ على ما لا يقل عن 40 أو 50٪ من الديون المورّقة كإجراء وقائي يحمي النّظم المالية الوطنية من إغراءات الربح السريع ولو على حساب الاستقرار الاقتصادي.
حافظ إدوخراز كاتب ومترجم، حاصل على ماجستير الدراسات الدولية والأوروبية من جامعة كرونوبل (فرنسا)
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی الولایات المتحدة الأوراق المالیة الأزمة المالیة هذه الممارسة المخاطر التی هذه الدیون البنوک على التوس ع
إقرأ أيضاً:
في اليوم العالمي للتدخين.. مخاطر التبغ وآثاره السلبية على الصحة
يرغب الكثيرون في الإقلاع عن التدخين ، لتجنب الأضرار الناتجة عنه، فضلا عن معرفة طرق الوقاية منه، فالتدخين باستخدام التبغ ومنتجاته المختلفة، يسبب الكثير من المخاطر الصحية الخطيرة، حيث تؤكد الدراسات الطبية أن التدخين يعد من أبرز الأسباب المؤدية للإصابة بأمراض القلب والرئة والسرطان، فضلًا عن تأثيره السلبي على جودة الحياة والصحة العامة.
التبغتستخدم أوراق نباتات التبغ بعد تجفيفها وتخميرها لأغراض التدخين، ويعرف التدخين بأنه عملية استنشاق البخار الناتج عن احتراق أوراق النباتات، وهناك العديد من النباتات الشائع استخدامها في عملية التدخين، مثل «الماريجوانا والحشيش»، ومع ذلك يعد التبغ أكثرها انتشارًا.
ويحتوي التبغ في تركيبته على الكثير من المواد الكيميائية الضارة منها «النيكوتين»، وهو المسبب الرئيسي للإدمان الذي يزيد رغبة المدخن الشديدة في التدخين.
مكونات التبغتصنع منتجات التبغ من خلال إضافة الكثير من المواد الكيميائية لتحسين المذاق وزيادة المتعة أثناء استخدامها، وينتج عن عملية احتراق السيجارة آلاف المواد الكيميائية منها سبعون نوعًا على الأقل من المواد المسرطنة، ووجد أن تدخين التبغ يمكن أن يتسبب في الإصابة ببعض المشاكل الصحية الخطيرة بما في ذلك أمراض القلب والرئة.
أبرز المواد الكيميائية الضارة التي تنتج من تدخين التبغالنيكوتين: المادة الأساسية التي تسبب الإدمان، وتحفز المدخن للاستمرار بعملية التدخين.
القطران: الجزيئات الصلبة العالقة في دخان التبغ، والتي تحتوي على مواد كيميائية مسرطنة، ويتميز القطران بلزوجته ولونه البني، ما يتسبب في تغير لون الأسنان والأظافر وأنسجة الرئة.
أول أكسيد الكربون: غاز سام عديم الرائحة واللون، يحل محل الأكسجين عند دخوله الجسم، ما يعيق وصول الأكسجين لأعضاء وخلايا الجسم، ويؤدي إلى الموت في حال استنشاق الكثير منه.
المعادن: يحتوي دخان التبغ على العديد من المعادن المسرطنة من أهمها الزرنيخ، والبريليوم، والكادميوم، والكروم، والكوبالت، والرصاص، والنيكل.
العناصر المشعة: يحتوي التبغ على عناصر مشعة مسرطنة منها عنصر اليورانيوم.
المواد الكيميائية المؤكسدة: مواد كيميائية شديدة التفاعل يمكن أن تلحق الضرر بعضلات القلب والأوعية الدموية للمدخنين، إذ تتفاعل مع الكولسترول، ما يؤدي لتراكم المواد الدهنية على جدران الشرايين، والذي يزيد بدوره من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكتة الدماغية.
ومكونات أخرى، منها: «سيانيد الهيدروجين، الفورمالديهايد، الرصاص، غاز الأمونيا، البنزين، الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات».
أضرار تدخين التبغيترتب على تدخين التبغ العديد من الأضرار والآثار الجانبية السلبية، وفيما يلي توضيح لأبرزها:
1- أضرار تدخين التبغ على الرئتين:يتمثل تأثير تدخين التبغ على الرئتين في زيادة خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي أو تفاقم أعراضها سوءًا، والتي تنتج عن استنشاق بعض المواد الكيميائية الضارة بما في ذلك النيكوتين، ومنها: «انتفاخ الرئة، السل، الالتهاب الرئوي، الانسداد الرئوي المزمن، التهاب القصبات الهوائية المزمن، سرطان الرئة، السعال المزمن، الربو».
2- أضرار تدخين التبغ على صحة القلبيتسبب النيكوتين في تضيق الأوعية الدموية، ما يؤدي إلى تقييد تدفق الدم، وبالتالي زيادة خطر حدوث العديد من الحالات الصحية التي تصيب القلب والأوعية الدموية، ومنها: «مرض الشريان المحيطي، تصلب الشرايين، تمدد الأبهر البطني، أمراض القلب التاجية، بما في ذلك النوبة القلبية، والموت القلبي المفاجئ، السكتة الدماغية، ارتفاع ضغط الدم.
3- أضرار تدخين التبغ على الخصوبةويؤثر النيكوتين في تدفق الدم للمناطق الحساسة لدى كل من الرجال و النساء، ما يسبب مشاكل في القدرة الإنجابية والرغبة الجنسية، فعند الرجال قد يؤدي التدخين إلى زيادة خطر الإصابة بضعف الانتصاب، وانخفاض جودة الحيوانات المنوية، وبالتالي انخفاض معدل الخصوبة، أما عند النساء فقد يؤدي التدخين إلى إلحاق الضرر بالجهاز التناسلي، وصعوبة في الحمل.
4- أضرار تدخين التبغ على جهاز المناعةيتسبب التدخين في إضعاف جهاز المناعة، ما يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى البكتيرية والفيروسية بما في ذلك الالتهاب الرئوي، والأنفلونزا.
5- أضرار تدخين التبغ على صحة العينيمكن أن يتسبب التدخين في الإصابة بمشاكل في العين، منها: «جفاف العين، زيادة خطر الإصابة بمرض الساد أو ما يعرف بالمياه البيضاء، اعتلال الشبكية السكري، الضمور البقعي»
6- أضرار تدخين التبغ على صحة الجلد والشعريساهم التدخين في تسريع ظهور علامات تقدم السن والتجاعيد لدى المدخنين، إلى جانب زيادة خطر الإصابة بسرطان الجلد، كما يؤثر كذلك في صحة الشعر، إذ يزيد من معدل تساقط الشعر، ما يؤدي بدوره إلى خطر حدوث الصلع.
7- أضرار تدخين التبغ على مرض السكرييزيد تدخين التبغ من خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني بنسبة قد تتراوح ما بين «30% - 40%»، إلى جانب تفاقم بعض الحالات الصحية المرتبطة بمرض السكري من النوع الأول بما في ذلك أمراض الكلى.
اقرأ أيضاًكيف تتخلص من التدخين نهائيًا رغم محاولات الفشل؟.. أمين الفتوى يجيب
انخفاض نسبة المدخنين في مصر «فوق 15 عامًا» إلى 14.2%
لمرضى الجيوب الأنفية.. كيف تحمي نفسك من العاصفة الترابية؟