لجريدة عمان:
2026-06-02@22:44:31 GMT

أخطار الدَّوْلَرَة

تاريخ النشر: 12th, November 2025 GMT

عندما عاد دونالد ترامب الى البيت الأبيض كانت هنالك مخاوف على نطاق واسع بأن إدارته ستسعى إلى تقويض الدور العالمي للدولار. لكن اليوم تبدو تلك المخاوف مثل ذكرى بعيدة؛ فالإدارة الأمريكية ترحب بالعملات المستقرة التي ترتكز على الدولار.

إنها عملة رقمية مشفَّرة، ومصممة للمحافظة على قيمة ثابتة لا تتقلَّب، وتعتبرها أمريكا فرصة لتوسيع مجال نفوذ عملتها؛ لأن كل واحدة منها مدعومة بأصل آمن يرتكز على الدولار.

وحسبما جاء في الأخبار يفكر البيت الأبيض فيما إذا كان يلزمه تشجيع البلدان الأخرى على التحول إلى الدولار أو الدولرة. (يُقصد بالدولرة إحلال البلد الدولار الأمريكي محل عملته الوطنية كعملة قانونية رسمية، وهو ما يعني التخلي عن سيادته النقدية كما هي الحال في عدة بلدان كالإكوادور والسلفادور وزمبابوي وتيمور الشرقية، وذلك مقابل استقرار الأسعار والسيطرة على التضخم ـ المترجم).

الفكرة تتعدى الاقتصادات التي تعاني بشدة مثل اقتصاد الأرجنتين، وهي المرشح النموذجي لسياسة الحث على الدولرة؛ فحتى البلدان الكبيرة والغنية أصبحت قلقة منها. لقد حذر المسؤولون ببنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي من أخطار الدولرة الرقمية (إجراء المعاملات المالية بالدولار الأمريكي في أشكاله الرقمية عبر الإنترنت).

تفوُّق الدولار الأمريكي يقلل سلفا العوائد التي يطالب بها الأجانب للاستثمار في أمريكا بنسبة 1 إلى 2 نقطة مئوية في كل عام. وسيتعاظم هذا «الامتياز المُغالَى فيه» الذي تنفرد به الولايات المتحدة مع تبني المزيد من البلدان للدولار، أو احتفاظ المزيد من الأجانب بالعملات الرقمية المستقرة والمقوَّمة بالعملة الأمريكية.

في الخارج يمكن أن تكون إمكانية الدولرة مصدرًا مفيدًا للانضباط؛ فالدولار يقدم مخزنًا للقيمة للهاربين من التضخم الذي تسببه السياسات الاقتصادية المتراخية، مثلما هي الحال مع الأرجنتينيين العديدين الذي يدخرون أموالهم في عملات صعبة يكدسونها في بيوتهم.

فكلما جعلت العملات المستقرة الدولار متاحًا بقدر أكبر صار من الصعب على الحكومات السيطرة على حركة رأس المال أو التخلص من ديونها من خلال التضخم. والدولرة في بعض البلدان هي السبيل الوحيد لاستقرار الأسعار طويل الأمد؛ فكل من الإكوادور والسلفادور تمتعتا بعد الدولرة بانخفاض التضخم حتى تحت قيادة اليسار الشعبوي.

رغم ذلك؛ على أمريكا عدم اتباع أجندة مؤيدة للدولرة.

في الاقتصادات المستقرة الدولرة غير ضرورية، وهي أيضا تنطوي على تكاليف؛ فالاقتصادات المُدَوْلَرَة تستورد السياسة النقدية للولايات المتحدة بدلا من وضع سياستها النقدية الخاصة بها ما يزيد من صعوبة محاربة الانكماشات (الانكماش الاقتصادي يعني تراجع النمو على الأقل لفترتين على التوالي كل منها تستمر لثلاثة أشهرـ المترجم). ولأن هذه البلدان التي تنتقل إلى الدولار لا يمكنها إيجاد أو طباعة النقود؛ فمن الصعب دعم نظامها المالي مؤقتا في أوقات الأزمات.

التحول إلى العملات المستقرة المقومة بالدولار يمكن أن يكون فوضويًا؛ فهو قد ينطوي على مسارعة المودعين إلى سحب ودائعهم من البنوك والى انهيارات مصرفية، والبلدان على حق في الدفاع عن سيادتها النقدية، وليس من مصلحة أمريكا أن يلومها حلفاؤها في التسبب بالاضطرابات التي ستحدث.

أيضا هنالك جانب مظلم للدولرة بالنسبة لأمريكا؛ فمكانة الدولار هي السبب الرئيسي وراء قدرتها على اتباع سياسة مالية بلا مشكلات مع ديون صافية تساوي 100% من ناتجها المحلي الإجمالي، وعجز في الموازنة بنسبة 6%.

وإذا استخدمت بلدان عديدة الدولار سيعني ذلك تأجيل اللحظة التي سيكون فيها من الضروري للولايات المتحدة ضبط وضعها المالي.

قد يبدو ذلك شيئا جيدًا لك إذا كنت تعمل في وزارة الخزانة الأمريكية اليوم، لكن كلما كدست أمريكا المزيد من الدين كانت الأزمة التي ستقع في نهاية المطاف أشد وبالًا. فأمريكا نفسها يمكن أن تواجه نفس الشيء الذي يخشى منه الآخرون، وهو المسارعة إلى التخلص من عملتها (الدولار)، ولكن على نطاق واسع جدًا.

إصلاح الموازنة يعني عدم الحاجة إلى المزيد من المشترين لسندات الدين الأمريكي؛ فهو يؤدي إلى تجنب خطر الأزمة، ويرجح استمرار مكانة عملة الاحتياط الأمريكية. وسيقود الإصلاح إلى تلافي تناقض صارخ في أجندة ترامب؛ فالنموذج الذي يتسم بارتفاع الدين والدولرة العالمية يعني بالتأكيد تقريبا عجوزات تجارية أكبر، وهي التي يمقتها الرئيس الأمريكي.

تعكس تدفقات رأس المال في جزء كبير منها صورة العجز التجاري. وهذا هو السبب في أن صقور التجارة في الإدارة الأمريكية يتشككون في المكانة العالمية للدولار (يرغبون في تقليص دوره كعملة احتياط).

لكن ما يدعو إلى الارتياح أن معسكر أنصار الدولار داخل الإدارة الأمريكية انتصر.

لم يتعافَ الدولار كثيرًا من الذعر الذي أعقب إعلان ترامب عن رسومه الجمركية الشاملة فيما أسماه «يوم الحرية».

والمستثمرون الآن أشد قلقا من مخاطر التعامل بالدولار دون تحوّط من تقلبات سعر الصرف. بل في لحظة ما كان من الوارد أن تُفرض ضرائب على المستثمرين الأجانب.

لكن ذلك لا يعني أن يبالغ البيت الأبيض في تعزيز وضع الدولار والتشجيع على الدولرة حين لا يكون ذلك ضروريا وغير مرغوب فيه؛ فأفضل طريقة لجعل العملة جذابة هي إدارة الاقتصاد بشكل جيد في الداخل.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المزید من

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • بوتين: في بعض البلدان يحاولون محو القيم الأسرية التقليدية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟