قراءة أولية في نتائج الانتخابات العراقية
تاريخ النشر: 14th, November 2025 GMT
أعلنت يوم الأربعاء 12 تشرين الثاني النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية، بانتظار الإعلان النهائي الذي سيخضع على الأغلب، إلى اشتراطات سياسية، وهذا بعد انتهاكات واسعة ارتكبتها المفوضية العليا للانتخابات، والهيئة القضائية الخاصة بها، خاصة فيما يتعلق بالاستبعاد المسيس، وإشراك الميليشيات التي شكلت أجنحة سياسية من أجل دخول الانتخابات، ثم التغاضي المطلق عن رؤية الرشاوى الانتخابية العلنية، واستخدام المال السياسي لشراء الأصوات، وكان ذلك واضحا في البذخ غير المسبوق على الحملات الانتخابية.
والملاحظة الأولى على تلك النتائج، هي التشتت غير المسبوق للمقاعد البرلمانية، حيث لم يحصل أي حزب/ تحالف على ما يزيد عن أكثر من 15٪ من المقاعد؛ حيث توزعت المقاعد على عدد كبير من الأحزاب/ التحالفات، وهو ما سينعكس بالضرورة على عملية تشكيل الحكومة وعلى طبيعة عمل المجلس نفسه!
فلم يستطع ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني من الحصول على الرقم الذي كان يطمح إليه الأمر الذي سيجعل حلمه بالولاية الثانية أبعد منالا، إذ لم يستطع الحصول سوى على أقل من 50 مقعدا وفقا للنتائج الأولية، فيما لم يستطع أي حزب/ تحالف آخر من عبور حاجز الثلاثين مقعدا (وفقا للنتائج الأولية سيحصل تحالف دولة القانون ما بين 28 و 29 مقعدا، وصادقون بين 27 و 28 مقعدا، وتقدم بين 26 و 27 مقعدا، والحزب الديمقراطي الكردستاني 26 مقعدا) فيما حصلت خمسة أحزاب/ تحالفات أخرى على ما دون العشرين مقعدا (وهي تحالف قوى الدولة الوطنية ومنظمة بدر والاتحاد الوطني الكردستاني وعزم والسيادة التي حصلت ما بين 12 و 18 مقعدا).
حصلت 8 تحالفات على ما بين 5 و 9 مقاعد (تحالفات الأساس وخدمات واشراقة كانون والحسم وحقوق وتصميم والموقف الوطني وواسط أجمل) فيما حصل 22 حزبا/ تحالفا ما بين 1 و 4 مقاعد ( وهي تحالف ديالى أولا والاتحاد الاسلامي الكردستاني، والجيل الجديد، وقمم والأنبار هويتنا، ونينوى لأهلها، وأهل نينوى، وحقوق، والجماهير الوطنية، وجبهة تركمان، كركوك الموحد، والهوية الوطنية، والقضية الإيزيدية، وتحالف صلاح الدين الموحد، وتحالف شراكتنا في صلاح الدين، والتحالف العربي في كركوك، وتفوق، والمشروع العربي في العراق، وائتلاف نينوى أولا، وتجمع الفاو زاخو، وجماعة العدل الكردستانية، وحركة سومريون، وابشر يا عراق)!
الملاحظة الثانية هي انكفاء الليبراليين/ المدنيين بشكل كامل، إذ لم يستطع أي حزب/ تحالف من الحصول على أي مقعد في أي محافظة، بما فيها محافظة بغداد نفسها. ولعل السبب الرئيسي في ذلك تحكم الأموال المرتبطة بالاستثمار في المال العام بشكل يكاد يكون مطلقا في الانتخابات، وهو ما يجعل هذه الأحزاب/ التحالفات خارج المنافسة تماما!
الملاحظة الثالثة هو تمدد الأحزاب الشيعية في الجغرافيا السنية
الملاحظة الثالثة هو تمدد الأحزاب الشيعية في الجغرافيا السنية، نتيجة لتمدد الميليشيات في هذه الجغرافيا بعد الحرب على داعش؛ وذلك من خلال تشكيل قوائم انتخابية من مرشحين سنة يؤدون دورا مشوبا بشيزوفرينيا دائمة؛ فهم نواب عن منطقة سنية وستكون لهم حصة من حصة المكون، لكن سلوكهم السياسي محكوم بخيارات رؤسائهم من الفاعلين السياسيين الشيعة! فقد حصل ائتلاف الإعمار والتنمية، مثالا، على 146.724 صوتا في محافظة نينوى، وهو ما يؤهلهم للحصول على ما بين 4 إلى 5 مقاعد ذهبت إلى مرشحين سنة، وحصل على 80.502 صوت في محافظة صلاح الدين، وهو ما يؤهله للحصول على مقعدين، لكن هذه المقاعد لن تحسب عمليا عند حساب أوزان الكتل الشيعية، بل سيحضر هؤلاء اجتماعات الكتل السنية عند توزيع الحصص المصممة على أساس هوياتي بحت!
الملاحظة الرابعة هي التغيير الذي حصل في محافظتي كركوك وديالى فيما يتعلق بالتمثيل الكردي، فلأول مرة منذ العام 2005 لا يحصل الكرد سوى على 5 مقاعد في محافظة كركوك، في مقابل خمسة مقاعد للأحزاب/ التحالفات السنية، ومقعدين للتركمان. فقد حكمت معادلة 6 + 6 (6 مقاعد للكرد مقابل 6 مقاعد للعرب والتركمان) انتخابات كركوك على مدى في انتخابات الأعوام 2005 و 2010 و 2018 و2021، ولم تُكسر هذه المعادلة سوى في انتخابات عام 2014 حين حصل الكرد على 8 مقاعد، وحصل العرب والتركمان على مقعدين لكل منهما. فيما لم يتمكن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني من الحصول على مقعد له في محافظة ديالى لأول مرة منذ عام 2005، وهذا التراجع لا يمكن فصله عن تحولات العلاقة بين القوى الكردية من جهة، والفاعلين السياسيين الشيعة من جهة أخرى، وسعي الأخير المنهجي إلى تقويض سلطة الإقليم، وما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها!
الملاحظة الخامسة تتعلق بالاختراق الذي حققته حركة «الموقف الوطني «، والتي أعلن عن تشكيلها العام الماضي من منشقين وناشطين، وقد شاركت في الانتخابات ضمن إقليم كردستان لأول مرة، واستطاعت أن تحصل على المركز الثاني في محافظة السليمانية، متقدمة على الحزب الديمقراطي الكردستاني والجيل الجديد والاتحاد الإسلامي الكردستاني وجماعة العدل الكردستانية، كما أنها جاءت في المركز الثالث بعد الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني في محافظة أربيل، وهو ما يؤهلها للحصول على ما بين 4 و5 مقاعد. في مقابل خسارة كبيرة للجيل الجديد الذي لم يتمكن من الحصول سوى على 3 مقاعد، فيما حصل على 10 مقاعد عام 2021 (لا يمكن عزل هذه الخسارة عن الضربة التي تعرض لها رئيس الحزب شاسوار عبد الله الذي اعتقل قبل الانتخابات بثلاثة أشهر فقط).
الملاحظة السادسة تتعلق بالصعود الاستثنائي لقائمة صادقون، التي تمثل الجناح السياسي لميليشيا عصائب أهل الحق، والتي تمكنت من الحصول على ما بين 27 و 28 مقعدا، في حين أنها لم تتمكن من الحصول سوى على 5 مقاعد في انتخابات عام 2021 (قبل انسحاب التيار الصدري) وكانوا قد حصلوا على 15 مقعدا عام 2018، ومقعد وحيد عام 2014 (هذا الصعود الاستثنائي يرتبط بشكل رئيسي بحجم الموارد التي حصلوا عليها من خلال استثماراتهم في المال العام والتي استخدمت لرشوة الجمهور من جهة، وسيطرتهم على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي وتجييرها لمصلحتهم انتخابيا من جهة ثانية).
وهذا الصعود سيشكل عامل ضغط حقيقي على السيد مقتدى الصدر والتيار الصدري (العصائب تشكلت من خلال انشقاقها عن التيار الصدري) فالسيد الصدر لم يتوقف يوما عن التعريض بهم، واتهامهم بأنهم «ميليشيا وقحة»، واتهامه قيس الخزعلي نفسه بشكل صريح بقتل مئات المدنيين السنة في سياق الحرب الأهلية بين عامي 2006 و 2007. وبالحديث عن التيار الصدري فإن الأرقام التي أعلنتها المفوضية العليا للانتخابات بشأن نسبة التصويت، وهي 56.11٪ (مع أن الرقم غير دقيق لأنه يعتمد على عدد الناخبين المسجلين في السجل الانتخابي وليس مجمل الناخبين الذين يحق لهم الانتخاب المعمول به في العالم أجمع) ستشكل هي أيضا ضغطا آخر الى جانب نتائج «صادقون»، ولن ينظر اليها الصدريون سوى على أنها محاولة متعمدة للتقليل من أهمية مقاطعتهم للانتخابات!
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه السوداني العراق العراق السوداني الانتخابات البرلمانية الحشد سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة صحافة اقتصاد سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة من الحصول على على ما بین فی محافظة لم یستطع سوى على وهو ما من جهة
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.